القول الأول: إن المقصود بذلك الغزاة في سبيل الله، وقد قال بهذا القول جمهور العلماء من المفسرين والمحدثين والفقهاء.
وفيما يلي نقل لبعض أقوالهم:
قال ابن جرير الطبري: وأما قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) فإنه يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقه وشريعته التي شرعها لعباده بقتال أعدائه، وذلك هو غزو الكفار، وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) قال: الغازي في سبيل الله. حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي عن سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: قال النبي ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها، ورجل اشتراها بماله، وفي سبيل الله، وابن السبيل، أو رجل كان له جار تصدق عليه فأهداها له (٣)» (٤) اهـ.
وقال القرطبي: الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥)
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٦٠
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٤) [جامع البيان]، (١٤\ ٣٢٠) تحقيق محمود شاكر.
(٥) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ٩٨ ]
هم الغزاة وموضع الرباط يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء، وهذا قول أكثر العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك ﵀ (١) اهـ.
وقال ابن العربي: (المسألة التاسعة عشرة) قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) قال مالك: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله هاهنا: الغزو، ومن جملة سبيل الله، إلا ما يؤثر عن أحمد وإسحاق فإنهما قالا: إنه الحج، والذي يصح عندي من قولهما: أن الحج من جملة السبل مح الغزو؛ لأنه طريق بر فأعطي منه باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة، وينثر سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر، وقد قال علماؤنا: ويعطى منها الفقير بغير خلاف؛ لأنه قد سمي في أول الآية، ويعطى الغني عند مالك بوصف سبيل الله تعالى، ولو كان غنيا في بلده أو في موضعه الذي يأخذ به لا يلتفت إلى غير ذلك من قوله الذي يؤثر عنه، قال النبي ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: غاز في سبيل الله (٣)» .
وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا، وهذه زيادة على النص. وعنده أن الزيادة على النص نسخ ولا نسخ في القرآن إلا بقران مثله أو بخبر متواتر، وقد بينا أنه فعل مثل هذا في الخمس في قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٤) فشرط في قرابة رسول الله ﷺ الفقر، وحينئذ يعطون من الخمس، وهذا كله ضعيف حسبما بيناه.
_________________
(١) [الجامع لأحكام القرآن]، (٩\ ١٨٥) .
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٤) سورة الأنفال الآية ٤١
[ ١ / ٩٩ ]
وقال محمد بن عبد الحكم: يعطى من الصدقة في الكراع والسلاح، وما يحتاج إليه من آلات الحرب وكف العدو عن الحوزة؟ لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته، وقد أعطى النبي ﷺ من الصدقة مائة ناقة في نازلة سهل بن حثمة إطفاء للثائرة (١) اهـ.
وقال الجصاص: قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) روى ابن أبي ليلى عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له (٣)» واختلف الفقهاء في ذلك: فقال قائلون: هي للمجاهدين الأغنياء منهم والفقراء، وهو قول الشافعي.
وقال الشافعي: لا يعطى منها إلا الفقراء منهم ولا يعطى الأغنياء من المجاهدين فإن أعطوا ملكوها وأجزأ المعطي وإن لم يصرفه في سبيل الله، لأن شرطها تمليكه، وقد حصل لمن هذه صفته فأجزأ، وقد روي «أن عمر تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع بعد ذلك فأراد أن يشتريه، فقال له رسول الله ﷺ: لا تعد في صدقتك (٤)» فلم يمنع النبي ﷺ المحمول على الفرس من بيعها إلى أن قال:
وروي عن أبي يوسف فيمن أوصى بثلث مآله في سبيل الله أنه للفقراء الغزاة.
فإن قيل: فقد أجاز النبي ﷺ لأغنياء الغزاة أخذ الصدقة بقوله: «لا تحل
_________________
(١) [أحكام القرآن]، (١ \ ٣٩٦، ٣٩٧) الطبعة الأولى]، عام ١٣٣١ هـ.
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٤) صحيح البخاري الزكاة (١٤٨٩)، صحيح مسلم الهبات (١٦٢٠)، سنن الترمذي الزكاة (٦٦٨)، سنن النسائي الزكاة (٢٦١٧)، سنن أبو داود الزكاة (١٥٩٣)، سنن ابن ماجه الأحكام (٢٣٩٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٥٥)، موطأ مالك الزكاة (٦٢٤) .
