المناكحة والمواريث والصلاة والإقرار، ولنا ذنوب، ولا ندري ما حالنا عند الله؟ قال وكيع: وقال أبو حنيفة: من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاكٌّ، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقًّا. قال وكيع: ونحن نقول بقول سفيان، وقول أبي حنيفة عندنا جرأة».
وذكر الكوثري في «تأنيبه» (ص ٣٤) هذه الرواية، ثم ذكر عن كتاب ابن أبي العوَّام بسنده إلى عبيد بن يعيش قال: «حدثنا وكيع قال: كان سفيان الثوري إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: نعم. فإذا قيل له: عند الله؟ قال: أرجو. وكان أبو حنيفة يقول: أنا مؤمن هنا وعند الله. قال وكيع: قول سفيان أحبُّ إلينا».
وقال الكوثري (ص ٦٧): «لكن الإيمان الشرعي إنما يتحقق عند تحقُّق الجزم المنافي لتجويز النقيض. فمن يقول: أنا مؤمن، ولا أدري ما حالي عند الله، أو: أنا مؤمن إن شاء الله، فإن كان مراده بذلك أن الخاتمة مجهولة وأرجو الله أن يُختَم لي بخير، فليس ذلك من منافاة الجزم في شيء. وأما إن كان مراده بذلك القول أنا مؤمن هنا ولا أدري ما إذا كان ما أعتقده إيمانًا هنا، إيمانًا عند الله، فهو شاكٌّ غيرُ جازم؛ بل جوَّز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلاف ما يعتقده، فهو ليس من الإيمان في شيء؛ لأنه ليس من اليقين على شيء. فتبين من هذا البيان أنه لا يُتصور تفاوتٌ أصلًا بين إيمان المؤمنين من جهة الجزم، ويكون النقص عن مرتبه اليقين كفرًا».
أقول: مسألة الزيادة والنقصان قد سلف النظير فيها.
فأما المسألة الأخرى، فتحريرها أن هناك ثلاث قضايا:
[٢/ ٣٧٦] الأولى: اعتقادُك ثبوتَ كل أمر من الأمور التي ترى أن اعتقاد ثبوت جميعها هو الإيمان الذي لا بد منه.
[ ١١ / ٥٧٢ ]
الثانية: اعتقادك أنك جازم بكل واحد من تلك الأمور الجزمَ الكافي عند الله ﷿.
الثالثة: اعتقادك أنك وافٍ بجميع الأمور الضرورية للإيمان في نفس الأمر، من اعتقاد وقول وفعل وترك.
فمن قيل له: أمؤمن أنت؟ فقال: أرجو، أو: إن شاء الله؛ فهذا يتعلق بالقضية الثالثة كما لا يخفى. ولا يجب تعلقه بالثانية، فأما الأولى فبعيد عنها.
وقد دلَّت آيات الحجرات السابقة على أن المؤمن قد يزول إيمانه وهو لا يشعر، فكيف يسوغ ذلك مع هذا (^١) أن تجزم بالقضية الثالثة فتقول: أنا عبد الله مؤمن حقًّا؟ اللهم إلا أن تريد بالإيمان معنى خاصًّا، كمجرد النطق بالشهادتين، أو مجرد الاعتراف اللساني بربوبية الله ﷿.
وتدبَّرْ آيات الحجرات، وتأمَّلْ معاملتك للنصوص الشرعية التي تخالفها في العقائد والإيمان والفقه زاعمًا أنك تخالف ظواهرها، وأنعِمِ النظرَ في ذلك، ألا تخشى أن يكون في معاملتك لها ما هو تقديمٌ بين يدي الله ورسوله، ورفعٌ لصوتك خلاف صوته، وجهرٌ له بالقول كما تجهر لمخالفيك ودون جهرك لأئمتك في الكلام والفقه بكثير؟ !
وتدبَّرْ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
_________________
(١) كذا في (ط). ولعل «ذلك» زائدة، وفاعل «يسوغ»: «أن تجزم».
[ ١١ / ٥٧٣ ]
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٥].
وانظر أين أنت منها؟ ففي هذا الإجمال كفاية، وبه يتضح ما في عبارة الكوثري من المغالطة؛ فإنها توهِم أن قول القائل: أرجو أو إن شاء الله، ينافي الجزم بما في القضية الأولى. فإن قول الكوثري في تفسير ذلك: «ولا أدري ما إذا كان ما أعتقده إيمانًا هنا، إيمانًا عند الله» يصدُق بأن تكون الإشارة إلى الإيمان بما في القضية الأولى، كأنه قال: [٢/ ٣٧٧] لا أدري هل الإيمان بنبوة محمد إيمان عند الله؟ وهكذا في بقية الأمور. وقول الكوثري: «بل جوَّز بتلك الإرادة أن يكون الإيمان خلافَ ما يعتقده» كالصريح فيما ذكر من الإيهام.
