وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٤ - ١٩].
كانوا يكذِّبون بالمعجزات قائلين: إنها سحر، محتجِّين بأن الذي ظهرت على يده يخبر بما لا يُعقَل من حشر الأجساد. وانظر (الصافات) أيضًا: ٥٣ و(المؤمنون): ٣٥ و٨٢ و(الواقعة): ٤٧.
مهمة
قد يفسَّر حشرُ الأجساد بجمع أجزائها المتفرقة، وقد يفسَّر بإنشاء أجساد أخرى، والنصوص الشرعية تدل على أمر جامع لهذين. وقد أُورِد على الأول أن الأبدان في الدنيا تنمو وتتحلَّل فتفارقها أجزاء وتتعوض أجزاء أخرى، ولا تزال هكذا، ثم تَبلَى بالموت، وتتفرق فتدخل أجزاء من هذا البدن في تركيب أبدان أخرى وهلم جرًّا. وإعادةُ تلك الأجزاء أعيانها في جميع تلك الأبدان، بأن تكون هي أعيانها في هذا، وهي أعيانها في ذاك، في وقت واحد= غيرُ معقول. فإن أعيدت في بعضها، فلم يعد غيره على ما كان عليه. وأيضًا فقد تكون الأجزاء من بدن مؤمن، ثم تصير من بدن كافر، وعكسه. وأجيب بأن المُعاد في كل بدن إنما هو أجزاؤه الأصيلة. ونوقش في هذا بما هو معروف.
[٢/ ٣٠٧] أقول: النصوص لا تدل على إعادة هذه الأجزاء كلِّها في كلِّ بدن في وقت واحد، وإنما تدل على الإعادة في الجملة، وإذا تدبرنا الحكمة في الإعادة أمكننا أن نفهم التفصيل تقريبًا.
فمن الحكمة إظهار قدرة الله ﷿ على الحشر، وتصديق خبره بأنه
[ ١١ / ٤٧٦ ]
واقع. وهذه الحكمة إنما تستدعي الإعادة في الجملة، وذلك يحصل بما يأتي قريبًا.
ومنها: أن ينال الجزاء هذه الأجزاء، وهذا غير متحتم؛ لأن الكاسب المختار للطاعة أو المعصية، والمدرك لأثرها في الدنيا والمدرك للذة الجزاء أو ألمه في الأخرى هو الروح، وإنما البدن آلة لها. غاية الأمر أنه إذا كانت آلة الكسب هي آلة الجزاء كان ذلك أبلغ في كمال العدل، فليكن من ذلك ما يمكن. وقد جاءت عدة نصوص تدل أن أبدان أهل الجنة والنار يكون بعضُ البدن منها أو كلُّه من غير الأجزاء التي كان منها في الدنيا. ففي «الصحيحين» (^١) في قصة الذين يخرجون من النار «فيخرجون قد امتَحَشُوا وعادوا حُمَمًا، فيُلْقَون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حَميل السيل ». وجاءت عدة أحاديث أن أهل الجنة يكونون كلهم على صورة آدم طوله ستون ذراعًا. راجعها في «الباب التاسع والثلاثين» من «حادي الأرواح» (^٢).
وقال ﵎ في أهل النار: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].
وفي «صحيح مسلم» (^٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «ما بين منكِبَيِ الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع».
_________________
(١) البخاري (٦٥٧٣) ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) (ص ٣١٣ - ٣١٨).
(٣) رقم (٢٨٥٢).
[ ١١ / ٤٧٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وفي «صحيح مسلم» (^١) من حديث ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: أمَا إنَّا [٢/ ٣٠٨] قد سألناه عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلَّقة بالعرش تَسْرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلَع إليهم ربُّهم اطِّلاعةً ». أخرجه عن جماعة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود. وقد أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (ج ٤ ص ١٠٦ - ١٠٧) (^٢) من طريق شعبة ومن طريق سفيان الثوري كلاهما عن الأعمش بسنده أنهم سألوا عبد الله بن مسعود فقال: «أرواح الشهداء ». فثبت سماع الأعمش لهذا الحديث من عبد الله بن مرة؛ لأن شعبة لا يروي عن الأعمش إلا ما علم أنه سماع للأعمش ممن سمَّاه. نصَّ على ذلك أهل المصطلح وغيرهم. وكذلك أخرج هذا الحديث الدارمي (ج ٢ ص ٢٠٦) (^٣) من طريق شعبة. فأما عدم التصريح بالرفع فلا يضر، لأن هذا ليس مما يقال بالرأي، مع ظهور الرفع في رواية مسلم.
