في عقيدة السلف وعدة مسائل
من تدبَّر القرآن وتصفَّح السنة والتاريخ علِمَ يقينًا أنه لم يكن بين يدي السلف مأخذ يأخذون منه عقائدهم غير المأخذين السلفيين، وأنهم كانوا بغاية الثقة بهما والرغبة عما عداهما. وإلى ذلك دعاهم الشرع حتى لا تكاد تخلو آية من آيات القرآن من الحضِّ على ذلك. وهذا يقضي قضاء باتًّا بأن عقائدهم هي العقائد التي يُثمرها المأخذان السلفيان، يقطعون بما يفيدان فيه عندهم القطعَ، ويظنُّون ما لا يفيدانِ فيه إلا الظن، ويقفون عما عدا ذلك. وهذا هو الذي تبيِّنه الأخبار المنقولة عنهم، كما تراها في التفاسير السلفية وكتب السنة، وهو الذي نقله أصاغر الصحابة عن أكابرهم، ثم نقله أعلمُ التابعين بالصحابة وأخصُّهم بهم وأتبَعُهم لهم عنهم، ثم نقله صغار التابعين عن كبارهم، وهكذا نقله عن التابعين أعلمُ أتباعِهم بهم وأتبَعُهم لهم، وهلم جرًّا.
وهذا هو قول السلفيين في عقيدة السلف، ويوافقهم عليه أكابر النظَّار. صرَّح بذلك من لم ينصِب نفسَه منصبَ المدافع عن الدين والمحامي عن عقائد المسلمين كابن سينا وابن رشد، وأشار إليه مَن نصَبَ نفسه ذاك المنصب، كما يأتي في مسألة الجهة. وأما مَن دون هؤلاء فمضطربون: فمنهم من يقف، ومنهم من يزعم أن السلف كانوا واقفين في غالب العقائد التي اختلف فيها مَن بعدهم، يُطلقون بألسنتهم ما يوافق ظاهرَ النصوص، غيرَ جازمين بأنه على ظاهره أو على غير ظاهره. ومنهم من ينتحل السلف، فمن أتباع الأشعرية من يقول: كانت عقيدة السلف هي عقيدة الأشعرية نفسها!
[ ١١ / ٥٢٩ ]
فكانوا يرون بطلان ظواهر النصوص التي يقول الأشعرية ببطلانها، إلا أنهم لم يكونوا يخوضون في بيان معانيها الأخرى. فكانوا يعتقدون أن الله ﷿ غير مباين للعالم ولا محايث له ولا ولا، ومع ذلك يطلقون أنه تعالى على عرشه فوق سماواته، معتقدين بطلانَ ظاهرِ هذا، ساكتين عن معناه الذي يرونه صحيحًا! وهذا القول الأخير شهره المتعمقون حتى لا يكاد يخلو عنه كتاب من كتب الخلف في أي فنٍّ كان.
ويمكن أن يتشبثوا في الانتصار له بأن يقولوا: لا نزاع أن السلف كانوا أفضل الأمة [٢/ ٣٤٥] وخيرها وأعلمها بالدين وأثبتها على الحق، وكان أسلافنا من المتعمِّقين علماء خيارًا صالحين، يعرفون فضل السلف، فلم يكونوا ليخالفوهم.
فيقال لهؤلاء: إن أسلافكم ذهبوا إلى أنه لا يُحتَجُّ في العقائد بالكتاب ولا السنة ولا أقوال السلف، بل كان المتبوعون منهم من أجهل خلق الله بالسنة وأقوال السلف، وإنما استقوا عقائدهم من النظر العقلي المتعمَّق فيه. ثم اعترض بعضَهم نصوصُ القرآن التي تخالف رأيه ورأي أشياخه من المتعمقين، فحاول صرفَها عن معانيها، مع أنه في مواضع أُخر يقرِّر أنَّ مثلَ ذلك الصرف لا يسوغ، وأن الخبر إذا كان صريحًا في معنًى، أو ظاهرًا فيه، ولا قرينة صحيحة تصرف عنه، فزعمُ أن ذاك المعنى غيرُ واقع تكذيبٌ للخبر، وإن زعم أن المخبِر تأوَّل في نفسه معنًى آخر، كما تقدم إيضاحه غير مرة. وهكذا تصدَّى بعضهم لنصوص السنة التي تخالف رأيه ورأي أشياخه، فردَّ بعضَها زاعمًا أنها مخالفة للعقل، وحاول صرفَ بعضها عن تلك المعاني، كما صنعوا في نصوص القرآن.
[ ١١ / ٥٣٠ ]
ولِعلمهم بظهور سخافتهم فيما يرتكبونه، يحاولون ترويجه بأمرين:
الأول: زعمُهم أن الملجئ لهم إلى ذلك احتياجُهم إلى الدفاع عن الدين، لئلا يلزم من مجيئه بتلك النصوص بطلانُه!
الثاني: عيب أئمة المؤمنين الذين يصدِّقون الله ورسوله، والسخرية منهم بأنهم لا يعقلون ولا يفهمون، ويسمُّونهم «الحشوية» وغير ذلك من الأسماء المنفِّرة، كما صنع ابن الجويني المدعو «إمام الحرمين» في ردِّه على كتاب «الإبانة» للحافظ أبي نصر السجزي، وذلك قبل أن يرجع ابن الجويني، ويتمنى الموت على دين عجائز نيسابور؛ وكما صنع ابن فورك في كتابه «مشكل الحديث». وإني والله ما آسى على ابن فورك، وإنما آسى على مسحوره البيهقي الذي امتلأ من تهويلات ابن فورك وغيره رعبًا، فاستسلم لهم، وانقاد وراءهم.
وكان عبد الرزاق بن همام الصنعاني قد أخذ عن جعفر بن سليمان الضُّبَعي طرفًا من التشيع، فشنَّعوا عليه بذلك، حتى قال محمد بن أبي بكر المُقدَّمي: فقدتُ عبد الرزاق، ما أفسد جعفرُ بن سليمان غيرَه! [٢/ ٣٤٦] وليت شعري لو كان ابن فورك والبيهقي أدركا المُقدَّمي ما عسى كان يقول فيهما!
فأما ما يعترضهم من كلام السلف، فإنهم يصرِّحون بقلة حياءٍ بأن تلك الأقوال تجسيم، كما صنعوا فيما صحَّ عن كبار أئمة التابعين من تفسير «الصمد» بأنه الذي لا جوف له. وقد مرَّ ذلك في الباب الثالث. فإذا كان أشياخكم يردُّون القرآن والسنة ويُجهِّلون أئمة السلف، فكيف تظنون بهم أنهم لا يخالفون السلف؟
[ ١١ / ٥٣١ ]