يخالفه، فكيف لا تُورث ما ذكره الغزالي هنا بقولَه: «ربما حصل لك الأنس»؟ وإذا وجب أن لا يُعْتَدَّ بالجزم الحاصل عن طول الممارسة، فكيف يُعتدُّ باحتمال حصول الأنس؟ ولو كان هذا كافيًا للتشكيك في البديهيات، وخشية أن تكون وهمية لثبَتَ القدحُ في عامة البديهيات، وطُوِي بساط العقل، وحقَّت السفسطة. وقد تقدَّم في الباب الأول قولُهم في الجواب عن شبهات القادحين في البديهيات: «ولا نشتغل بالجواب عنها، لأن الأوليات مستغنية عن أن يُذَبَّ عنها، وليس يتطرق إلينا شكٌّ فيها بتلك الشبه التي نعلم أنها فاسدة قطعًا، وإن لم يتيقن عندنا وجهُ فسادها» (^١). أفلا يكفي مثبتي الأينية أن يجيبوا عما سمَّاه الغزالي «أدلة» بمثل هذا؟
فإن قيل: إن من تلك الأدلة البراهينَ على وجود واجب الوجود، لأنه لا يصح كونُه واجبَ الوجود إلا إذا لم يكن له أين، فجمودكم على تلك القضية يقتضي نفيَ وجودِ واجبِ الوجود.
قلت: البراهين الصحيحة على وجوده لا تقيِّد بعدم الأين، بل منها ما يقضي بوجوده مع ثبوت الأين له. فأما المقاييس التي يتشبث بها النفاة فهي من الشبهات التي نتيقن فسادها، وإن فُرِض أنه لم يتعيَّن لنا وجهُه.
أقول: وفي هذا مع الأدلة الشرعية ما يكفي الراغبَ في الحق الخاضعَ له، فلا حاجة بنا إلى التشاغل بتلك الشبهات. ولكن أشير هاهنا إلى نكات:
الأولى: المتعمقون يقولون: إنَّ ذات البارئ ﷿ مجردة، ثم منهم من يُثبت ذواتٍ كثيرة مجردة حتى عدُّوا منها الملائكة وأرواح الخلق، ومنهم
_________________
(١) ص ٢١٨ [ص ٣٤٨]. [المؤلف]
[ ١١ / ٥٤٢ ]
من يقتصر على تجويز ذلك، وردُّوا على من نفى ذلك محتجًّا بأنه لو وُجدت ذات أخرى مجردةٌ لكانت مماثلةً لذات الله ﷿، بأن المشاركة في التجرد لا تقتضي المماثلة التي تستلزم اشتراكَ الذاتَيْن فيما يجب ويجوز ويمتنع.
[٢/ ٣٥٤] وأنت إذا تدبرت علمتَ ما في هذا القول، كما مرَّ في الباب الثالث (^١).
فإن قيل: الإنصافُ أنَّ مَن أثبت المشاركةَ في أمرٍ ما فقد أثبت المثل في مطلق ذاك الأمر، ولزومُ التساوي في الأحكام إنما هو بالنظر لذاك الأمر، فالمُثبِتُ الشريكَ في الوجود يلزمه تساوي الذاتين في أحكام مطلق الوجود. وهكذا يقال في التجرد والجسمية والأينية وغيرها، وليس المحذور هنا إثباتَ مثلٍ في أمرٍ ما، ولا إثباتَ مساوٍ في أحكام أمرٍ ما، وإنما المحذور لزوم حكم باطل.
قلت: فهذا يوضِّح سقوطَ تشبُّثِهم بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ويبيِّن ما قدَّمناه في ذلك في الباب الثالث. ولله الحمد.
ثم أقول: التجرد المزعوم إنما حاصله عند العقول الفطرية: العدمُ، وذلك منافٍ للوجود، فضلًا عن الوجوب. وعلى فرض أنه لا ينافي الوجود، فأيُّ فرق يُعقَل بين ذاتين مجردتين حتى تكون هذه روح بعوضة، وتلك ذات رب العالمين؟ فأما ذاتان مشتركتان في مطلق الأينية، فإن معقولية الفرق بينهما
_________________
(١) (ص ٢٧٨) [ص ٤٣٦]. [المؤلف]
[ ١١ / ٥٤٣ ]