فإن قلت: إذا كان الرجل جازمًا بوجود الله تعالى وربوبيته وتفرده بالألوهية ونبوة محمد وغير ذلك من أمور الإيمان التي تتضمنها القضية الأولى، فما الذي يشكِّكه في القضية الثانية، أي في أنه جازم بتلك الأمور؟ ثم ما الذي يشكِّكه في الثالثة، أي في أنه عند الله تعالى مؤمن حقًّا؟
قلت: قد مرَّ ما يكفي لو تدبرته، وأزيده إيضاحًا:
تقدم في المسألة السابقة أن الجزم يتفاوت، فإذا ثبت ذلك ولم يكن عندك برهان واضح على أن القدر الذي عندك منه كافٍ عند الله تعالى، فمن أين يتهيأ لك أن تجزم بذلك؟ وهَبْ أن الجزم الأول لا يتفاوت، فمن أين لك أن تجزم بأن جزمك مساوٍ لجزم جبريل ومحمد ﵉؟ فإن مَنَّتْك نفسُك ذلك، فانظر إن كنت من أتباع المتكلمين في النصوص المصرِّحة بأن الله تعالى في السماء فوق سماواته على عرشه، والنصوص
[ ١١ / ٥٧٤ ]
الدالة على أنه سبحانه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وأنه يجيء يوم القيامة، وغير ذلك مما خالفتَ فيه السلفيين، ثم تأمَّلْ في جزمك بأن محمدًا رسول الله صادقٌ في كلِّ ما أخبر به عن الله، واستحضِرْ ما تقدَّم عن أئمتك في مسألة الجهة وفي الباب الثالث= فإنْ زعمتَ أنك جازم، فوازنْ بين ذيَّاك الجزم وبين جزمك بأن الثلاثة أقل من الستة.
وانظر
_________________
(١) إن كنت فقيهًا في الأحاديث التي اشتهر أن إمامك يخالفها، وتفكَّرْ فيما تعاملها به، وانظر هل تقع منك تلك المعاملة وأنت جازم بأن محمدًا رسول الله صادقٌ في كُلِّ ما أخبر به عن الله، وأنك محكِّم له فيما وقع فيه الاختلاف، مسلِّم لحكمه تسليمًا لا تجد في نفسك حرجًا مما قضى؟ وانظر، وانظر، وأعمُّ [من] ذلك أن تنظر في عملك أعَمَلُ من يوقن بأن محمدًا رسول الله [٢/ ٣٧٨] صادقٌ في كل ما أخبر به من التكليف والحساب والجزاء والجنة والنار؟ وهل عملُك مساوٍ أو مقاربٌ لعمل النبي ﵌ وأفاضل أصحابه وخيار التابعين؟ وأما القضية الثالثة: فإنك إن تدبرتَ وجدتَ شأنها أوضح، فإن الأمة اختلفت في أمور الإيمان، فمن الناس من يشترط الجزم بثبوت بعض ما تنفيه أنت أو ينفي بعض ما تُثبته، أو يعدُّ منها ما لا تعدّه. ومن أهل السنة من يشترط المحافظة على الصلوات المكتوبة، والمعتزلة والخوارج يشترطون المحافظة على الفرائض والسلامة من الكبائر، وليس جزمُك بخطأ هؤلاء في جميع ما يخالفونك فيه كجزمك بأن الثلاثة أقل من الستة. أفلا تخشى أن يكون من أقوالهم ما هو حق في نفس الأمر، وتكون أنت مقصِّرًا تقصيرًا لا تُعذَر فيه؟ !
[ ١١ / ٥٧٥ ]
وقد اختلف الفقهاء في كثير من أحكام الصلاة، فلعل كثيرًا من صلواتك يقول بعض مخالفيك: إنها باطلة، فلعلك غير معذور في مخالفته، فيكون حكمُك حكمَ مَن ترك تلك الصلوات. ولعل فيما تُسامِح نفسَك بتركه ما يكون فريضةً في نفس الأمر، وفيما تُسامِح نفسَك بفعله ما يكون كبيرةً في نفس الأمر، ولعلك لا تستحق عذر الجاهل أو المخطئ.
وأشدُّ من ذلك أن رأس أمور الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، فهل حقَّقْتَ معنى الألوهية؟ أفلا تخشى أن يكون في اعتقاداتك وأعمالك ما هو تأليهٌ وعبادة لغير الله ﷿، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وقال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؟
وفي الحديث: «اتقو الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل» (^١). ذكرتُ طرقه في كتاب «العبادة» (^٢)، وأوضحت أنه على ظاهره. وبسطُ هذا المطلب في ذاك الكتاب.
وبالجملة، فمن تدبَّر علِمَ أنه لا يمكنه أن يجزم غير مجازف أنه عند الله مؤمن حقًّا إلا أن يريد بقوله «مؤمن» معنى ناطق بالشهادتين وإن لم يعرف
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٩٦٠٦) وابن أبي شيبة في «المصنّف» (١٠/ ٣٣٧، ٣٣٨) والطبراني في «الأوسط» (٣٥٠٣) من حديث أبي موسى الأشعري، وفي إسناده أبو علي رجل من بني كاهل مجهول، ولم يوثقه غير ابن حبّان. وفي الباب عن أبي بكر الصديق وعائشة وابن عباس ﵃، انظر تعليق «المسند» (١٩٦٠٦) و«إتحاف السادة المتقين» (٨/ ٢٨١).
(٢) (ص ١٤٣ وما بعدها).
[ ١١ / ٥٧٦ ]
معناهما تحقيقًا، ولا التزم مقتضاهما تفصيلًا، بل قد يكون مصرًّا على بعض ما ينافيهما، ولاحول ولا قوة إلا بالله.
* * * *
[ ١١ / ٥٧٧ ]
[٢/ ٣٧٩] الخاتمة