المتكلم: كيف تكون تلك الإشارات غير بينة، وفيها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: (١١)]، واسمه تعالى «الواحد»، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة؟
السلفي: أما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فمثل الشيء في لغة العرب: نظيره الذي يقوم مقامه ويسدُّ مسدَّه. وعند أكثر المتكلمين: مشاركة في جميع الصفات النفسية. وعند أكثر المعتزلة: مشاركة في أخصِّ وصف النفس. وقال قدماء المتكلمين كما في «المواقف» (^١): «ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات، وإنما تمتاز عن سائر الذوات بأحوال أربعة: الوجوب، والحياة [التامة] (^٢)، والعلم التام، والقدرة التامة ». قال السيِّد في «شرحه» (^٣): «قالوا ولا يرِدُ علينا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، لأن المماثلة المنفية هاهنا المشاركة في أخصِّ صفات النفس، دون المشاركة في الذات والحقيقة».
وقال النجَّار: مثلُ الشيء مشارِكُه في صفة إثبات، وليس أحدهما بالثاني. وألزموه: «مماثلة الرب للمربوب إذ يشتركان في بعض الصفات الثبوتية كالعالمية والقادرية». كذا في «المواقف» و«شرحها» (^٤)، وفيها بعد
_________________
(١) (ص ٢٦٩).
(٢) الزيادة من المؤلف.
(٣) (٨/ ١٥).
(٤) (٤/ ٦٧، ٦٨).
[ ١١ / ٤٢٤ ]
ذلك (^١): «هل يسمَّى المتخالفان المتشاركان في بعض الصفات النفسية أو غيرها مثلينِ باعتبار ما اشتركا فيه؟ لهم فيه تردد وخلاف، ويرجع إلى مجرد الاصطلاح وعليه يحمل قول النجار فالله مماثل عنده للحوادث في وجوده عقلًا، أي بحسب المعنى؛ والنزاع في الإطلاق ».
أقول: وليس في النصوص التي ينكر المتكلمون معانيها ما يظهر منه إثباتُ مناظرة على الإطلاق بين الله ﷿ وغيره، ولا مشاركة في جميع الصفات النفسية، ولا في أخصِّ وصف النفس. فإذا حُملت المماثلة المنفية في الآية على واحد من هذه المعاني، فليس بين الآية وبين شيء من المعاني الظاهرة لتلك النصوص منافاةٌ ما.
فأما المماثلة في بعض الصفات دون بعض، فقد علمتَ أن المتكلمين يثبتونها في الجملة. ولذلك ذكر الفخر الرازي (^٢) أنه لا يصلح حملُ الآية على ما ينفي ذلك.
وأجاب الآلوسي (^٣) بقوله:
[٢/ ٢٧١] «من المعلوم البيِّن أن علم العباد وقدرتهم ليسا مثل علم الله ﷿ وقدرته جل وعلا، أي ليسا سادَّين مسدَّهما».
أقول: قد تؤخذ المماثلة في مطلق العالمية والقادرية ونحو ذلك.
فإن قيل: ذاك أمر لا يلتفت إليه، إذ ليس الواقع إلا قدرة ذاتية تامة لله عز
_________________
(١) (٤/ ٧٦).
(٢) في تفسيره «مفاتيح الغيب» (٢٧/ ١٥١).
(٣) «روح المعاني» (٢٥/ ١٩).
[ ١١ / ٤٢٥ ]
وجل، وقدرة مستفادة ناقصة للعبد، وهكذا.
قلت: فهذا المعنى أيضًا غير منافٍ لشيء من تلك الظواهر.
تحقيق معنى الآية
مَن تتبَّع موارد استعمال نفي المثل في الكتاب والسنة وكلام البلغاء علم أنه إنما يراد به نفيُ المكافئ فيما يراد إثباتُه من فضل أو غيره. فمن ذلك: قولُ الشاعر (^١):
ليس كمثلِ الفتى زهيرٍ خَلْقٌ يُدانيه في الفضائلْ
وقول الآخر (^٢):
سعدَ بنَ زيدٍ إذا أبصرتَ جَمْعَهُمُ ما إنْ كمثلهِمُ في الناس مِن أحد
وقال الله ﷿: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: (٨٨)].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: (٦) - (٨)]. أي ــ والله أعلم ــ في قوة الأجسام، كما يومئ
_________________
(١) البيت في «الكشف والبيان» للثعلبي (٨/ ٣٠٦) و«الجنى الداني» (٨٩) غير منسوب. وقد نسب في «البحر المحيط» (٧/ ٥١٠) إلى أوس بن حجر، وتبعه ابن السمين في «الدر المصون» (٩/ ٥٤٥) وابن عادل في «اللباب» (١٧/ ١٧٤). والظاهر أنه وهم. والرواية: «خلق يوازيه».
(٢) البيت في «تفسير الطبري» ــ طبعة التركي (٢٠/ ٤٧٧) و«الكشف» (٨/ ٣٠٦) والمصادر المذكورة في الحاشية السابقة. والرواية: «أبصرتَ فضلهم».
[ ١١ / ٤٢٦ ]