ولا يكون الشرط فاسدا عند الحنابلة إلا في موضعين:
أ- إذا كان الشرط ينافي مقتضى العقد، مثل ذلك: أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع ما اشتراه أو يهبه أو يعتقه، أو يشترط عليه إن أعتقه أن يكون الولاء للبائع، فهذه الشروط كلها تنافي مقتضى العقد، إذ مقتضى العقد حرية المشتري في التصرف في المبيع بعد أن صار ملكه، يبيعه أو لا يبيعه، ويهبه أو لا يهبه، وإذا كان رقيقا فأعتقه فإن الولاء يكون له هو لا للبائع لأنه هو المعتق والولاء لمن أعتق.
بقي أن يشترط بائع الرقيق على مشتريه أن يعتقه، فهل يصح الشرط؟ في المذهب روايتان:
أحدهما: الشرط فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى العقد شأنه في ذلك شأن ما
[ ١ / ٢٦٦ ]
قدمناه من الشروط.
والرواية الأخرى: الشرط صحيح؛ لحديث بريرة المعروف.
ومن الشروط التي تنافي مقتضى العقد عند الحنابلة: أن يشترط المشتري إن أغضبه غاضب أن يرجع على البائع بالثمن، ومنها: أن يشترط البائع: أن يكون أحق بالمبيع بثمنه إن باعه المشتري؛ لأنه يكون بذلك قد اشترط ألا يبيعه من غيره إذا أعطاه ثمنه، فهو كما لو اشترط ألا يبيعه إلا من فلان، وهذا يقيد حرية المشتري في التصرف فينافي مقتضى العقد، وقيل أيضا: في مذهب أحمد أن هذا الشرط يتضمن شرطين، فيكون غير جائز على ما سنرى؛ لأن البائع شرط أن يبيعه إياه وأن يبيعه بالثمن الأول، فهما شرطان (١) .
وقد رأينا أن هذا الشرط غير جائز في المذهب المالكي لأنه يخل بالثمن.
ومن الشروط التي تنافي مقتضى العقد أيضا ما جاء في [الشرح الكبير على المقنع]، (٢): (وإذا قال: بع عبدك من فلان بألف على أن علي خمسمائة فباعه بهذا الشرط فالبيع فاسد؛ لأن الثمن يجب أن يكون جميعه على المشتري، فإذا شرط كون بعضه على غيره لم يصح لأنه لا يملك المبيع والثمن على غيره، ولا يشبه هذا ما لو قال: أعتق عبدك أو طلق امرأتك وعلي خمسمائة لكون هذا عوضا في مقابلة فك الزوجة ورقبة العبد؛ ولذلك لم يجز في النكاح.
_________________
(١) الشرح الكبير على المقنع (٤\ ٥٥) .
(٢) المرجع السابق (٤\ ٥٨) .
[ ١ / ٢٦٧ ]
أما في مسألتنا فإنه معاوضة في مقابلة نقل الملك، فلا يثبت؛ لأن العوض على غيره، وإن كان هذا القول على وجه الضمان: صح البيع ولزم الضمان) .
ولما كان الشرط الذي ينافي مقتضى العقد فاسدا فإنه يبطل ولا يعمل به.
أما حكم العقد الذي اقترن به الشرط ففيه روايتان:
الأولى: أن العقد صحيح، وهذا هو المنصوص عن أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي، فيسقط الشرط ويبقى العقد (وللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إن كان هو المشترط؛ لأن البائع إنما سمح بالبيع بهذا الثمن لما يحصل له من الغرض بالشرط، والمشتري إنما سمح له بزيادة الثمن من أجل شرطه، فإذا لم يحصل غرضه ينبغي أن يرجع بما سمح به كما لو وجده معيبا، ويحتمل أن يثبت الخيار ولا يرجع بشيء، كمن شرط رهنا أو ضمينا فامتنع الراهن والضمين؛ لأن ما ينقصه الشرط من الثمن مجهول فيصير الثمن مجهولا؛ لأن النبي ﷺ لم يحكم لأرباب بريرة بشيء مع فساد الشرط وصحة البيع (١) .
والرواية الثانية: أن الشرط الفاسد يبطل البيع؛ لأن الشرط إذا فسد وجب الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولا، ولأن البائع إنما رضي بزوال ملكه عن المبيع بشرطه، والمشتري
_________________
(١) [الشرح الكبير على المقنع]، (٤\ ٥٥) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
كذلك إذا كان الشرط منه، فلو صح البيع بدونه لزال ملكه بغير رضاه، والبيع من شرطه التراضي (١) .
ونرى مما تقدم أن المذهب الحنبلي والمذهب المالكي لا يختلفان كثيرا في الشرط الذي ينافي مقتضى العقد، ففي كلا المذهبين الشرط فاسد، ولكن مذهب مالك يتدرج في ترتيب الجزاء على هذا الشرط الفاسد، فتارة يبطل الشرط والعقد معا، وطورا يبطل الشرط ويستبقي العقد صحيحا، وثالثة يبطل الشرط والعقد معا إلا إذا نزل المشترط عن شرطه فيسقط الشرط ويبقى العقد، وقد مر ذكر ذلك.