[ ١ / ١٠٠ ]
لغني إلا في سبيل الله (١)» .
قيل له: قد يكون الرجل غنيا في أهله وبلده بدار يسكنها وأثاث يتأثث به في بيته وخادم يخدمه وفرس يركبه وله فضل مائتي درهم أو قيمتها- فلا تحل له الصدقة، فإذا عزم على الخروج في سفر غزو واحتاج من آلات السفر والسلاح والعدة إلى ما لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته فينفق الفضل عن أثاثه وما يحتاج إليه في مصره على السلاح والآلة والعدة- فتجوز له الصدقة، وجائز أن يكون الفضل عما يحتاج إليه من دابة الأرض أو سلاح أو شيء من آلات السفر لا يحتاج إليه في المصر، فيمنع ذلك جواز إعطائه الصدقة إذا كان ذلك يساوي مائتي درهم، وإن هو خرج للغزو فاحتاج إلى ذلك جاز أن يعطى من الصدقة وهو غني في هذا الوجه، فهذا معنى قوله ﷺ: «الصدقة تحل للغازي الغني» اه (٢)
وقال السيوطي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) قال: هم المجاهدون، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥) قال: الغازي في سبيل الله. اهـ (٦)
وقال الخازن: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧) يعني: وفي النفقة في سبيل الله، وأراد به الغزاة فلهم سهم من مال الصدقات فيعطون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو ما يستعينون به على أمر الجهاد من النفقة والكسوة والسلاح
_________________
(١) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٢) [أحكام القرآن]، (٣\ ١٥٦، ١٥٧) المطبعة البهية، عام ١٣٤٧ هـ.
(٣) سورة التوبة الآية ٦٠
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) سورة التوبة الآية ٦٠
(٦) [الدر المنثور] (٣\ ٣٥٢) .
(٧) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١٠١ ]
والحمولة فيعطون ذلك وإن كانوا أغنياء. اهـ (١) .
وقال الشوكاني في [تفسيره]: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء وهذا قول أكثر العلماء. اهـ (٣) .
وقال ابن حجر العسقلاني: وأما ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) فالأكثر على أنه يختص بالغازي غنيا كان أو فقيرا، إلا أن أبا حنيفة قال: يختص بالغازي المحتاج. اهـ (٥) .
وقال بدر الدين العيني: قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) وهو منقطع الغزاة عند أبي يوسف، ومنقطع الحاج عند محمد، وفي [المبسوط]، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧) فقراء الغزاة عند أبي يوسف، وعند محمد فقراء الحاج.
وقال ابن المنذر: وفي الإشراف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد: سبيل الله هو: الغازي غير الغني وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة أنه الغازي دون الحاج وذكر ابن بطال: أنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، ومثله النووي في [شرح المهذب]، وقال صاحب [التوضيح]: وأما قول أبي حنيفة: لا يعطى الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجا فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٨) وأما السنة فروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن
_________________
(١) [لباب التأويل في معاني التنزيل]، (٣\ ٩٢) .
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) [فتح القدير] (٢\ ٣٧٣) .
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) [فتح الباري]، (٣\ ٥٩) .
(٦) سورة التوبة الآية ٦٠
(٧) سورة التوبة الآية ٦٠
(٨) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١٠٢ ]
أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أو لغاز في سبيل الله أو غني اشتراها بماله أو فقير تصدق عليه فأهدى لغني أو غارم (١)» .
(قلت): ما أحسن الأدب سيما مع الأكابر، وأبو حنيفة لم يخالف الكتاب ولا السنة وإنما عمل بالسنة فيما ذهب إليه وهو قوله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني (٢)» . وقال: المراد من قوله: «لغاز في سبيل الله (٣)» هو الغازي الغني بقوة البدن والقدرة على الكسب لا الغني بالنصاب الشرعي بدليل حديث معاذ: وردها إلى فقرائهم. اهـ (٤)
وقال أبو الحسن المباركفوري: اختلفوا في المراد من سبيل الله في آية المصارف فقيل: المراد به الغزاة وعليه الجمهور، قال الباجي: هو الغزو والجهاد قاله مالك وجمهور الفقهاء، وقال الخرقي: وسهم في سبيل الله هم الغزاة. قال ابن قدامة: هذا الصنف السابع من أهل الزكاة ولا خلاف في استحقاقهم ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو. اهـ، ثم اختلف أهل هذا القول فقال الأكثر: إنهم يعطون ما ينفقون في غزوهم وإن كانوا أغنياء.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به.
