لم يطل مكث الشيخ المعلمي في إندونيسيا، فرحل إلى الهند أواخر سنة ١٣٤٤ أو أوائل التي تليها؛ لأنه من المؤكد أنه وصل الهند سنة ١٣٤٥ وبدأ في هذه السنة عمله في دائرة المعارف العثمانية في حيدراباد الدكن.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل كانت وجهة الشيخ من عدن إلى الهند وكانت إندونيسيا مجرد محطة عبور، أم كانت الوجهة إلى إندونيسيا ثم أنشأ رحلة أخرى إلى الهند؟ هذا ما لم نجد ما يحدّده لنا من خلال ما وقفنا عليه من تراثه، لكن الذي يترجح لي أن الشيخ رحل إلى إندونيسيا قاصدًا لها لا مارًّا بها؛ لأن إندونيسيا أبعد من الهند وليست محطة في الطريق إليها. الأمر الثاني: لم يتعرض الشيخ ولا مترجموه لذكر هذه الرحلة فكأنّ الشيخ قد أسقطها من الذكر لقِصَر مدتها فلم تمثل له محطةً تستحق الوقوف عندها، والله أعلم.
[ ١ / ٧٤ ]
وبهذه الرحلة الهندية انتقل الشيخ إلى عالم جديد عليه من حيث الثقافة والعادات، وانفتح على علوم جديدة لم يكن لها من الذيوع والانتشار كما في الهند، كعلم الحديث والرجال. وبانتقاله إلى دائرة المعارف العثمانية للعمل في تحقيق أُمَّات كتب الحديث والرجال واللغة والأدب وغيرها يكون الشيخ قد انتقل إلى عمل جديد لم يمارسه من قبل ولا كان معروفًا في البيئة التي عاش فيها في اليمن ولا عند الإدريسي، فهي تجربة جديدة بحق.
تمكَّن الشيخ بفضل الله ثم بفضل مواهبه المتعددة وعلومه المتنوّعة وذكائه المفرط من إتقان هذه الصنعة في أقرب وقت، بل صار هو العَلَم المشار إليه في الدائرة في تصحيح الكتب وحلّ مشكلات التحقيق خاصة فيما يتعلق بكتب الحديث والرجال.
ولا شك أن هذه الرحلة نفعت الشيخ في أمرين مهمين، الأول: التفرّغ التامّ للعلم والانقطاع له قراءة وطلبًا، وتأليفًا وتحقيقًا، الثاني: العناية بعلم الحديث رواية ودراية. وقد التفت في وقت مبكر من قدومه الهند إلى طلب الإجازة من بعض العلماء المسندين، فقد استجاز من الشيخ محمد عبد القدير الصديقي (١٢٨٨ - ١٣٨١) فأجازه في الثالث عشر من ذي القعدة سنة ١٣٤٦، ووصفه فيها "بالأخ الفاضل العالم العامل الشيخ" (^١)، وغير بعيد أنه أخذ عن غيره مع توافر العلماء المسندين وسهولة الأخذ عنهم، لكن لم يصلنا شيء نستند إليه لإثبات ذلك.
مكث الشيخ في الهند موظفًا في دائرة المعارف العثمانية خمسة وعشرين
_________________
(١) سيأتي شيء من نص الإجازة في مبحث ثناء العلماء عليه.
[ ١ / ٧٥ ]