وما يجب على أهل العلم في هذا العصر
قال الله ﵎: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٤].
وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠٥].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
[ ١١ / ٥٧٨ ]
وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢].
[٢/ ٣٨٠] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
إن قيل: التفرق والاختلاف يصدق بما إذا ثبت بعضهم على الحق وخرج بعضهم عنه، والآيات تقتضي ذمَّ الفريقين.
قلت: كلَاّ، فإن الآيات نفسها تحضُّ على إقامة الدين، والثبات عليه، والاعتصام به، واتباع السراط؛ بل هذا هو المقصود منها. فالثابت على السراط لم يُحدِث شيئًا، ولم يقع بفعله تفرق ولا اختلاف، وإنما يحدُث ذلك بخروج من يخرج عن السراط، وهو منهيٌّ عن ذلك، فعليه التبِعةُ.
فإن قيل: المكلَّف مأمور بالاستقامة على السراط، ولا يمكنه الاستقامة عليه حتى يعرفه، وإنما يعرفه بالبحث والنظر والتدبر، وحججُ الحق
_________________
(١) كما سلف في المقدمة غير مكشوفة، فالباحث معرَّض للخطأ؛ بل مَن تدبَّر الحجج علِمَ أنه يستحيل في العادة أن لا يختلف الناظرون فيها= فما الجامع بين الأمر باتباع الحجج وهو يؤدي إلى الاختلاف، وبين الزجر عن الاختلاف، وقد قال الله ﵎: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[ ١١ / ٥٧٩ ]
[البقرة: ٢٨٦] وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؟
أقول
_________________
(١) وأسأل الله ﵎ التوفيق : قولي: «إن حجج الحق غير مكشوفة» إنما معناه كما سلف أنها بحيث يُحتاج في إدراكها إلى عناء ومشقة، ويمكن مَن له هوى في خلافها أن يغالط نفسَه وغيرَه بحيث يتيسَّر له زعمُ أنه إن لم يكن هو المُحِقَّ فهو معذور. واتباعُ الحجج لا يؤدي إلى اختلاف، وإنما المؤدي إليه اتباعُ الشبهات. وإنما الشأن في أمرين: الأول: تمييز الحجج من الشبهات. الثاني: معرفة الاختلاف المنهي عنه. وجماع هذا في أمر واحد هو: معرفة السراط المستقيم. وقد بيَّنه الله تعالى بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. وقد علمنا أن المنعَم عليهم قطعًا من [٢/ ٣٨١] هذه الأمة هم النبي - ﷺ - وأصحابه. وقد قال الله ﷿: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فالسراط المستقيم هو ما كان عليه محمد - ﷺ - وأصحابه، وقد تقدَّم بيانُ جوامعه في الباب الأول، وأول الباب الرابع. فما اتضح من المأخذين السلفيين بحسب النظر الذي كان متيسِّرًا للصحابة وخيار التابعين، فهو من السراط المستقيم. وما خفي أو تردَّد فيه النظرُ، فالسراط المستقيم هو السكوت عنه. قال الله تعالى لرسوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
[ ١١ / ٥٨٠ ]
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦].
وفي «الصحيحين» (^١) من حديث جندب بن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: «اقرأوا القرآن ما ائتلفتْ عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه».
فإن كان من الأحكام العملية، والقضيةُ واقعةٌ، ساغ الاجتهاد فيه على الطريق التي كان يجري عليها في أمثال ذلك الصحابةُ وأئمةُ التابعين.
فمن لزم هذه السبيل فهو الثابت على سبيل الحق والصراط المستقيم. ومن لزم ذلك في المقاصد، وخاض في النظر والرأي المتعمَّق فيه لتأييد الحق وكشف الشبهات، وقد تحققت الحاجة إلى ذلك، فلا يُقضَى عليه بالخروج عن السراط ما لم يتبيَّن خروجُه عنه في المقاصد؛ فتلحقه تبعةُ ذلك بحسب مقدار خروجه.
هذا، والاختلاف المنهي عنه، مِن لازمه ــ كما بينته الآيات ــ: التحزب وأن يكونوا شيعًا. وسبيلُ الحق بيِّنة، والدينُ محفوظٌ قد تكفَّل الله تعالى بحفظه، وبأن لا تزال طائفة من الأمة قائمة عليه. فإن أخطأ عالم لم يلبث أن يجد من ينبِّهه على خطائه. فإن لم يتفق له ذلك، فالذي يوافقه أو يتابعه لا بد أن يجد من ينبِّهه. فلا يمكن أن يستولي الخطأ على فرقة من الناس [٢/ ٣٨٢] يثبتُون عليه ويتوارثونه إلا باتباعهم الهوى. ولهذا نجد علماء كل مذهب يرمُون علماءَ المذاهب الأخرى بالتعصب واتباع الهوى، وأكثرُهم صادقون في الجملة، ولكن الرامي يغفُل عن نفسه، وكما جاء في الأثر (^٢):
«يرى
_________________
(١) البخاري (٥٠٦٠، ٧٣٦٤) ومسلم (٢٦٦٧).
(٢) الذي يُؤثر عن المسيح بن مريم - ﷺ - ومعناه في القرآن: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]. [م ع]. قلت: بل هو حديث مرفوع صحيح الإسناد، أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (١٨٤٨ - موارد) وغيره، وهو مخرج في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم (٣٣)، ولا أدري كيف خفي ذلك على الشيخين، ولاسيَّما الشيخ محمد عبد الرزاق فإنه هو الذي قام على نشر كتاب «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان»، وعلى تحقيقه أيضًا، فلعله لم يتذكر الحديث عند كتابته لهذا التعليق. [ن].
[ ١١ / ٥٨١ ]