قال الحافظ: أما سبيل الله فالأكثر على أنه يختص بالغازي غنيا كان أو
_________________
(١) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٢) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٣) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٤) [عمدة القاري]، (٩\ ٤٥) .
[ ١ / ١٠٣ ]
فقيرا إلا أن أبا حنيفة قال: يختص بالغازي المحتاج- ثم ذكر الأقوال الأخرى في المراد بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) ثم قال: والقول الراجح عندي: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد به الغزو والجهاد خاصة؛ لأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى كأنه مقصور عليه.
قال ابن العربي في [أحكام القرآن]، قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) قال مالك: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله هاهنا الغزو؛ لحديث عطاء بن يسار الذي نحن في شرحه، وهو حديث صريح مفسر لقوله في سبيل الله في الآية، فيجب حمله عليه، ولم أر عنه جوابا شافيا من أحد، وإليه ذهب ابن حزم، إذ قال: وأما سبيل الله فهو الجهاد بحق، ثم ذكر حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد من طريق أبي داود (٣)، وهو الذي رجحه ابن قدامة حيث قال: وهذا أصح؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد فإن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير فيجب أن يحمل ما في هذه الآية على ذلك؛ لأن الظاهر إرادته به. انتهى، وهو الذي صححه الخازن في [تفسيره]، حيث قال: والقول الأول هو الصحيح؛ لإجماع الجمهور عليه ورجحه أيضا العلامة القنوجي اليوناني في [تفسيره]، إذ قال: والأول أولى؛ لإجماع الجمهور عليه وبه فسر الشوكاني في [فتح القدير]، ورجحه، واختاره أيضا غيرهم من المفسرين. اهـ.
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٦٠
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) حديث عطاء بن يسار: ''لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة '' الحديث وقد تقدم ذكره.
[ ١ / ١٠٤ ]
وقال أبو سليمان الخطابي في معرض تعليقه على حديث عطاء بن يسار: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (١)» ما نصه:
قلت: فيه بيان أن للغازي وإن كان غنيا أن يأخذ الصدقة ويستعين بها في غزوه، وهو من سهم سبيل الله، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وقال أصحاب الرأي: لا يجوز أن يعطى للغازي من الصدقة إلا أن يكون منقطعا به.
قلت: سهم السبيل غير سهم ابن السبيل، وقد فرق الله بينهما بالتسمية وعطف أحدهما على الآخر بالواو الذي هو حرف الفرق بين المذكورين المنسوق أحدهما على الآخر فقال: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢) والمنقطع به هو: ابن السبيل، فأما سهم السبيل فهو على عمومه وظاهره في الكتاب، وقد جاء في هذا الحديث ما بينه ووكد أمره فلا وجه للذهاب عنه (٣) اهـ.
قال ابن الأثير: وسبيل الله عام يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه (٤) .
وقال البابرتي على عبارة [الهداية]،: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥) منقطع الغزاة
_________________
(١) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) [معالم السنن]، (٢\ ٢٣٤، ٢٣٥) .
(٤) [النهاية في غريب الحديث]، (٢\ ١٤٥) .
(٥) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١٠٥ ]
عند أبي يوسف ﵀: وقوله: منقطع الغزاة، أي: فقراء الغزاة ولا يصرف إلى أغنياء الغزاة عندنا؛ لأن المصرف هو للفقراء؛ لقوله ﷺ: «خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم (١)» .
وقال الشافعي: يجوز؛ لقوله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (٢)» من جملتهم الغزاة في سبيل الله وتأويله الغني بقوة البدن، ومعناه: أن المستغني بكسبه لقوة بدنه لا يحل له طلب الصدقة إلا إذا كان غازيا فيحل له لاشتغاله بالجهاد عن الكسب. اهـ (٣)
وفي [الفتاوى الهندية]، ما نصه: ومنها: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) وهم: منقطعو الغزاة الفقراء منهم عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وعند محمد رحمه الله تعالى: منقطعو الحاج الفقراء منهم، هكذا في [التبيين]، والصحيح: قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، كذا في [المضمرات]، (٥) اهـ.
