القول الثالث: أن المراد بذلك: جميع وجوه البر؛ لأن اللفظ عام فلا يجوز قصره على بعض أفراده إلا بدليل صحيح، ولا دليل على ذلك، ولقد قال
[ ١ / ١٢٣ ]
بهذا القول مجموعة من العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء.
وفيما يلي بعض من أقوالهم:
قال الفخر الرازي: إن ظاهر اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) لا يوجب القصر على الغزاة - ثم قال: فلهذا المعنى نقل القفال في [تفسيره]، عن بعض الفقهاء: أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) عام في الكل. اهـ (٣) .
وقال الخازن في [تفسيره]: وقال بعضهم: إن اللفظ عام فلا يجوز قصره على الغزاة فقط؛ ولهذا أجاز بعض الفقهاء صرف سهم سبيل الله إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الجسور والحصون، وعمارة المساجد، وغير ذلك، قال: لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) عام في الكل فلا يختص بصنف دون غيره. اهـ (٥) .
وقال محمد جمال الدين القاسمي: ثم ذكر تعالى الإعانة على الجهاد بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) فيصرف على المتطوعة في الجهاد، ويشترى لهم الكراع والسلاح، قال الرازي: لا يوجب قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٧) القصر على الغزاة، ولذا نقل القفال في [تفسيره]، عن بعض الفقهاء جواز صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى،
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٦٠
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) [تفسير الرازي]، (١٦\ ١١٣) .
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) [لباب التأويل في معاني التنزيل]، (٣\ ٩٢) .
(٦) سورة التوبة الآية ٦٠
(٧) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١٢٤ ]
وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) عام في الكل. انتهى.
ولذا ذهب الحسن وأحمد وإسحاق إلى أن الحج من سبيل الله فيصرف للحجاج منه.
قال في [الإقناع]، وشرحه: والحج من سبيل الله نصا، وروي عن ابن عباس وابن عمر؛ لما روى أبو داود: «أن رجلا جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﷺ اركبيها، فإن الحج من سبيل الله (٢)» فيأخذ إن كان فقيرا من الزكاة ما يؤدي به فرض حج أو عمرة أو يستعين به فيه وكذا في نافلتهما؛ لأن كلا من سبيل الله. انتهى.
قال ابن الأثير: وسبيل الله عام، يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه انتهى.
وقال في [التاج]،: كل سبيل أريد به الله ﷿- وهو بر- داخل في سبيل الله. اهـ (٣) .
وقال أحمد مصطفى المراغي: في [تفسيره]، قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) وسبيل الله: هو الطريق الموصل إلى مرضاته ومثوبته، والمراد به:
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٦٠
(٢) مسند أحمد بن حنبل (٦/٤٠٦) .
(٣) [محاسن التأويل]، (٨\ ٣١٨١) مطبعة الحلبي.
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١٢٥ ]
الغزاة، والمرابطون للجهاد، وروي عن الإمام أحمد أنه جعل الحج من سبيل الله، ويدخل في ذلك جميع وجوه الخير من تكفين الموتى، وبناء الجسور والحصون، وعمارة المساجد ونحو ذلك.
والحق: أن المراد بسبيل الله: مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد؛ كتأمين طرق الحج، وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة للحجاج، وإن لم يوجد مصرف آخر، وليس منها حج الأفراد؛ لأنه واجب على المستطيع فحسب. اهـ (١) .
وقال الألوسي: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) أريد بذلك عند أبي يوسف: منقطعو الغزاة، وعند محمد: منقطعو الحجيج، وقيل: المراد: طلبة العلم، واقتصر عليه في [الفتاوى الظهيرية]، وفسره في [البدائع]، بجميع القرب، فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله تعالى وسبل الخير (٣) اهـ.
وقال السيد رشيد رضا في تفسيره: [المنار]، بعد استعراضه الأقوال التي قيلت في المراد بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) ما نصه: والتحقيق أن سبيل الله هنا مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد، وأن حج الأفراد ليس منها؛ لأنه واجب على المستطيع دون غيره، وهو من الفرائض العينية بشرطه؛ كالصلاة والصيام لا من المصالح الدينية الدولية.. ولكن شعيرة الحج وإقامة الأمة لها منها، فيجوز الصرف من هذا السهم على تأمين طرق الحج وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة
_________________
(١) [تفسير المراغي]، (١٠\ ٧٤٥) مطبعة الحلبي.
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) [روح المعاني]، (١٠\ ١٢٣) المطبعة المنيرية.
