حينما تهيّأت الظروف للتحول من حيدراباد إلى مكة حزم الشيخ أمتعة السفر إلى جدة في ذي القعدة من سنة ١٣٧١ ولم يصطحب معه زوجته ولا ولده عبد الله، أما زوجته فيبدو أنها كانت مريضة مرضًا مقعدًا كما تقدم في الكلام على أسرته، وأما ابنه فإنه لا يزال يكمل تعليمه هناك.
_________________
(١) انظر أسماء الكتب في المبحث الخاص بذلك.
[ ١ / ٨٣ ]
وقد كتب الشيخ وصفًا مفصّلًا لأيام هذه الرحلة في بعض دفاتره (^١) لكنه لم يكمل. قال:
"١ ــ خرجنا من "بَمْبَئي" يوم الخميس أول أو ثاني ذي القعدة سنة ١٣٧١، الموافق ٢٤ جولاي سنة ٥٢ م.
٢ ــ الجمعة.
٣ ــ السبت: حول الساعة العاشرة صباحًا جاء رجل فطلب مني الجواز والتِّكِت (^٢)، فأخذه ثم ردّ الجواز، وذكر أن اسمي لم يكن مقيّدًا في الرِّجِسْتَر (^٣)، وأنهم افتقدوا وبحثوا في الباخرة حتى اهتدوا إليَّ. فقلت له: فأين التكت؟ فقال: سيُردُّ إليك فيما بعد.
٤ ــ الأحد: بعد الساعة العاشرة، جاء رجل آخر فسألني عن حالي، فحمدتُ الله ﷿، وأخبرتُه أنني بخير، ثم ذكرتُ له قضية التكت، فذكر أنها قاعدتهم (^٤)، يأخذون التكت من الركاب ويحفظونها عندهم حتى يدفعوها إلى الوكيل، وإنما عليّ حفظ الجواز.
كنتُ في الدرجة الأولى في الحجرة رقم (٦٢) و(٦٣)، واتفق أنه لم ينزل في الحجرة غيري، وكانت الحُجر الأخرى في كل منها اثنان وأكثر. فجاءني رجلان من أهل الهند وقالا: جئنا نكلِّف عليك، نراك في هذه الحجرة وحدك ونحن في ضيق، ونستأذنك في أن يكون معك رجل على هذا السرير الفارغ.
_________________
(١) [٤٧٢١/ق ١٨ - ٢٠]
(٢) تكت: هي التذكرة بالإنجليزية.
(٣) مكتوب فوقه: "الدفتر"، والرجستر هو السجل والدفتر بالإنجليزية.
(٤) أي طريقتهم، والقاعدة هي الطريقة بالأرديّة.
[ ١ / ٨٤ ]
فقلت لهم: أرى الاختيار في هذا لأصحاب الأمر في الباخرة، فاسألوهم فإن أذنوا فليس لي اعتراض.
فذهبوا ولم يعودوا. ثم لقيت أحدهما فسألتُه فجمجم، فقلت: هل خاطبتم أصحاب الأمر في هذا؟ فقال: لا. والله أعلم.
قال لي الذي يجيء بالطعام: هل تطلب شيئًا؟ فقلتُ: هذا كافٍ. فقال: إذا تحتاج (^١) إلى شيء فاطلب.
٥ ــ يوم الاثنين: لقيتُ شابًّا ظهر لي أنه عربيّ، فسألته، فذكر أن اسمه: عادل بن السيد عبد الله، وأنه كان في مَدْراس (^٢).
٦ ــ يوم الثلاثاء: من مساء هذا اليوم شعرتُ ببرد الهواء.
٧ ــ يوم الأربعاء: رأيتُ طوائر على جوّ الماء، ودلّ ذلك على أننا بالقرب من البرّ، أو أن بالقرب منا جزائر.
٨ ــ يوم الخميس: خفّ البرد.
٩ ــ يوم الجمعة: أصبح اضطراب البحر أهون مما كان. وفي حوالي الساعة ٩ صباحًا مرّت بنا باخرة مشرقة. واشتدّ الحر هذا اليوم وليلة السبت.
١٠ ــ يوم السبت: رأينا سفينة شراعية من بُعدٍ متجهة اتجاهنا، ثم رأينا أخرى متجهة قريبًا من اتجاهنا مائلةً إلى الجنوب. وحول الساعة السادسة رأينا على يسارنا ــ وهو الجنوب ــ جبالًا متسلسلة، وبعد قليل مالت باخرتنا إلى الشمال.
_________________
(١) في الأصل: احتاج، سبق قلم.
(٢) مدينة في جنوب الهند عاصمة ولاية "تمل ناد".
[ ١ / ٨٥ ]
١١ ــ يوم الأحد: اشتد الحر منذ الأمس.
١٢ ــ يوم الاثنين: هبَّت منذ الأمس ريحٌ غربيّة خفَّفت ضيق الحرّ".
انتهى وصف الشيخ لرحلته.
وفي المجموع نفسه (^١) كتب الشيخ وصفًا لتلك الباخرة التي تمخر العباب فقال:
طوينا العُباب على باخره تبيت لقاموسه ماخره
بناء على الموج ما إنْ له أساسٌ سوى اللجّة الزاخره
إذا ما تأملتها من قريبٍ تخال بها بلدة عامره
وتحسبها جبل النار إن تعالت دواخنها الثائره
ونجمًا له ذنبٌ إن بدت بعيدًا مدخِّنةً زاهره
تباري وما إن تبالي الرِّياح أعادلة هي أم جائره
وليست تُرى لسكون الرّياح على الماء راكدة حائره
يهيج الخضمّ ويرتج وَهْي به جدّ هازئة ساخره
لها النار قوتٌ متى لم تجِدْه رأيت قواها له خائره
يصرّفها رجلٌ واحدٌ فتنقاد خاضعةً صاغره
يراعي النجومَ لها، والنُّجوم لديه ــ لعمرك ــ في دائره
وفي المجموع نفسه كتب الشيخ مذكرة فيها: "إرسال البرقيّة إلى جلالة
_________________
(١) مجموع [٤٧٢٦]. وقد كانت تعسَّرت عليّ قراءة ثلاث كلمات في البيتين الرابع والخامس، وحين تأملها أخي د. الإصلاحي تبينت له وحلّ ما غمض منها، ونبهتُ على ذلك هنا لأنها لم تعدّل في "فوائد المجاميع" (ص ٤٦٠) فلتؤخذ من هنا.
[ ١ / ٨٦ ]