وقال أبو البركات أحمد دردير في [شرحه]: وأشار للسابع بقوله: ومجاهد، أي: المتلبس به إن كان ممن يجب عليه؟ لكونه حرا مسلما ذكرا بالغا قادرا، ولا بد أن يكون غير هاشمي، ويدخل فيه المرابط وآلته كسيف ورمح تشترى منها، ولو كان المجاهد غنيا حين غزوه كجاسوس يرسل للاطلاع على عورات العدو يعلمنا بها فيعطى ولو كافرا، ولا تصرف الزكاة في سور حول البلد؟ لتحفظ به من الكفار، ولا في عمل مركب يقاتل فيها
_________________
(١) صحيح البخاري المغازي (٤٣٤٧)، صحيح مسلم الإيمان (١٩)، سنن الترمذي الزكاة (٦٢٥)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٣٥)، سنن أبو داود الزكاة (١٥٨٤)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٧٨٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢٣٣)، سنن الدارمي الزكاة (١٦١٤) .
(٢) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٣) [العناية على الهداية]، هامش على [فتح القدير]، (٢\ ١٧، ١٨) .
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) [الفتاوى الهندية] (١\ ١٨٨) .
[ ١ / ١٠٦ ]
العدو. اهـ (١) .
وقال المواق ومجاهد: وآلته ولو غنيا. ابن عرفة: من الثمانية الأصناف التي تصرف الزكاة فيها سبيل الله. أبو عمرو: ذلك الجهاد والرباط. اللخمي: ويعطى الغازي الفقير حيث غزوه الغني ببلده ويعطى الغزاة المقيمون في نحر العدو وإن كانوا أغنياء حيث غزوهم.
واختلف إذا كان غنيا بالموضع الذي هو به: فقيل: يعطى لحديث: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز (٢)» . . . الحديث؛ ولأن أخذه في معنى المعاوضة والأجرة إذا كان أوقف نفسه لذلك، ولأن في إعطائه ضربا من الاستئلاف لمشقة ما يكلفون من بذل النفوس. اهـ (٣) .
وقال الإمام الشافعي: ويعطى من سهم سبيل الله جل وعز من غزا من جيران الصدقة فقيرا كان أو غنيا، ولا يعطى منه غيرهم إلا أن يحتاج إلى الدفع عنهم فيعطاه من دفع عنهم المشركين. اهـ (٤) .
وقال النووي على [المهذب]: قال المصنف رحمه الله تعالى: وسهم في سبيل الله، وهم: الغزاة إذا نشطوا غزوا، وأما من كان مرتبا في ديوان السلطان من جيوش المسلمين فإنهم لا يعطون من الصدقة بسهم الغزاة؛ لأنهم يأخذون أرزاقهم وكفايتهم من الفيء. قال النووي: ومذهبنا: أن سهم سبيل الله المذكور في الآية الكريمة يصرف إلى الغزاة الذين لا حق
_________________
(١) [الشرح الكبير]، هامش على [حاشية الدسوقي]، (١\ ٤٥٦) .
(٢) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٣) [التاج والإكيل لمختصر خليل، هامش على [مواهب الجليل لشرح مختصر خليل]، (٢\ ٣٥١) .
(٤) [الأم]، للإمام الشافعي (٢\ ٦٠) .
[ ١ / ١٠٧ ]
لهم في الديوان، بل يغزون متطوعين، وبه قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى. اهـ (١) .
وقال النووي أيضا في معرض الاحتجاج بما عليه المذهب الشافعي من أن سهم سبيل الله يصرف إلى الغزاة: واحتج أصحابنا بأن المفهوم في الاستعمال المتبادر إلى الأفهام أن سبيل الله تعالى هو: الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن كذلك، واحتج الأصحاب أيضا بحديث أبي سعيد السابق في فصل الغارمين (٢): «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (٣)» فذكر منهم الغارم، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى. اهـ (٤) .
وقال ابن قدامة: السابع: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥) وهم: الغزاة الذين لا ديوان لهم، ولا يعطى منها في الحج. اهـ. وقال في [حاشية المقنع]، على قوله: السابع في سبيل الله: لا خلاف في استحقاقهم وبقاء حكمهم، ولا خلاف في أنهم الغزاة؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٧) وإنما يستحق هذا الاسم الغزاة الذين لا ديوان لهم، وإنما يتطوعون بالغزو إذا نشطوا، وهم الذين لا ديوان لهم، أي: لا حق لهم في الديوان؛ لأن من له رزق راتب فهو مستغن به
_________________
(١) [المجموع]، (٦\ ٢١١) الطبعة الأولى.
