فيحصل القطع باستحالة أن يوجد دليل عقلي صحيح على بطلان ذاك المعنى. فمن زعم أن النصوص لا يحصل بها القطع بعدم المعارض العقلي، فإما أن يكون جاهلًا بقوانين الكلام، وإما أن يكون يُكذِّب المتكلِّمَ بالنصوص. فإذا زاد على هذا، فرَدَّ بعضَ تلك النصوص أو حرَّفها إلى غير المعاني التي يعلم أن حقَّها بحسب قانون الكلام أنْ تُفهَم منها، فهو مكذِّب للمتكلِّم بها، ولابد.
ومن وقف عن نفي حصول القطع وإثباته مع معرفته بقوانين الكلام، فإن كان واقفًا في المسائل التي يختلف فيها السلفيون وغيرهم أو غالبها، فهو غير جازم بتصديق المتكلِّم بالنصوص. وإن كان يردُّ كثيرًا من تلك النصوص أو يحرِّفها، فلا معنى لوقفه بل هو مكذِّب البتة.
فإن قيل: قد يخطئ في فهم النصوص التي خالفها.
قلت: إنما يتجه الحملُ على الخطأ حيث يقلُّ ويكون الغالب الصواب، ومع ذلك فهذا إنما يفيد الجازم بالتصديق، فأما المرتاب فسواء أخطأ أم تعمد.
فأما القرائن فهي على ضربين:
الضرب الأول: ما هو كالجزء من الكلام بأن ينصبه المتكلم أو يلاحظه تتميمًا لمقصود الكلام وهو الإفهام. فتارةً تكون فائدتها تأسيسية وذلك حيث يتوقف عليها الفهم أو تعيين المراد أو تبيينه، وتارةً تكون تأكيدية وذلك حيث توافق ما يدل عليه الكلام.
الضرب الثاني: العلامات والأمارات الدالة على بعض الأمور، كأن نعلم أن القاضي مريض مرضًا خطرًا ثم نسمع البكاء من بيته، ويُدعَى الغسَّالون والحفَّارون ويحضر العلماء والأمراء، ثم تخرج من بيت القاضي جنازة على
[ ١١ / ٥٠٩ ]
هيئة جنائز العلماء، فيتسابق أهل العلم والفضل إلى حملها، ومعها أبناء القاضي بهيئة الغم والحزن، ثم توضع للصلاة، فيقدمون للإمامة أكبرَ أبناء القاضي، فيتقدم ويقوم حيث يقوم الإمام من جنازة الرجل، ثم يُذهب بها، فيُدفن الميِّت في قبر بجانب قبر والد القاضي، ثم نرى الناس يتقدمون إلى أبناء القاضي على هيئة ما جرت به العادة في التعزية، إلى غير ذلك مما يدلنا على أن القاضي مات ولو لم نشاهد موته، ولم نسمع [٢/ ٣٣١] مخبرًا يخبر بموته. وهذه الأمارات قد تقوى وتكثر حتى يحصل القطع بموت القاضي، وذلك حيث يستحيل في العادة أن يتفق اجتماع مثلها لغير موته.
فإذا فرضنا أنه عندما سمعنا البكاء من بيت القاضي خرج طبيب كان قد دُعي قبل ساعة، فسئل، فقال: مات القاضي؛ فهذا الخبر قد يحصل به وبتلك الأمارات القطعُ حتى على فرض عدم الخبر.
وهذا الضرب قد تحتاج إليه أخبار الناس لوجهين:
الأول: تثبيت صدق المخبِر.
الثاني: الدلالة على معنى الخبر حيث لم يكن صريحًا، كما لو كان الطبيب لما سئل قال: «مات رجل كبير».
فأما الشرع، فإنه غنيٌّ عن تثبيت صدق أخباره، وإنما الشأن في ثبوت أنه أخبر، ثم في معنى الخبر، وكلا الضربين يدخل فيما يتعلق بالعقليات، كما يدخل في غيره.
وجَارَى السيد الجرجاني في «شرح المواقف» المتن، ثم قال (^١): «وقد
_________________
(١) (٢/ ٥٨).
[ ١١ / ٥١٠ ]
جزم الإمام الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية ».
أقول: قد رجع الرازي كما تقدَّم، ولله الحمد. والسيد هذا هو المصرِّح في البيان كما في بحث الاستعارة من «حواشي عبد الحكيم على المطول» (^١) بأن الكذب العمد لا ينصب صاحبه قرينةً، «بل يروج ظاهره لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه».
وجاراهما المحشي عبد الحكيم (^٢)، ثم قال: «هاهنا بحث مشهور، وهو أن المبنى لعدم المعارض العقلي في الشرعيات صدقُ القائل، وهو قائم في العقليات أيضًا، وما لا يحكم العقل بإمكانه ثبوتًا وانتفاءً لا يلزم أن يكون من الممتنعات، لجواز إمكانه الخالي من العقل. فينبغي أن يُحمل كلُّ ما عُلِم أن الشرعَ نطق به على هذا القسم، لئلا يلزم كذبه وإبطالُ قطع العقل بصدقه. فالحق أن النقلي أيضًا يفيد القطع في العقلي أيضًا، ولا يفيد ما ذكره الشارح. ولا مَخلصَ إلا بأن يقال: مراده أن النظر في الأدلة [٢/ ٣٣٢] أنفسها والقرائنِ في الشرعيات يفيد الجزم بعدم المعارض؛ لأجل إفادته الإرادةَ من القائل الصادق جزما. وفي العقليات إفادته الجزمَ بعدمه محلُّ نظرٍ، بناءً على أنَّ إفادته الإرادة (^٣) محل له، لا أنه (^٤) بعد ما عُلم مراد الشارع يقينًا في العقلي والنقلي يحصل الجزم بعدم المعارض في الثاني دون الأول، فإنه غير مسلم».
_________________
(١) «فيض الفتاح على حواشي شرح تلخيص المفتاح» (٤/ ١٥٢).
(٢) كذا في الأصل، والصواب: «المحشي حسن جلبي»، انظر «حواشيه» (٢/ ٥٨).
(٣) (ط): «لإرادة». والتصويب من الحواشي.
(٤) (ط): «لأنه». والتصويب من الحواشي.
[ ١١ / ٥١١ ]