[بحث حول «مِن» في قوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾]
الحمد لله.
* قوله ﷿: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.
(مِنْ) في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يجوز أن تكون تبعيضية، إذا جُعِل النفي في قوله: ﴿لَمْ يَنْتَهُوا﴾ من باب سلب العموم، أي: لم يَعُمَّهم الانتهاء، فيصدق بما إذا انتهى بعضهم.
وعليه، فلو قيل: ليمسنَّهم، لاقتضى أن العذاب يمسُّهم جميعًا إن لم ينتهوا جميعًا. أي: أن العذاب يعمُّهم إن لم يعمَّهم الانتهاء، وإن انتهى بعضهم.
وهذا غير مراد، وإنما المراد أن العذاب يمسّ من لم ينته دون من انتهى. فوجب في أداء المعنى المراد أن يؤتى بما في النظم الكريم.
أمَا إذا جُعِل النفي من باب عموم السلب، فلا يصح التبعيض، إذ يكون المعنى حينئذٍ: لئن لم ينته أحد منهم. وإذا لم ينته أحد منهم فكلهم كفار، فلا معنى لأن يُجعل الذين كفروا بعضًا منهم. فيجب على هذا جعل (مِنْ) بيانيَّة.
[ ٢٤ / ٢٦ ]
* قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ﴾ [الفتح: ٢٩].
قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ المرادُ المعيَّة الكاملة، أي بالأبدان والإيمان وتوابعه، لا بالأبدان فقط، وإلاّ لدخل المشركون، ولا بالتظاهر بالإسلام، وإلا لدخل المنافقون، والسياق يأباه؛ لأنّ المنافقين لم يكونوا أشدَّاء على الكفار رحماء بالمؤمنين، بل وصفهم الله ﷿ في مواضع من كتابه بعكس ذلك، ولم يكونوا ممن يُرَوْن ركَّعًا سُجَّدًا، بل وصفهم الله تعالى بأنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى يراؤون الناس، وأنهم لا يذكرون الله إلا قليلًا. وأوضح من هذا: أنهم لم يكونوا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، كما هو واضح.
وحينئذٍ، فتلخيصُ المعنى: محمد رسول الله، والذين آمنوا معه مؤمنون يعملون الصالحات.
فقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ﴾ لا يصحّ أن تكون (مِنْ) فيه تبعيضية.
فإن قيل: لم لا يُجعل معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ آمنوا ﴿مَعَهُ﴾: مؤمنون يعملون الصالحات، أي في الجملة، أي يقع هذا منهم، بدون تعرُّضٍ لدوام
[ ٢٤ / ٢٧ ]
ذلك أو عدمه، فيدخل حينئذٍ مَن آمن وعمل الصالحات ثم ارتدّ على عقبه، ثم يُجعَل معنى قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ أي ثبتوا على ذلك، فحينئذٍ يصحّ التبعيض؟
قلت: لا يخفى ما في هذا من التعجرف:
١ ــ لأنّ الله ﷿ وصف الذين معه بأنهم: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾، وأطلق الوصف، وعبَّر بالاسم الدالّ على الثبات والدوام في (أشداء) و(رحماء)، وجاء بقوله: (تراهم) مخاطبًا لكل من يمكن منه الرؤية، فيشمل كل زمان.
٢ ــ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فجاء بلفظ الماضي الذي يدل على وقوع ذلك فقط، فهو مناقض لغرض المعترض من الحمل على الثبات، وفيه حكمة بالغة سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى.
بل لو جُعِل الخطاب فيه لخاصّة المؤمنين لم يلزم جواز ذلك، كما لا يلزم من قوله ﷿ لرسوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وأمثالها من الآيات= جوازُ ذلك عليه - ﵌ -. بل إن خطابه ﷿ لرسوله بذلك وأمثاله هو من جملة العصمة. وهذه نكتة لطيفة ليس هذا محل إيضاحها.
وأمّا ما جاء في الحديث أن ناسًا يُحال بينهم وبين حوضه - ﵌ -، فيقول: «أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (^١) = فنقول:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٣٠٤) من حديث أنس بن مالك.
[ ٢٤ / ٢٨ ]
إن المراد بهؤلاء أيضًا جماعة ممن كانوا أسلموا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، وقد وعدهم الله ﷿ في كتابه بأنه سيدخل الإيمان في قلوبهم، كما تقتضيه كلمة ﴿لمّا﴾، فيتمسك - ﵌ - بظاهر ذلك، فيقول: «أصيحابي»، فيُخبَر بأنهم أحدثوا بعده أشياء مَنعت دخول الإيمان في قلوبهم. بل، وقد يقال: إن من مات بعد أن أسلم وقبل أن يدخل الإيمان في قلبه = ممّن تناله الرحمة ما لم يُحدِث.