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١٢٦ ]
للحجاج إن لم يوجد لذلك مصرف آخر. اهـ (١) .
وقال أيضا: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وهو يشمل سائر المصالح الشرعية العامة التي هي ملاك أمر الدين والدولة وأولاها بالتقديم الاستعداد للحرب بشراء السلاح وأغذية الجند وأدوات النقل وتجهيز الغزاة إلى أن قال: ومن أهم ما ينفق في سبيل الله في زماننا هذا: إعداد الدعاة إلى الإسلام وإرسالهم إلى بلاد الكفار من قبل جمعيات منظمة تمدهم بالمال الكافي. اهـ (٣) .
وقال سيد قطب ﵀: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) وذلك باب واسع يشمل كل مصلحة للجماعة تحقق كلمة الله، وفي أولها: إعداد العدة للجهاد، وتجهيز المتطوعين، وتدريبهم، وبعث البعوث للدعوة إلى الإسلام، وبيان أحكامه وشرائعه للناس أجمعين، وتأسيس المدارس والجامعات التي تربي الناشئة تربية إسلامية صحيحة، فلا نكلهم إلى مدارس الدولة تعلمهم كل شيء إلا الإسلام، ولا مدارس المبشرين تعتدي على طفولتهم وحداثتهم وهم لا يملكون رد العدوان. اهـ (٥)
وقال الحسين السيافي في معرض كلامه على قول زيد ﵀:
لا يعطى من الزكاة في كفن ميت، ولا بناء مسجد، ولا تعتق منها رقبة. قال: وذهب من أجاز ذلك إلى الاستدلال بدخولهما في صنف سبيل
_________________
(١) [تفسير المنار]، (١٠\ ٥٨٥) .
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) تفسير المنار (١٠\ ٥٨٧) .
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) [في ظلال القرآن]، (١٠| ٨٢) .
[ ١ / ١٢٧ ]
الله إذ هو طريق الخير على العموم وإن كثر استعماله في فرد من مدلولاته وهو الجهاد؛ لكثرة عروضه في أول الإسلام كما في نظائره لكن لا إلى حد الحقيقة المعرفية فهو باق على الوضع الأول فيدخل فيه جميع أنواع القرب على ما يقتضيه النظر في المصالح العامة والخاصة إلا ما خصه الدليل، وهو ظاهر عبارة البحر في قوله: قلنا: ظاهر سبيل الله العموم إلا ما خصه الدليل. اهـ (١) .
وقال صديق حسن خان: أما سبيل الله فالمراد هنا الطريق إليه ﷿ والجهاد، وإن كان أعظم الطرق إلى الله ﷿ لكن لا دليل على اختصاص هذا السهم به، بل يصح صرف ذلك في كل ما كان طريقا إلى الله ﷿، هذا معنى الآية لغة، والواجب الوقوف على المعاني اللغوية حيث لم يصح النقل هنا شرعا. اهـ (٢) .
وقال الصنعاني في الكلام على حديث: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (٣)» الحديث: كذلك الغازي يحل له أن يتجهز من الزكاة وإن كان غنيا؛ لأنه ساع في سبيل الله.
قال الشارح: ويلحق به من كان قائما بمصلحة عامة من مصالح المسلمين، كالقضاء والإفتاء والتدريس وإن كان غنيا، وأدخل أبو عبيد من كان في مصلحة عامة في العاملين، وأشار إليه البخاري حيث قال: (باب رزق الحاكم والعاملين عليها) وأراد بالرزق ما يرزقه الإمام من بيت المال
_________________
(١) [الروض النضير شرح مسند الإمام زيد]، (٢\ ٦٢٢) الطبعة الثانية.
(٢) [الروضة الندية]، (١\ ٢٠٦) .
(٣) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
[ ١ / ١٢٨ ]
لمن يقوم بمصالح المسلمين كالقضاء والفتيا والتدريس فله الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا. اهـ. المقصود (١) .
وقال المباركفوري: وقيل: اللفظ عام، فلا يجوز قصره على نوع خاص، ويدخل فيه جميع وجوه الخير، من تكفين الموتى، وبناء الجسور والحصون، وعمارة المساجد، وغير ذلك، نقل ذلك القفال عن بعض الفقهاء من غير أن يسميه كما في حاشية [تفسير البيضاوي] لشيخ زاده، وإليه مال الكاساني، إذ فسره بجميع القرب، قال في [البدائع]: سبيل الله عبارة عن جميع القرب، ويدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا. وقال النووي في [شرح مسلم]: وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء: أنه يجوز صرف الزكاة في المصالح العامة، وتأول عليه هذا الحديث- أي: ما روى البخاري في القسامة «أنه ﷺ وداه- أي: الذي قتل بخيبر - مائة من إبل الصدقة (٢)» . اهـ (٣) .
