يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: (٢٦) - (٢٨)].
فإذا أمرهم سبحانه بنفع عبد فعلوا ذلك طاعةً لربهم فقط، وإذا أذن لهم في الشفاعة شفعوا رغبةً في رضا ربهم. ولو فُرِض أنهم لم يشفعوا بعد الإذن فلم يأذن لهم ربهم إلا وقد [٢/ ٢٧٤] ارتضى الأمرَ الذي أذن لهم أن يشفعوا فيه، فهو كائن لا محالة وإن لم يشفعوا. وبهذا يتضح يقينًا أن سؤال العبد من الملائكة أو خضوعَه لهم عبثٌ من جهة، وسببٌ لغضب الله ﷿ على السائل، فتغضب الملائكة لغضب ربهم من جهة أخرى.
ولو كان الملائكة يتصرفون بأهوائهم لاختلفوا، إذ قد يهوى هذا نصرَ أحد الجيشَين المقتتلين، ويهوى الآخر نصرَ الجيش الآخر، فيعمل كلٌّ منهما بحسب هواه، ويبذل جهده في التصرف بكل ما يمكنه. هذا مع عِظَم قوة الملائكة وقدرتهم، فتختلُّ الأمور، ويفسُد النظام. قال الله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: (٢٢)]. وقال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: (٧١)].
ولما أذن الله ﷿ للبشر إذنًا قدريًّا عامًّا في عمل ما يريدون
_________________
(١) لأن مقصود التكليف لا يتم في حقِّهم إلا بذلك جعل قدرتهم محدودة، فيقع من الفساد ما يناسب قدرتهم، كما هو مشاهد. وكلما زادت قدرتهم بواسطة الآلات والمخترعات زاد الفساد، كما تراه في هذا العصر. ولولا أنَّ الله ﷿ يكفكف شدةَ ذلك بقدره لكان الفساد أعظم. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: (٢٥١)]. وإن كان الله ﷿ يأذن لأرواح الصالحين الموتى بأمر يتعلق
[ ١١ / ٤٣٠ ]
بالأحياء، فلن يكون حال الأرواح إلا كحال الملائكة سواء. بل الأرواح أولى بأن لا يؤذن لها في التصرُّف (^١)
[٢/ ٢٧٥] بأهوائها، فإنها في غير دار
_________________
(١) علَّق عليه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة بقوله: «والحق أن الأرواح بعد [الموت] في قبضة الواحد القهار لا تصرف لهم في شؤون الأحياء، بل قد انقطع عملهم كما في الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وهذه الثلاثة الباقية له بعد موته هي آثار أعماله في الحياة قبل موته، فليست عملًا له بعد الموت. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. فالذي مات أُمسك في قبضة القهار، بخلاف الحي الذي أُرسل إلى أجل مسمى. وما فتح الشرك على من أشركوا بالأموات والصالحين إلا اعتقادهم فيهم أنهم يفعلون بعد موتهم مثل ما كانوا يفعلون في حياتهم أو أشد وأقوى على سبيل الكرامة بزعمهم، فتوكلوا على الأموات وعبدوهم، ونسوا الحيَّ القيوم فلم يتَّكلوا عليه ولم يخلصوا له العبادة، كما هو مشاهد من أحوال عباد القبور والمنتصرين لهم في شرق الأرض وغربها. والله المستعان» اهـ. وعقَّب عليه المؤلف قائلًا: «إنما فرضت الإذن للأرواح فرضًا، وأوضحت أنه على فرضه فلن يكون حالها إلا كحال الملائكة، في أن تصرفها إنما يكون تنفيذًا لما يأمر الله ﷿، وكما أن ثبوت ذاك التصرف للملائكة لا شبهة فيه لمن يعبدهم فكذلك الأرواح. وهذا واضح جدًّا وهو أقطع للنزاع مِن بسط الكلام في نفي التصرف البتة. وفي «كتاب الروح» لابن القيم ما يؤخذ منه أنه يثبت للأرواح تصرفًا في الجملة، وسمعت بعض الإخوان يستعظم ذلك، كأنه يرى أن ذلك يروِّج شبهةَ دعاة الموتى. ولا أشك أن هذا لم يغب عن ذهن ابن القيم، ولكنه يعلم أن الشبهة إنما تروج إذا أثبتنا للأرواح تصرفًا بأهوائها، فأما ما كان من قبيل تصرف الملائكة فلا. وما ذكره الشيخ من انقطاع العمل حق، لكن لابن القيم أن يقول: قد تحب الأرواح أن تعمل عملًا في طاعة الله ﷿ تلذذًا بالطاعة كصلاة الأنبياء ليلة الإسراء ونحو ذلك، فيكون ذاك التصرف في حقِّها من جملة النعيم تلتذُّ به نفسُه ولا تثاب عليه، وعلى كل حال فإنما فرضت فرضًا، ليس فيه أدنى متشبَّث لدعاة الموتى، فتدبر».
[ ١١ / ٤٣١ ]
تكليف لا تخشى عقوبةً على ما يقع منها، بخلاف الملائكة.
وبعض المسلمين يتردد في عصمة بعض الملائكة. والقائلون بالعصمة يقولون بالتكليف مع شدة الخشية، كما تقدم في بعض الآيات السابقة. والمشركون الذين يزعمون أن الملائكة يتصرفون بأهوائهم، يزعمون أنهم غير معصومين، بل يجعلون حالهم كحال البشر مع عظم القدرة. ويقولون: كما أن للإنسان أن يسأل إنسانًا آخر أغنى أو أقدر منه ويخضع له، فكذلك له أن يسأل الملائكة ويخضع لهم؛ لأنهم يعملون ما يشاؤون، ويشاؤون ما يهوون كالبشر، وقدرتُهم أعظم. وهذا الشرك يوجد في بعض مشركي الهند وغيرهم، وعليه كان أكثر الأمم المشركة.