(٢) أي: من [المجموع] .
(٣) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٤) [المجموع وحاشيته]، (١\ ٢٤٩) .
(٥) سورة التوبة الآية ٦٠
(٦) سورة البقرة الآية ١٩٠
(٧) سورة الصف الآية ٤
[ ١ / ١٠٨ ]
فيدفع إليهم كفاية غزوهم وعودهم. . . إلى أن قال: قوله: (ولا يعطى منها في الحج) في رواية اختارها في [المغني]، وصححها في [الشرح]، وقاله أكثر العلماء، منهم: مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر؛ لأن سبيل الله تعالى حيث أطلق ينصرف إلى الجهاد غالبا، والزكاة لا تصرف إلا لمحتاج إليها كالفقير، أو من يحتاجه المسلمون كالعامل، والحج لا نفع فيه للمسلمين، ولا حاجة بهم إليه، والفقير لا فرض في ذمته فيسقطه، وإن أراد به التطوع فتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة أو صرفها في مصالح المسلمين أولى. اهـ (١)
وقال المرداوي في أثناء الكلام على أصناف أهل الزكاة: قوله السابع: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وهم: الغزاة الذين لا ديوان لهم، فلهم الأخذ منها بلا نزاع، لكن لا يصرفون ما يأخذون إلا لجهة واحدة، كما تقدم في المكاتب والغارم (٣) . تنبيه: ظاهر قوله: (وهم الذين لا ديوان لهم) أنه لو كان يأخذ من الديوان لا يعطى منها وهو صحيح، لكن بشرط أن يكون فيه ما يكفيه، فإن لم يكن فيه ما يكفيه فله أخذ تمام ما يكفيه. قاله في [الرعاية]، وغيرها.
إلى أن قال: قوله: (لا يعطى منها في الحج) هذا إحدى الروايتين. اختاره المصنف والشارح، وقالا: هي أصح، وجزم به في [الوجيز]، اهـ. (٤)
_________________
(١) [المقنع وحاشيته]، (١\ ٣٤٩) .
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) أي: من [الإنصاف]، للمرداوي.
(٤) [الإنصاف] (٣\ ٢٣٥) .
[ ١ / ١٠٩ ]
وقال ابن حزم: وأما سبيل الله فهو الجهاد بحق، حدثنا عبد الله بن ربيع، حدثنا ابن السليم، حدثنا ابن الأعرابي، حدثنا أبو داود، وحدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني (١)» .
وقد روي هذا الحديث عن غير معمر فأوقفه بعضهم ونقص بعضهم مما ذكر فيه معمر، وزيادة العدل لا يحل تركها.
فإن قيل: قد روي عن رسول الله ﷺ: أن «الحج من سبيل الله (٢)» وصح عن ابن عباس أن يعطى منها في الحج. قلنا: نعم، وكل فعل خير فهو من سبيل الله تعالى، إلا أنه لا خلاف في أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر في قسمة الصدقات، فلم يجز أن توضع إلا حيث بين النص، وهو الذي ذكرنا. وبالله تعالى التوفيق. اهـ (٣) .
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي: ١ - أن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى كأنه مقصور عليه؛ لأن كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤)
_________________
(١) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٢) مسند أحمد بن حنبل (٦/٤٠٦) .
(٣) [المحلى]، (٦\ ١٥١) المطبعة المنيرية.
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١١٠ ]
عليه؛ لأن الظاهر إرادته، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٢)
٢ - أن حديث عطاء بن يسار: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله (٣)» الحديث، وهو حديث صريح مفسر لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) فيجب حمله عليه.
٣ - ما ورد من الآثار الدالة على أن المقصود بسبيل الله: الجهاد ومن ذلك: ما ذكره الطبري في [تفسيره] قال: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥) قال: الغازي في سبيل الله. وما ذكره السيوطي في تفسيره [الدر المنثور]، قال: أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) قال: هم: المجاهدون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧) قال: الغازي في سبيل الله.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٩٠
(٢) سورة الصف الآية ٤
(٣) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) سورة التوبة الآية ٦٠
(٦) سورة التوبة الآية ٦٠
(٧) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١١١ ]