وقال الكاساني: وأما قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) عبارة عن جميع القرب، فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا. (٥) اهـ.
وذكر الشيخ محمود شلتوت ﵀: أن معنى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) أنه: المصالح العامة التي لا ملك فيها لأحد، والتي لا يختص بالانتفاع بها
_________________
(١) [سبل السلام] (٢ \ ١٩٨) مطبعة الاستقامة.
(٢) صحيح البخاري الديات (٦٨٩٨)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (١٦٦٩)، سنن النسائي القسامة (٤٧١٩)، سنن أبو داود الديات (٤٥٢٣)، مسند أحمد بن حنبل (٤/٣)، سنن الدارمي الديات (٢٣٥٣) .
(٣) [المرآة على المشكاة] (٣ \ ١١٧) .
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) [بدائع الصنائع] (٢ \ ٢٤٥) .
(٦) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١٢٩ ]
أحد، فملكها لله، ومنفعتها لخلق الله، وأولاها وأحقها: التكوين الحربي الذي ترد به الأمة البغي وتحفظ الكرامة، ويشمل العدد والعدة على أحدث المخترعات البشرية، ويشمل المستشفيات عسكرية ومدنية، ويشمل تعبيد الطرق، ومد الخطوط الحديدية، وغير ذلك مما يعرفه أهل الحرب والميدان، ويشمل الإعداد القوي الناضج لدعاة إسلاميين يظهرون جمال الإسلام وسماحته، ويفسرون حكمته، ويبلغون أحكامه، ويتعقبون مهاجمة الخصوم لمبادئه بما يرد كيدهم إلى نحورهم، وكذلك يشمل العمل على دوام الوسائل التي يستمر بها حفظة القرآن الذي تواتر- ويتواتر- بهم نقله كما أنزل، من عهد وحيه إلى اليوم، وإلى يوم الدين إن شاء الله (١) . اهـ.
وأفتى من سأله عن جواز صرف الزكاة في بناء المساجد، فكان جوابه:
(إن المسجد الذي يراد إنشاؤه أو تعميره إذا كان هو المسجد الوحيد في القرية أو كان بها غيره ولكن يضيق بأهلها ويحتاجون إلى مسجد آخر- صح شرعا صرف الزكاة لبناء هذا المسجد أو إصلاحه، والصرف على المسجد في تلك الحال يكون المصرف الذي ذكره في آية المصارف الواردة في سورة التوبة باسم سبيل الله) .
وهذا مبني على اختيار أن المقصود بكلمة (سبيل الله) المصالح العامة التي ينتفع بها المسلمون كافة ولا تخص واحدا بعينه، فتشمل المساجد
_________________
(١) [الإسلام عقيدة وشريعة] ص ٩٧، ٩٨ الأزهر.
[ ١ / ١٣٠ ]
والمستشفيات ودور التعليم ومصانع الحديد والذخيرة وما إليها، مما يعود نفعه على الجماعة. وأحب أن أقرر هنا أن المسألة محل خلاف بين العلماء.
ثم ذكر ما نقله الرازي في [تفسيره] عن القفال من صرف الصدقات في جميع وجوه الخير.
ثم قال: وهذا ما أختاره وأطمئن إليه وأفتي به، ولكن مع القيد الذي ذكرناه بالنسبة للمساجد، وهو أن يكون المسجد لا يغني عنه غيره وإلا كان الصرف إلى غير المسجد أولى وأحق (١) . اهـ.
وسئل الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق عن جواز الدفع لبعض الجمعيات الخيرية الإسلامية من الزكاة، فأفتى بالجواز، مستندا إلى ما نقله الرازي عن القفال وغيره في معنى سبيل الله (٢) .
وقد استدل أصحاب هذا القول على قولهم بما يأتي:
إن اللفظ عام فلا يجوز قصره على بعض أفراده دون سائرها إلا بدليل ولا دليل على ذلك، وما قيل بأن حديث عطاء بن يسار: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (٣)» وذكر منهم غاز في سبيل الله يعين أن سبيل الله هو الغزو فغير صحيح، ذلك أن غاية ما يدل عليه الحديث هو أن المجاهد يعطى من سهم سبيل الله ولو كان غنيا، وسبل الله كثيرة لا تنحصر في الجهاد في
_________________
(١) [الفتاوى] لمحمود شلتوت، ص٢١٩.
(٢) [فتاوى شرعية] حسنين مخلوف (١ \ ٢٩٦) ط \ مطبعة المدني بمصر.