أما مشركو العرب فإنهم قلَّدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط، كما تقدم في الآيات، إلا أنهم كانوا عندما يُسألون عن ذلك يتشبَّثون بالشفاعة فقط، مع تردُّد فيها. ولما حاجَّهم القرآن لم يبق بأيديهم إلا الشغب حتى أنقذهم الله ﷿. وبالجملة فكان شركهم يكاد يكون عمليًّا فقط. وإذا تأملنا ما وقع فيه عامةُ المسلمين في القرون المتأخرة وجدناه أشدَّ جدًّا مما كان عليه مشركو العرب. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما البشر الأحياء، فقدرتهم معروفة، ولا تكون لهم قدرة غير عادية. نعم، قد يتفق قدرة عادية غريبة، كما يقع لبعض المرتاضين والسحرة، وسيأتي الكلام فيها. فأما معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء فليست
[ ١١ / ٤٣٢ ]
بقدرتهم ولا في ملكهم. قال الله ﷿ لمحمد ﵌: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: (١٧)].
وكان الصحابة إذا احتاجوا إلى نفع [٢/ ٢٧٦] غيبي إنما يسألون النبي ﵌ الدعاءَ كما في الاستسقاء، وقلة الأزواد في السفر، وغير ذلك؛ والدعاءُ داخل في المقدورات العادية كما لا يخفى. وكانوا إذا بعدوا عنه فاحتاجوا أن يراجعوه في شيء كتبوا إليه أو أرسلوا، على ما جرت به العادة. فإذا لم يمكن ذلك قال أحدهم: اللهم أخبِرْ عنَّا رسولَك، كما قال عاصم بن ثابت (^١)، وجاء نحوه عن خبيب بن عدي (^٢). وما يُحكى عنه مما يخالف ذلك لا يثبت، ولو ثبتَ وجبَ حملُه على المعنى المعروف. ودعاؤهم مرجوُّ الإجابة، وليس ذلك بحَتْم. قال الله ﷿ لنبيه ﵌: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: (٥٦)] وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: (٣٥)] والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
وأما الجن، فإنه مأذون لهم إذنًا قدريًّا عامًّا في الوسوسة لبني آدم، وذاك كالأمر الطبيعي لهم، إنما يُستدعَى بمعصية الله ﷿ والغفلة عن ذكره، ويُستدفَع بطاعته سبحانه والتعوذ به. فأما أن ينفعوا الناس أو يضرُّوهم، فلو
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤٥، ٣٩٨٩، ٤٠٨٦) من حديث أبي هريرة في قصة عاصم بن ثابت وأصحابه.
(٢) انظر «سيرة ابن هشام» (٢/ ١٧٣).
[ ١١ / ٤٣٣ ]
كان مأذونًا لهم فيه إذنًا قدريًّا عامًّا يُشبِه الإذنَ للناس، لفسدت الدنيا. فإن كان قد يقع شيء من ذلك، فإنما يكون بإذن قدري خاص لا يُفسِد قواعد الدنيا. والإنسان لا يحتاج إلى الرغبة إليهم لتحصيل شيء من ذلك، لأن الله ﷿ قد أغنى الناس بالأسباب العادية، وبدعائه سبحانه. أوَ ليس أن تسأل المالكَ الحقيقيَّ القادرَ على كلِّ شيء أقربَ وأولى من أن تسأل جنيًّا على أمل أن يأذن له الله ﷿ إذنًا قدريًّا خاصًّا في فعل مطلوبك؟ فإن فُرِضَ أن إنسانًا رغب إلى الجن، فحصل له نفع، أو اندفع عنه ضرٌّ؛ فذلك بمنزلة من يتقرب إلى المشركين بالسجود لأصنامهم ونحوه، فإنهم قد ينفعونه. وليس ذلك بعذر له، بل الأمر أبعد؛ فإن المشركين مأذون لهم إذنًا قدريًّا عامًّا في النفع والضر على ما جرت به العادة.
وحال السحر كحال الجن. قال الله ﷿: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ [٢/ ٢٧٧] اللَّهِ﴾ [البقرة: (١٠٢)] أي
_________________
(١) والله أعلم إذنًا قدريًّا خاصًّا، وإنما يقع ذلك نادرًا. نعم، قد يُعَدُّ من السحر ما هو مبني على سبب عادي غريب، كالتنويم المغناطيسي، وما يقع لبعض المرتاضين من التأثير بالهمة، فيحسبه الجاهل كرامة. هذا، وإذا أمر الله ﷿ بطاعة أحدٍ، أو الخضوعِ له، أو بفعلٍ هو في الصورة خضوعٌ له؛ ففعَلَ المأمورُ ذلك طلبًا للنفع الغيبي من الله ﷿= فهذه عبادة لله ﷿. وهذا كسجود الملائكة لآدم. وهكذا تعظيم المسلمين لحرمات الله ﷿، كاستقبالِ الكعبة، والطوافِ بها، وتقبيلِ الحجر الأسود، وغير ذلك مما أمرهم الله به، ففعلوه طاعةً لله غيرَ مجاوزين ما حدَّه لهم. وكذلك توقيرُ النبي، وإكرامُ الأبوين وأهلِ العلم والصلاح،
[ ١١ / ٤٣٤ ]