من ذلك. قال: «وبعضه جاء تنزيهًا مطلقًا عامًّا جدًّا لا تخصيص ولا تفسير له». ثم ذكر أن من النصوص ما هو صريح في التجسيم والتشبيه، «ولا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مجازية، ولا يراد فيها شيء غير الظاهر». قال: «فإن كان أريد بها ذلك (يعني غير الظاهر) إضمارًا (يعني أن المتكلم أضمر في نفسه إرادة غير الظاهر، وإن كان الكلام لا يحتمله) فقد رضي (المتكلم بالقرآن) بوقوع الغلط والتشبيه (يعني التجسيم ونحوه) والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحًا». ثم ذكر أن الحال في أمور المعاد كذلك، قال: «ولم يكن سبيل للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلا بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقرِّبة إلى الأفهام فهذا هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصًّا من الناس لا عامًّا أن ظاهر الشرائع غيرُ محتَجٍّ به في هذه الأبواب».
ويمكن ترتيب مقاصده في تلك العبارة على ما يأتي:
المقصد الأول: أن من تلك النصوص ما هو ظاهر في تلك المعاني، ومنها ما هو صريح فيها.
الثاني: أن الصريح منها يدفع احتمال الاستعارة والمجاز، ويأبى أن يكون المراد منه إلا ذاك المعنى الذي هو صريح فيه.
الثالث: أنه ليس في الكتاب ولا السنة نصٌّ ينفي تلك المعاني التي دلَّتْ عليها تلك النصوص الكثيرة بظهورها أو صراحتها نفيًا بينًا، وإنما هناك إشارات يسيرة ليست بالبينة.
الرابع: أن تلك المعاني موافقة لعقول المخاطبين الأولين، وهم العرب الذين بُعث فيهم محمدٌ ﵌، حتى لو خوطبوا بنفيها
[ ١١ / ٤١٣ ]
لأنكرته عقولهم وردَّتْه، وحالهم في ذلك كحال الجمهور من الناس في عصرهم وقبلهم وبعدهم.
[٢/ ٢٦٤] الخامس: أن تلك المعاني في رأي ابن سينا ومن يوافقه من المتكلمين وغيرهم باطلة بدلالة النظر العقلي المتعمَّق فيه.
السادس: أن صحة الدين الإسلامي ومجيئه بتلك النصوص على ما تقدم من حالها متناقضان ظاهرًا، إذ كيف يأتي الدين الحق بالاعتقاد الباطل؟ !
السابع: أن صحة الدين الإسلامي ثابتة بالبرهان، وبطلان تلك المعاني ثابت
_________________
(١) في زعمه ومن وافقه بالبرهان. الثامن: أنه لا مخلصَ من هذا التناقض مع ثبوت كلا الأمرين بالبرهان إلا القول بأن الدين الحق قد يأتي بالاعتقاد الباطل رعايةً لمصلحة البشر، ليقبلوا الشرائع العملية التي تصلح شؤونهم! التاسع: أنه إذا كان الأمر هكذا، فاللائقُ بالجمهور قبولُ ما جاء به الدين الحق على أنه حق، واللائق بالخاصة وهم الذين تنبَّهوا لبطلان بعض تلك المعاني أن يعرفوا أن الدين إنما جاء لإصلاح الجمهور وأنه جاراهم على اعتقادهم وما يوافقه، وإن كان باطلًا في نفس الأمر، فَلْيَدَعِ الخاصةُ الاحتجاجَ بالنصوص للجمهور، وَلْيحقِّقوا لأنفسهم! العاشر: أنه كما وقع في الدين ذاك التلبيس في العقائد في ذات الله وصفاته، ولا مفرَّ للمتكلمين الذين اعترفوا ببطلان تلك المعاني من الاعتراف به، فكذلك وقع في أمور المعاد. ووقوعُه فيها أهون، والمدارُ إنما
[ ١١ / ٤١٤ ]
هو على اقتضاء المصلحة، وهي تقتضي التلبيس في أمور المعاد؛ فإن الجمهور لا يُخضِعهم إلا الرغبة والرهبة، ولا تؤثِّر فيهم الرغبة والرهبة إلا فيما يتعلق بالجسمانيات التي عرفوها وأَلِفوها.
وقد رأيتُ أن أفرض أنه انعقد مجلسٌ للنظر في هذه المقاصد حضره متكلم وسلفيّ وناقد، فجرى ما يأتي شرحه:
[ ١١ / ٤١٥ ]