(٣) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
[ ١ / ١٣١ ]
سبيل الله.
جاءت الأحاديث والآثار بتطبيق العموم في مدلول قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) فقد اعتبرت السنة الحج والعمرة من سبيل الله، يتضح ذلك من حديث أبي لاس وحديث أم معقل وحديث ابن عباس وفيه: «أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (٢)» .
وقد جاءت الآثار عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ باعتبار الحج سبيلا من سبل الله، فقد ذكر أبو عبيد في كتابه [الأموال] بإسناده إلى ابن عباس ﵄: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله للحج، وما أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح إلى ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله فقيل له: أتجعل في الحج قال: (أما إنه من سبيل الله)، وما ذكره القرطبي في [تفسيره] من أن عبد الرحمن بن أبي نعم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله. . . وفيه: آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين إلى حجاج بيت الله الحرام أولئك وفد الرحمن أولئك وفد الرحمن أولئك وفد الرحمن.
كما اعتبرت السنة إشاعة الألفة بين المسلمين وتطييب خواطرهم وحفظ حقوقهم سبيلا من سبل الله. . ففي [صحيح البخاري] في باب القسامة قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار: «زعم أن رجلا من الأنصار يقال له: سهل بن أبي حثمة، أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلا، وقالوا للذي
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٦٠
(٢) سنن أبو داود المناسك (١٩٩٠) .
[ ١ / ١٣٢ ]
وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، فانطلقوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلا، فقال: " الكبر الكبر " فقال لهم: " تأتون بالبينة على من قتله "؟ قالوا: ما لنا بينة، قال: " فيحلفون " قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة (١)» .
قال ابن حجر: ووقع في رواية ابن أبي ليلى: فوداه من عنده. وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأن المراد من قوله: من عنده، أي: بيت المال المرصد للمصالح، قال ابن حجر: وقد حمله بعضهم على ظاهره فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث وغيره. قلت: وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب الزكاة (٢)، في الكلام على حديث أبي لاس قال: «حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة في الحج (٣)»، وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم، قال القرطبي في [المفهم]: فعل ﷺ ذلك على مقتضى كرمه، وحسن سياسته، وجلبا للمصلحة، ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف، ولا سيما عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق. اهـ (٤) .
وذكر النووي في معرض شرحه حديث القسامة قال: وقال الإمام أبو إسحاق المروزي من أصحابنا: يجوز صرفها من إبل الزكاة لهذا الحديث
_________________
(١) صحيح البخاري الديات (٦٨٩٨)، سنن أبو داود الديات (٤٥٢١)، سنن ابن ماجه الديات (٢٦٧٧) .
(٢) أي: من [صحيح البخاري] .
(٣) مسند أحمد بن حنبل (٤/٢٢١) .
(٤) [فتح الباري] (١٢ \ ٢٣٥) المطبعة السلفية.
[ ١ / ١٣٣ ]
فأخذ بظاهره. اهـ (١) .
ورأى حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄ أنه يجوز الإعتاق من الزكاة، ففي [صحيح البخاري] تحت: باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) ويذكر عن ابن عباس ﵄: يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج. وقال الحسن: إن اشترى أباه من الزكاة جاز ويعطى في المجاهدين والذي لم يحج ثم تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣) الآية في أيها أعطيت أجزأت.
قال ابن حجر: ووصله أبو عبيد في كتاب [الأموال] من طريق حسان بن أبي الأشرس عن مجاهد عنه: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق منه الرقبة، وأخرجه عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: أعتق من زكاة مالك. اهـ (٤) .
تعبير النبي ﷺ بمن التبعيضية في حديث أم معقل في قوله: «فإن الحج من سبيل الله» يشعر أن سبيل الله الوارد في آية مصارف الزكاة على عمومه وأنه يتناول مجموعة من الأمور وأن الحج منها، وبمثل تعبيره ﷺ عبر ابن عمر، فقال عن الحج: (أما إنه من سبيل الله) .
وقد أجيب عن القول بعموم اللفظ بأجوبة منها ما ذكره المباركفوري حيث قال:
وأما القول الثالث فهو أبعد الأقوال؛ لأنه لا دليل عليه من كتاب، ولا
_________________
(١) [شرح صحيح مسلم] (١١ \ ١٤٧) .
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) سورة التوبة الآية ٦٠
(٤) [فتح الباري] (٣ \ ٣٣١) المطبعة السلفية.