وفي «مسند أحمد» (ج ١ ص ٢٦٥) (^٤): «ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي،
_________________
(١) رقم (١٨٨٧).
(٢) (٦/ ٢٢٩، ٢٣٢) ط. دار هجر.
(٣) رقم (٢٤١٥).
(٤) رقم (٢٣٨٨).
[ ١١ / ٤٧٨ ]
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: «لما أصيب إخوانكم بأحُد جعل الله ﷿ أرواحَهم في أجواف طير خُضْر تَرِدُ أنهارَ الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مُنقلَبِهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ». أبو الزبير يدلِّس (^١)،
وقد أخرج الحاكم في «المستدرك» (ج ٢ ص ٢٩٧)
_________________
(١) لو رددنا حديث كل مدلس لرددنا جمهرة طيبة مباركة من السنة التي قبلها الأكابر ونشروها وعملوا بها، والذي يظهر من عمل المحققين من أئمة السنة [أنهم ينظرون] إلى مراتب الجرح والتعديل عند التعارض (!) ليأخذوا بالأرجح الأقوى إن لم يمكن الجمع. وحديث أبي الزبير هذا ليت شعري ما الذي عارضه من رواية من هُم أرجح منه حتى نشكك فيه؟ وروايته محشو بها «البخاري» مكتظ بها «مسلم» وغيره فضلًا عن بقية دواوين السنة كأبي داود والترمذي وغيرهم من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد. [م ع]. قلت: يبدو لي في كلام فضيلته ملاحظات: التسوية بين تدليس الأعمش وتدليس أبي الزبير في التسامح بهما ليس بجيد، لأن تدليس الأول قليل، وتدليس الآخر كثير، ولذلك احتج الشيخان بالأعمش، ولم يحتج بأبي الزبير غير مسلم منهما، وأورده الحافظ في المرتبة الثانية من «طبقات المدلسين»، وهي ــ كما ذكر في المقدمة ــ مرتبة مَن احتمل الأئمةُ تدليسه، وأخرجوا له في «الصحيح». ثم أورد أبا الزبير في المرتبة الثالثة، وهي مرتبة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع كأبي الزبير المكي، ثم أورده في هذه الطبقة وقال: «مشهور بالتدليس». قوله في أبي الزبير: «وروايته محشو بها (البخاري)» ليس بصواب، فإن البخاري لم يسند له غير حديث واحد متابعةً غير محتج به! قال الحافظ ابن حجر في «مقدمة الفتح» (٢/ ١٦٣): «لم يرو له البخاري ﵀ سوى حديث واحد في «البيوع»، قرنه بعطاء عن جابر، وعلَّق له عدة أحاديث». ومسلم وإن كان احتج به، فقد قال الذهبي في ترجمته من «الميزان»: «وفي «صحيح مسلم» عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث عنه، ففي القلب منها شيء» [ن].
[ ١١ / ٤٧٩ ]
الحديث من وجه آخر (^١) عن ابن [٢/ ٣٠٩] إسحاق، عن إسماعيل، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. زاد في السند: سعيد بن جبير. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» وأقرَّه الذهبي.
وقال الله ﷿: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].
وأخرج ابن جرير في «تفسيره» (ج ٢٤ ص ٤٢) (^٢) بسند رجاله ثقات عن هُزَيل بن شرحبيل أحد ثقات التابعين قال: «أرواح آل فرعون في أجواف طيرٍ سُودٍ تغدو وتروح على النار، وذلك عرضُها». وفي «روح المعاني» (^٣) أن عبد الرزاق وابن أبي حاتم أخرجا نحوه عن ابن مسعود.
ومن حِكَم الإعادة أداء الشهادة. قال الله ﵎: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٠].
_________________
(١) من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق. وكذا أخرجه أبو داود (٢٥٢٠) وأبو يعلى في «مسنده» (٢٣٣١) والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ١٦٣) وغيرهم.
(٢) (٢٠/ ٣٣٧) ط. دار هجر.
(٣) (٢٤/ ٧٣). وانظر «تفسير عبد الرزاق» (٢/ ١٨١، ١٨٢) و«تفسير ابن أبي حاتم» (١٠/ ٣٢٦٧).
[ ١١ / ٤٨٠ ]