مؤلفات العَالِم من أعظم ما يدلّ على علمه وتحقيقه وتبحّره، وقد ضرب العلامة المعلمي بنصيب وافر في هذا الباب، فهو يعدّ من المكثرين من التأليف، إذ تجاوز عدد مؤلفاته مئة وعشرين كتابًا ورسالة، متفاوتة الحجم ما بين رسالة لطيفة وكتاب في مئات الصفحات. والكلام على خصائص مؤلفات الشيخ ومنهجه في الكتابة والتأليف يحتاج إلى مكان أوسع ووقت أرحب، لكن يمكن أن نجمل أهم خصائص مؤلفاته في نقاط:
١ - غالب مؤلفات الشيخ لم تجر على النمط السائد في ذلك العصر وما قبله، وهي طريقة المتن والشرح أو التقريرات، بل غالب مؤلفاته مبتكر، ويلاحظ أن الرسائل الصغيرة لا تقاس بحجمها، فرُبّ رسالة صغيرة فيها من الإبداع والتحقيق ما يفوق الكتاب الكبير.
٢ - نزوع المؤلف إلى الاجتهاد، وترجيح ما يعضده الدليل والحجة، حتى وإن خالف الجمهور أو المذهب.
٣ - من مواطن القوّة في كتبه أنها تسير غالبًا على طريقة واحدة لا تكاد تختلف من حيث القوة والأصالة وصفاء المنهج ووضوح الطريق، لا فرق بين متقدم منها ومتأخّر.
٤ - الأمانة العلمية والدقة البالغة، فقد ناقش الإمام عددًا من المؤلفين
[ ١ / ١٢١ ]
فتوخّى معهم غاية الأمانة بنقل عباراتهم بحروفها، وقد ثبت ذلك بالمقارنة الدقيقة مع أصول تلك الكتب.
٥ - الإنصاف والتجرّد، فكان هدفه البحث عن الحق الذي يعضده الدليل والحجة، يعرضها بمنهج استدلالي متين، يغوص بك في المسائل المشكلة والمضايق المعقدة فيحلّها بالتوجيه والتعليل والحجة والدليل، لا بقول فلان ولا علّان، فالأقوال عنده يُستدلّ لها لا بها.
٦ - من أحسن خصائص كتبه وبحوثه أنه يورد على القول المراد ترجيحه كل الإشكالات التي قد تطرأ على الذهن ثم يحلّها ويناقشها حتى لا يترك شبهة إلا أتى عليها، حتى إن بعضَ ما يورده لم يرد على لسان أصحاب ذاك المذهب المردود عليه، وهذا من إنصافه وقوة اطمئنانه لما رجّحه واحتجّ له.
٧ - من جميل ما يقف عليه القارئ لكتب هذا الإمام: أنه يذكر الشبهة أو الحجة لأصحاب القول المخالف ويقررها تقريرًا يبدو لك لأول وهلة أن حلّه في غاية العسر، ثم ينقضه ويحلّه، فيبدو لك كأسهل ما يكون جوابًا وحلًّا. فالشيخ عجيب في حلّ العقد والمعضلات.
٨ - استعمال لغة العلم في أسلوب أدبيّ عالٍ، بعيد عن التكلف والتعقيد أو الابتذال، فتقرأ للشيخ الصفحات الطوال في أعقد المسائل ولا تشعر فيها بملل ولا خلل ولا سآمة، كأنك تقرأ لابن تيمية أو غيره من كبار الأئمة.
٩ - كشفت مؤلفات الإمام عن تعدُّد مواهبه، ومعرفته بأكثر الفنون الإسلامية، وبلوغه درجة التحقيق والاجتهاد في كثير منها.
[ ١ / ١٢٢ ]
١٠ - تكشف لنا مؤلفات الشيخ قوّته على الصبر على البحث والجَلَد على التفتيش والتنقيب والتتبّع والمقارنة، في وقت لم تكن الفهارس قد ظهرت إلا في أضيق الحدود، فقد صرّح الشيخ أنه ربما قرأ المجلد الكامل لاستخراج عبارة أو كلمة، وقد يبقى في تحقيق لفظة أو عبارة أيامًا، ويُكاتب العلماءَ والباحثين في أقطار الأرض من أجل ضبط لفظة أو الوقوف على مصدر قصة أو نحو ذلك.
١١ - مع ما شرحناه من خصائص كتب الشيخ، وما وقع في كتبه من التحرير والتدقيق وحل عويصات المسائل لن تجده يفخر بها أو يمدح كتبه ومصنفاته، ولو وقعت بعض هذه التحقيقات لغيره لتبجَّح بها في المجالس والمحافل والكتب.
هذا بعض ما تميزت به كتب الإمام، والناظر فيها بعين الإنصاف يعلم أنها من أحسن ما كتبه المتأخرون علمًا وتحقيقًا ولغةَ بيان وتنوّعًا في المعارف.