الحمد لله (^٢).
ثبت في «الصحيح» (^٣) أن مَن رأى النبيَّ - ﵌ - في النوم فقد رآه، ومع ذلك فالإجماع منعقد أنه لا يُعْمَل بتلك الرؤيا شرعًا، ولا تُعدُّ دليلًا شرعيًّا. وقد كان هذا يُشكل عَلَيَّ كثيرًا، ولم يقنعني ما رأيت من الأجوبة عنه، والآن فتح الله تعالى بالصواب الواضح، وهو أن من يراه - ﵌ - فقد رآه، وذلك بالنظر إلى ذات المرئيّ، فأما الأحوال والأقوال فإنها وإن كانت حقًّا بحسب حقيقتها، وأما بحسب صورتها المرئية فلا يلزم ذلك؛ لأنها قد تكون تحتاج إلى تأويل وتعبير، ويكون تأويلها وتعبيرها يخالف صورتها المرئية، فمَنْ رأى النبيَّ - ﵌ - يأمره بشيء فقد رأى النبي - ﵌ - حقًّا، والكلام الصادر من
_________________
(١) مجموع [٤٦٥٦].
(٢) أرَّخ المؤلف الفائدة بـ (يوم الخميس ٩ جمادى الثانية ٤٤) أي: ١٣٤٤.
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٤ / ٨٧ ]
المرئي حق بحسب حقيقته، وأما بحسب صورته والتي هي الأمر فلا؛ لأنه قد يكون مؤوَّلًا معبرًا، فقد يكون المراد بالأمر النهي وهكذا، كما يعبر البكاء بالسرور، والضحك بالحزن، فاتضح الحق وزال الإشكال ولله الحمد.
وإذا كانت رؤيا الأنبياء ﵈ تحتاج إلى تعبير وتأويل يخالف صورتها المرئية كما في رؤيا يوسف ﵇ وبعض مرائي النبي - ﵌ -، مع أن رؤيا الأنبياء حق قطعًا = فغيرهم من باب أولى، والله الموفق (^١).
الحمد لله.
ومثل هذا سائر الطرق التي يُستدلّ بها على المغيبات كالرمل والتنجيم والجفر والفأل و (^٢) وتصرف الأرواح المربَّاة بالرياضة في حال اليقظة، وغير ذلك، فغالبه إشارات ورموز تحتاج إلى تأويل. ومن هذا ما يقع للمحدَّثين من هذه الأمة فغالبه من باب الإشارة والرموزِ والأمورِ الإجمالية؛ ولهذا كان إمام المحدَّثين عمر بن الخطاب قد يخطئ وينسى ويسهو ويتحيَّر في كثير من الأشياء، ولم يكن ظنه حجة، إلى غير ذلك. ومما يدل على ذلك رؤيته - ﵌ - ليلة الإسراء اللبن والعسل والخمر، فليست بلبن وعسلٍ وخمرٍ حقيقة، وإنما هي إشارة إلى أمور أخرى، فاللبن هو الفطرة كما ورد، وهكذا (^٣).
* * * *
_________________
(١) للمؤلف بحث مطول عن الرؤيا والاحتجاج بها ضمن كتابه «تحقيق الكلام في المسائل الثلاث» (ص ٣٢٨ وما بعدها).
(٢) كلمة مطموسة تفشى فوقها المداد فلم تظهر. ولعلها: «الطَّرْق أو الطيرة».
(٣) مجموع [٤٦٥٧]. وانظر رسالته في تأييد السوركتي.
[ ٢٤ / ٨٨ ]