مغفرة منه وفضلًا، ويأمركم بالعدل والإحسان (^١).
* * * *
قوله ﷿: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [٢٧٣].
دلّ سياق الآية على أنّهم لا يسألون البتة، ومفهوم قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أنّهم يسألون، ولكنّهم لا يُلْحِفون.
أجاب الزمخشري بأنّ النّفي هنا متوجّه إلى المقيَّد، كما في قول الشاعر (^٢):
* على لاحبٍ لا يُهتدى بمناره *
أي: ليس له منار فيهتدى به.
وعندي في هذا الجواب والاستشهاد نظر، وهو قول الشاعر: «لا يهتدى بمناره»، وما شابهه في كلام الفصحاء إنّما يجيء إذا كان هناك ملازمة. من اللازم
وهذا (^٣).
_________________
(١) مجموع [٤٧٢٤].
(٢) سيأتي البيت كاملًا.
(٣) لم يكمل الشيخُ الكلام وترك نصف الصفحة بياضًا، ثم وجدنا في آخر ورقة في المجموع بقية الكلام المتعلق بالمسألة، من قوله: «ذو الرمة » ثم الاعتراض والجواب. وهما منقولان من تفسير الآلوسي «روح المعاني»: (٣/ ٤٧).
[ ٢٤ / ١٣ ]
ذو الرمّة:
لا تُشتكى رقصة (^١) منها وقد رقصت بها المفاوزُ حتى ظهرُها حَدِبُ
قول امرئ القيس (^٢):
على لاحبٍ لا يُهتدَى بمناره إذا سافَهُ العَودُ الدِّيافيُّ جَرْجَرا
الآخر في وصف مفازة (^٣):
لا تُفزِعُ الأرنبَ أهوالُها ولا ترى الضبَّ بها يَنْجَحِرْ
الأعشى (^٤):
لم تَعطَّف على حُوارٍ ولم يَقْـ ـطع عُبَيدٌ عروقَها مِن خُمال
الأعشى (^٥):
لا يغمزُ الساقَ من أَيْنٍ ومن وصبٍ ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفه الصَّفَر
واعترض بأنّ هذا إنّما يحسن إذا كان القيد لازمًا للمقيَّد أو كاللازم حتى يلزم من نفيه نفيُه بطريق برهاني، وههنا ليس كذلك؛ إذ الإلحاف ليس لازمًا للسؤال، ولا كلازمه.
_________________
(١) كذا في الأصل، ورواية الديوان (١/ ٤٤) ومصادر أخرى كثيرة: «سقطة».
(٢) «ديوانه» (٦٦ - ت أبو الفضل).
(٣) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي. انظر: «ديوانه» (ص ٦٧).
(٤) «ديوانه» (٥٥ - شرح محمد محمد حسين).
(٥) هو أعشى باهلة. انظر: «الأصمعيات» (٩٠).
[ ٢٤ / ١٤ ]
وأجيب بأنّ هذا مسلَّم إن لم يكن في الكلام ما يقتضيه، وهو كذلك هنا؛ لأنّ التعفّف حتى يُظَنُّوا أغنياء يقتضي عدم السؤال رأسًا. وأيضًا ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ مؤيد لذلك.
وقيل: المراد أنّهم لا يسألون، فإن سألوا عن ضرورة لم يلحّوا.
ومن النّاس من يجعل المنصوب مفعولًا مطلقًا للنفي، أي: يتركون السؤال إلحافًا، أي مُلْحفين في الترك. وهو كما ترى (^١).
* * * *