عامًا من سنة ١٣٤٥ إلى سنة ١٣٧١، وهي أطول محطة في رحلات الشيخ وتنقلاته، فإنه مكث في اليمن أربعة وعشرين عامًا وعند الإدريسي خمسة أعوام، وفي مكة ستة عشر عامًا، فبقاؤه في الهند هو الأطول مدة، ويمكن أن نجعل الكلام في هذه المرحلة من حياة الشيخ في ناحيتين:
الناحية الأولى: حياته الاجتماعية
وهذه الناحية كانت غائبة عنا حتى عثرنا على مجموعة من الرسائل الخاصة التي أرسلها الشيخ إلى أخيه أحمد في إندونيسيا وهي سبع عشرة رسالة، سبع رسائل منها وقت إقامته بالهند، وقد كشفت لنا هذه الرسائل عدة أمور:
١ - اهتمامه البالغ بأقاربه وأهله بالسؤال الدائم عنهم، ومساعدتهم بإرسال المال لهم.
٢ - تزوج الشيخ في الهند بعد عدة سنوات من مقدمه، لعله قبيل سنة ١٣٥٠.
٣ - ولد له ابنه الوحيد عبد الله في السادس من ربيع الثاني سنة ١٣٥١، وكتب تاريخ ولادته في بعض مجاميعه ودعا له بالبركة والخير، وقد سقنا الدعاء بكامله في مبحث أسرة الشيخ.
وفي وصية للشيخ (^١) وهو في الهند: أوصى إلى الشيخ إبراهيم رشيد (^٢)
_________________
(١) "الخطب والوصايا" (ص ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٢) كتب أخي الدكتور محمد أجمل إلى الشيخ السيد محمد أثر الحيدرابادي يسأله عن (إبراهيم رشيد)، فأفاد بأنه من العرب، وكان خطيبًا في بورما ثم قدم إلى حيدراباد، وتولى الخطابة في الجامع الكبير المسمى (مكة مسجد) وكان صوته جهوريًّا. اهـ.
[ ١ / ٧٦ ]
أن يحتاط لولده (عبد الله) ويجتهد في تربيته تربيةً صالحة، ويمنعه من الاختلاط بالأطفال السفهاء، وينفق عليه وعلى أمه إلى آخر الوصية.
٤ - في رسالة مؤرخة في ١٣٥٣ قال: "حالي بحمد الله تعالى حسنة، كفاف المعيشة، وهذه الأيام التقلبات كثيرة"، وفي رسالة أخرى في العام نفسه ذكر أنه قانع بما يتحصّل من المطبعة؛ قال: "لأنّ خدمتي فيها موافقة لهواي". ولعل هذه من الميزات التي خفّفت عن الشيخ طول البقاء في الهند والصبر على المعاناة التي شرحها في عدة رسائل.
٥ - ذكر في رسالته السالفة أنه ليس مطمئن البال من الإقامة في الهند، ولكنها تمشية وقت، مع وثوقه بأن الإقامة هنا أصلح له من غيرها.
٦ - كتب الشيخ سنة ١٣٥٦ رسالة طويلة مؤثّرة إلى أخيه أحمد يبث له فيها أحاسيسه وما يجده من مشاعر ألم وعدم ارتياح نفسيّ، مع أنه قد استقر في الدائرة وتزوج ورُزق بابنه عبد الله، إلا أن طبيعة الحياة هناك لم تلائم الشيخ، فهو يشرح في هذه الرسالة ما عبّر عنه في رسالة سالفة أنه إنما يبقى في الهند "تمشيةَ وقتٍ ولأن الإقامة هنا أصلح من غيرها". ولندع الكلام له ليبثّ ما يجول في نفسه قال:
"الانقباض والرغبة عن المزاورة يزداد تمكّنًا، فإن ههنا أناسًا تقضي عليّ المصلحةُ بكثرة زيارتهم، ولكن نفسي تغلبني فأدع ذلك، حتى إني لا أكاد أتعمّد زيارتهم ولو يوم العيد، وفي مقابل ذلك أكره أن يتعمّد أحدٌ زيارتي ولو يوم العيد".
ثم قال: "قد ضاق صدري من الإقامة هنا وأحبّ أن أخرج شهرًا أو
[ ١ / ٧٧ ]
شهرين أنفخ" (^١).
قال: "وأما الوَحْدة فإني أشدّ منك فيها، والله ما أعلم إنسانًا هنا يؤنِسُني الاجتماعُ به إلا واحدًا هو الشيخ أحمد العبادي (^٢)، ومع ذلك فلا أكاد أجتمع به في السنة ثلاث مرات، وليس هو كما أحب من كل جهة. أما بقية الناس فإن اجتماعي بهم يكدِّرني ويغمّني.