ب- ويكون الشرط فاسدا أيضا إذا ورد في النهي عنه نص خاص، وقد نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع وسلف، «وقال ﵇: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك (٢)» فهناك إذن نص خاص في النهي عن الجمع بين شرطين في العقد، وفي النهي عن الجمع بين بيع وسلف.
أما الجمع بين شرطين في العقد فممنوع في مذهب أحمد، كما قدمنا، والشرطان المنهي عنهما هما الشرطان اللذان فيهما منفعة لأحد المتعاقدين دون أن يقتضيهما العقد أو يلائماه، ولو انفرد أي منهما كان صحيحا، مثل ذلك: من اشترى ثوبا واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاما واشترط طحنه وحمله، فاجتماع الشرطين في العقد يبطل الكل: الشرطان
_________________
(١) [الشرح الكبير]، (٤\ ٥٤) .
(٢) سنن الترمذي البيوع (١٢٣٤)، سنن النسائي البيوع (٤٦١١)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٠٤)، مسند أحمد بن حنبل (٢/١٧٩)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٦٠) .
[ ١ / ٢٦٩ ]
باطلان والعقد باطل، أما إن شرط شرطين أو أكثر من مقتضى العقد أو مما يلائم العقد، مثل: أن يبيعه بشرط الرهن أو الضمين وبشرط أن يسلم إليه المبيع أو الثمن- فهذا لا يؤثر في العقد وإن كثر.
وأما الجمع بين بيع وسلف فممنوع أيضا، ومعناه في مذهب أحمد: أن يشترط أحد المتعاقدين على المتعاقد الآخر عقدا ثانيا مستقلا في مقابل العقد الأول، وليس معناه مجرد اجتماع صفقتين في عقد واحد، فقد قدمنا أن مجرد اجتماع صفقتين في عقد واحد يجوز، كما إذا اشترط سكنى الدار أو حمل الحطب أو خياطة الثوب، وقد جاء في [المغني]، (١): (والثاني: أن يشترط عقدا في عقد؛ نحو أن يبيعه شيئا بشرط أن يبيعه شيئا آخر أو يشتري منه أو يؤجره أو يزوجه أو يسلفه أو يصرف له الثمن أو غيره- فهذا شرط فاسد يفسد به البيع، سواء اشترطه البائع أو المشتري) ثم جاء فيه: (ولو باعه بشرط أن يسلفه أو يقرضه، أو شرط المشتري ذلك عليه فهو محرم والبيع باطل، وهذا مذهب مالك والشافعي، ولا أعلم فيه خلافا إلا أن مالكا قال: إن ترك مشترط السلف السلف صح البيع، ولنا ما روى عبد الله بن عمرو: أن «النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما لم يقبض وعن بيعتين في بيعة وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف (٢)» . أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وفي لفظ «لا يحل بيع وسلف (٣)»؛ ولأنه اشترط عقدا في عقد ففسد كبيعتين في بيعة، ولأنه إذا اشترط القرض زاد في الثمن لأجله، فتصير الزيادة في الثمن عوضا عن
_________________
(١) [المغني]، (٤\ ٢٨٥) .
(٢) سنن الترمذي البيوع (١٢٣٢)، سنن النسائي البيوع (٤٦١١)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٠٤)، سنن ابن ماجه التجارات (٢١٨٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/١٧٥)، سنن الدارمي البيوع (٢٥٦٠) .
(٣) سنن النسائي البيوع (٤٦١١)، سنن أبو داود البيوع (٣٥٠٤) .
[ ١ / ٢٧٠ ]
القرض وربحا له، وذلك ربا محرم، ففسد لو صرح به، ولأنه بيع فاسد فلا يعود صحيحا، كما لو باع درهما بدرهمين ثم ترك أحدهما) (١) .
هذا ويحتمل أن يبطل الشرط وحده، ولكن المشهور في مذهب أحمد: أن هذا الشرط الفاسد يبطل العقد.
ويبدو أن المذهب الحنبلي في منعه الجمع بين شرطين في العقد والجمع بين بيع وسلف إنما يحتفظ ببقايا من مبدأ وحدة الصفقة، كما فعل المذهب المالكي في منعه الجمع بين بيع وسلف، وإنما تخطى المذهبان الحنبلي والمالكي مبدأ وحدة الصفقة في البيع والشرط الواحد؛ لأن خطب الشرط الواحد يسير وهو تابع للعقد ومتمم له، فلا يخل بوحدته إخلالا جسيما، أما إذا كان لتعدد الصفقة مظهر أوضح بأن اجتمع في العقد شرطان لا شرط واحد عند أحمد أو بأن اجتمعت صفقتان متقابلتان في عقد واحد عند أحمد ومالك فهذا تعدد جسيم في الصفقة لا يجوز احتماله، وما احتمل منه اليسير لا يحتمل منه الكثير.
فالمذهبان المالكي والحنبلي وقفا جامدين هنا، ولم يتخطيا مبدأ وحدة الصفقة تخطيا تاما ولم يجيزا تعدد الصفقة في صورته السافرة.
وننظر الآن ماذا فعل ابن تيمية؟
_________________
(١) [المغني]، (٤\ ٢٩٠، ٢٩١) .
[ ١ / ٢٧١ ]