ومع هذا كله، فليس في الحديث أن أولئك المردودين يخلَّدون في النار.
وممّا يرد الاستدلال بالحديث قوله: «أصيحابي»
_________________
(١) بالتصغير ، ممّا يدل أنهم ليسوا من أصحابه المرادين بالآية الكريمة. فإن قيل: فما النكتة في العدول عن أن يقال: (وعدهم الله)، إلى ما في النظم الكريم؟ قلت: قد علم الله ﷿ أنه سيكون في هذه الأمة من يطعن في أصحاب رسوله - ﵌ -، فربّما يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ ﴾ إلخ يدلُّ على الثبات والدوام كما تقدم ، ويزعم أن منهم من لم يثبت، فيستدل بذلك على أنه لم يدخل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ لأن الله وصف الداخلين في ذلك بالثبات، وهذا لم يثبت. = فدحض الله ﷿ هذه الشبهة وأرغم أنف صاحبها بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلم يشترط في الوعد دوامًا ولا ثباتًا، بل
[ ٢٤ / ٢٩ ]
وهبه (^١) لكل من وقع منه إيمان وعملٌ للصالحات.
وعُلِمَ بذلك ــ مع ما تقدم ــ أنّ كل من وقع منه إيمان وعمل صالح فهو ممّن علم الله ﷿ أنه ثابت على ذلك، حتى لو فُرض [أنه] وقع منه شيءٌ من المخالفات، فهو صادر عن تأويل أو سهوٍ أو خطأ، وتَعقُبُه التوبة النصوح. وبالإجمال، قد غفره الله ﷿، فلا يخلّ بالثبات المفهوم ممّا تقدم.
على أنه يمكن أن تكون (مِنْ) تبعيضيّة، ولا يَرِدُ شيء مما تقدم. وذلك بأن يقال: كونها تبعيضية لا يستلزم التبعيض، بل جيء بها لتحقيق انتفاء التبعيض، من باب نفي الشيء بإثباته، وهو باب معروف في العربية، منه ما يسمُّونه: تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقوله:
ولا عيب فيهم البيت (^٢).
فإن ظاهره إثبات العيب، ولكنّ هذا الإثبات جُعِلَ وسيلة إلى تحقيق النفي.
ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، على جَعْل الكاف أصليَّة. ظاهره إثبات المِثل، والمقصود تحقيق نفيه، كما هو موضَّح في محلِّه.
_________________
(١) غير محررة فلعلها ما أثبت، وتحتمل: «كفله»، وكان الشيخ كتب أولًا: «جعله»، ثم ضرب عليها.
(٢) هو للنابغة الذبياني في «ديوانه» (٤٤) وتمامه: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنَّ فلول من قراع الكتائب
[ ٢٤ / ٣٠ ]
ومنه التعليق بالمُحال، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فظاهره إثبات دخولهم، والمقصود تأكيد نفيه وكقوله: (^١).
فيقال هنا: إنّ (مِنْ) إذا جُعِلت للتبعيض كان ظاهرها أن منهم من لم يؤمن ولم يعمل الصالحات، ولكنّ الثابت بالسياق انتفاء ذلك، فعُلم أن المراد بهذا الإثبات تحقيق النفي، وتبكيت مَن يزعم أنّ مِن أولئك مَن لا يدخل الجنة.
ومثاله: أن يثبت عند السلطان اشتراك جماعة في الجهاد، فيريد الإنعام عليهم، فيقوم بعض بطانة السوء يطعن في بعضهم ليحرمهم الملك، فيقول الملك: سأُنْعِم على من جاهد منهم ــ وقد علم أن جميعهم جاهدوا ــ. وإنما ملخَّص المعنى: أنه لن يحرم منهم أحدًا، اللهم إلا إن كان فيهم من لم يجاهد، وقد عُلِم أنه ليس فيهم من لم يجاهد، فعُلِم أنه لن يحرم منهم أحدًا البتة.
ومثل هذا يمكن أن يقال في الآية الأولى (^٢). والله أعلم (^٣).
_________________
(١) بياض في الأصل مقدار أربع كلمات.
(٢) أي في آية المائدة السابقة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.
(٣) مجموع [٤٧١٨].
[ ٢٤ / ٣١ ]