أما الفُرجة والنزهة فلا حظَّ لي فيها؛ لأن معظم شروطها الإخوان وأين هم؟ !
ولهذه الأمور شَمِطَت لحيتي، وضاقت جدًّا طبيعتي، وصرت كما قيل:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكِدتُ أطيرُ
وبالجملة، فحياتي ههنا تعيسة بئيسة والحمد لله على كل حال، فإن نِعَمه ﷾ عليّ وعلى خلقه لا تحصى، ومن أعظم ذلك أنني بحمد الله تعالى لا أحتاج إلى أحدٍ من الناس، وأني رُزِقت شيئًا من اللّذة في الكتب
وأقسم بالله تعالى لولا أن عندي شيئًا من العلم أرجو أن ييسر الله تعالى نشره، وأن طاعتي لله ﷿ حقيرة، أرجو إن طالت بي حياة أن ييسر الله تعالى لي خيرًا منها، لكان الموت أحبَّ إليّ من الحياة، بل لكان الموت هو المحبوب والحياة مكروهة، هذا معتقدي الآن ولا أدري ما يحدثُ بعد، والسلام".
٧ - أما ما يتعلق بما كان يتقاضاه من رواتب شهرية وكيف كان يصرفها
_________________
(١) "أنفخ" تعبير دارج لأهل اليمن، يعنون به الخروج للترويح عن النفس.
(٢) لم أقف على ترجمته.
[ ١ / ٧٨ ]
وما يدخره منها فيقول في رسالة لأخيه سنة ١٣٥٦: " أما ما ذكرته من النقود الموفَّرة، فإني منذ مدَّة أحرص على التوفير وإلى الآن لم يمكني أكثر من ثلاثمائة وسبعة وخمسين ربية، مع أني مشهور هنا بالبخل! أصرف في كل شهر نحو مائة وثلاثين رُبّية مع الاقتصاد".
قلت: وكأن أخاه ألحّ عليه في إرسال شيء من المال فاضطر الشيخ أن يذكر له تفاصيل الحال في النفقة والظروف المحيطة فقال في رسالة مؤرخة في ١٢ رمضان ١٣٦٦: " فأنا الآن أبوح إليك بالحقيقة، معاشي الذي أتقاضاه شهريًّا لا يفضل عن مصاريفي بعد محاولة الاقتصاد؛ لأن أثمان الأشياء ارتفعت جدًّا تتراوح ما بين خمسة أضعاف إلى ما فوقها لا يُستثنى من هذا شيء، حتى التراب الأحمر وهو من تراب هذه الأرض لا يُجْلَب إليها من الخارج ولا ينقل منها إلى الخارج ".
٨ - لم تكن الأوضاع في الهند مستقرّة بل تعرضت لهزّات سياسية وقتال، ويبدو أن أخاه كان يستشيره في التحول من إندونيسيا إلى الهند فكتب إليه يقول: "الأمور هنا مضطربة وتؤذن بانفجار شديد تصير به هذه البلدة مثل جهتكم أو أشد خطرًا، ومن القواعد الفقهية: الضرر لا يزال بالضرر".
ثم فصّل الأمر أكثر فقال: " باكستان انضمَّ إلى أهلها مثلهم أو أكثر فضاقت سُبُل المعيشة إلا على من بيده رأس مال وافر، وبقية الجهات كذلك أو أشدّ، فلا تحدّث نفسك بالخروج عن تلك الجهة، فإنه كما قيل: "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
وقال: "الأحوال هنا من عدة سنين متضايقة، وهي الآن كذلك، والأمور
[ ١ / ٧٩ ]
السياسية مضطربة جدًّا لا يُدرى عما تتمخض، واستقراري الآن متزلزل لا أدري لعلي أضطر إلى التحول، وما لم يطمئن البال بالاستقرار لا أقدر أشير عليك بشيء".
ومع كل ما سبق نجد الشيخ يكرر لأخيه مرارًا أنه في خير وعافية قال: "ولا تظن أنني مضطرب أو منزعج أو مشوَّش، بل أنا بحمد الله ﷿ في خير ولكن الأحوال نفسها مضطربة ومشوشة".
٩ - وقد تكلم أيضًا عن دائرة المعارف والأوضاع التي تمر بها وذلك سنة ١٣٥٦ وهو وقت مبكّر نسبيًّا لالتحاقه بها قال: " دائرة المعارف هذه الأيام في مهبّ الريح، قد أخرجوا اثنين من مصححيها القدماء ممن لهم صِلات وروابط بأهل الحلِّ والعقد، فأما أنا فليس لي شفيع (^١) إلا لياقتي (^٢)، وهي في هذا الزمان وهذا المكان أضعف الشفعاء".
١٠ - يبدو أن الشيخ أخذ يفكر ويعمل على الانتقال من حيدراباد الدكن قبل مدة من تحقق سفره، ففي رسالة له مؤرّخة في ٢٢ رمضان ١٣٦٩ ذكر فيها أنه يعد العدة للسفر قبل ثلاثة أعوام من هذا التاريخ أي من سنة ١٣٦٦ (^٣) قال: " موجب الكتابة أنني كنت منذ ثلاث سنوات [تقريبًا] أتوقع السفر عن قرب فاحتجت إلى الاقتصاد من المعاش لأجل مصاريف السفر، وتبيّن لي الآن أنه لا يمكنني السفر إلى سنتين أو أكثر".
_________________
(١) (ي): "شفاعة".
(٢) أي أهليتي للعمل وتمكني منه.
(٣) بل قال في رسالة مؤرخة في ١٣٥٦: "ولعلي أضطر إلى التحوّل".
[ ١ / ٨٠ ]
فهاجس التحوّل لم يزل ملازمًا للشيخ بسبب الاضطرابات السياسية وغلاء المعيشة، وعدم الراحة النفسية، وتوفّر الظروف في البلدان التي كان يخشى أن يتحوّل إليها، وقد كان الشيخ يُرَغَّب في التحوّل إلى مكة من قبل بعض محبيّه من العلماء أو من آل المعلمي ففي رسالة من الشيخ القاضي محمد بن عبد الرحيم المعلمي مؤرخة سنة ١٣٦٠ يقول مرغِّبًا للشيخ في التحوّل إلى مكة: "وقد حررت هذا من أم القرى مكة المكرمة، بلد آمن وبيت حرام، إذ لو سكنتموه لكان خيرًا لكم، ولعمري أن لو تشرفوا بقدومكم للحج لرأيتم ما يسركم ويقرّ أعينكم " (^١).
ولا زالت معاناة الشيخ في الهند تأخذ صورًا متعدّدة، فقد وجدنا رسالةً من الشيخ إلى مدير دائرة المعارف العثمانية تفصح عن معاناة الشيخ حين عزم على السفر إلى مكة المكرمة، وحاجته إلى استكمال مصاريف السفر، وأن الدائرة لم توفه حقّه الماليّ، يقول فيها:
"استلمت مراسلتكم نِشَان (^٢) ٩٢٢ تاريخ ٣٠ ديسمبر سنة ١٩٥١ م، وأنا شاكر جدًا لعالي جناب الصدر وجنابكم، ويسرني أن أخدم هذه الدائرة العلمية الجليلة بلا طلب معاوضة، وسأدوم على ذلك بقية عمري، سواء أكانت الخدمة مقابلة وتصحيحًا أم غيره، وإنما اضطرني الآن إلى طلب المعاوضة على مقابلة وتصحيح الستة الأجزاء الباقية من كتاب "ابن أبي حاتم" حاجتي إلى مصاريف السفر، وهذا السبب نفسه يجبرني أن أرفع إليكم مع الأسف والخجل أن هذا المبلغ الذي
_________________
(١) "الرسالة المتبادلة" (ص ٣٥٩).
(٢) يعني: رقم.
[ ١ / ٨١ ]
قررتموه (١٥٠٠) لا هو الذي يكفيني لحاجتي، ولا هو الذي يعادل في نظري الأجرة الواجبة، ولو كنت أُعطيت البُونَس (^١) الذي قرَّر المجلس إعطاءه لمن ينفصل عن الدائرة من الملازمين (^٢)، كنت اكتفيت به، وبهذا المبلغ الذي قررتموه، فأما إذا كنت محرومًا من البونس فأرجو من فضلكم أن تعيدوا النظر في القضية، وتحسنوا إليَّ بأحد أمرين:
١ - إما أن تعفوني من هذا العمل رأسًا، فتخلصوني من المسؤولية، وتتركوني أستريح في هذه الأشهر، لأنني منذ أربع وعشرين سنة تقريبًا ــ وهي مدة ملازمتي (^٣) ــ لم أزل في عمل متصل، لأني لم أستفد من الرخصة غير الرخصة الاتفاقية.
٢ - وإما أن تعيدوا النظر في الأجرة، فإذا عرفتم صحة قولي إن هذا المبلغ المقرر أقل من الواجب، وأمكن أن تزيدوا عليه إلى القَدْر الذي يكفيني لحاجتي زدتم، وأنا على كلا الحالين شاكر، ولا أحتاج أن أوضح في جوابي هذا وجهة نظري في أن هذا المبلغ لا يفي بالأجرة الواجبة، بل أَكِلُ الأمر إلى نظركم، فإذا لم يظهر لكم ذلك فأحسنوا إليَّ بالإعفاء من العمل لأستريح من التعب والمسؤولية. وأفكر في طريق أخرى لتحصيل مصاريف السفر، ولن يتعسر ذلك إن شاء الله تعالى".