[ ١ / ١٣٤ ]
من سنة صحيحة أو سقيمة، ولا من إجماع، ولا من رأي صحابي، ولا من قياس صحيح أو فاسد؛ بل هو مخالف للحديث الصحيح الثابت، وهو حديث أبي سعيد، ولم يذهب إلى هذا التعميم أحد من السلف إلا ما حكى القفال في [تفسيره] عن بعض الفقهاء المجاهيل والقاضي عياض عن بعض العلماء غير المعروفين.
قال صاحب تفسير [المنار]: أما عموم مدلول هذا اللفظ فهو يشمل كل أمر مشروع أريد به مرضاة الله تعالى بإعلاء كلمته وإقامة دينه وحسن عبادته ومنفعة عباده، ولا يدخل فيه الجهاد بالمال والنفس إذا كان لأجل الرياء والسمعة، وهذا العموم لم يقل به أحد من السلف ولا الخلف، ولا يمكن أن يكون مرادا هنا؛ لأن الإخلاص الذي يكون للعمل في سبيل الله أمر باطني لا يعلمه إلا الله تعالى فلا يمكن أن تناط به حقوق مالية دولية، وإذا قيل: إن الأصل في كل طاعة من المؤمن أن تكون لوجه الله تعالى فيراعى هذا في الحقوق؛ عملا بالظاهر اقتضى هذا أن يكون كل مصل وصائم ومتصدق وتال للقرآن وذاكر لله تعالى ومميط الأذى عن الطريق، مستحق بعمله هذا للزكاة الشرعية، فيجب أن يعطى منها، ويجوز له أن يأخذ منها وإن كان غنيا، وهذا ممنوع بالإجماع أيضا وإرادته تنافي حصر المستحقين في الأصناف المنصوصة؛ لأن هذا الصنف لأحد جماعاته فضلا عن أفراده وإذا وكل أمره إلى السلاطين والأمراء تصرفوا فيه بأهوائهم تصرفا تذهب حكمة فرضية الصدقة من أهلها. انتهى.
وأما ما يذكر للاحتجاج لذلك من رواية البخاري في دية الأنصاري
[ ١ / ١٣٥ ]
الذي قتل بخيبر مائة من إبل الصدقة- فهو مخالف لما روى البخاري أيضا في قصته أنه وداه من عنده، وجمع بين الروايتين بأنه اشتراه من أهل الصدقة بعد أن ملكوها ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل، حكاه النووي عن الجمهور، وعلى هذا فلا حجة فيه لمن ذهب إلى التعميم.
وإذا تقرر هذا فلا يجوز صرف الزكاة في عمارة المساجد والمعاهد الدينية، وبناء الجسور، وإصلاح الطرق والشوارع، وتكفين الموتى، وقضاء ديونهم وغير ذلك من أنواع البر؛ لأنه ليس هذا في شيء من المصارف المنصوصة، وهو مذهب أحمد، كما يظهر من [المغني] (١)، ومالك كما في [المدونة] (٢)، وسفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء، كما في [الأموال] لأبي عبيد. (٣) .
هذا وقد ألحق بعض العلماء بالغازي من كان قائما بمصلحة من مصالح المسلمين؛ كالقضاء، والإفتاء، والتدريس، وإن كان غنيا وأدخله بعضهم في العاملين، فأجاز له الأخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا ولا يخفى ما فيه.
وقال صاحب المنار: إن سبيل الله هنا مصالح المسلمين الشرعية التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد والأشخاص، وأن الحج ليس منها، قال: وأولها وأولاها بالتقديم: الاستعداد للحرب بشراء السلاح، وأغذية
_________________
(١) [المغني] (٢ \ ٦٦٧) .
(٢) المدونة، (٢ \ ٥٩) .
(٣) [الأموال] ص ٦١٠.
[ ١ / ١٣٦ ]
الجند، وأدوات النقل، وتجهيز الغزاة، قال: ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية والخيرية وإشراع الطرق وتعبيدها ومد الخطوط الحديدية العسكرية لا التجارية، ومنها: بناء البوارج المدرعة والمنطادات والطيارات الحربية والحصون والخنادق، قال: ويدخل فيه النفقة على المدارس للعلوم الشرعية وغيرها مما تقوم به المصلحة العامة، وفي هذه الحالة يعطى منها معلمو هذه المدارس ما داموا يؤدون وظائفهم المشروعة التي ينقطعون بها عن كسب آخر، ولا يعطى عالم غني لأجل علمه وإن كان يفيد الناس به. انتهى.
قلت: حديث أبي سعيد ينافي هذا التعميم؛ لكونه كالنص في أن المراد بسبيل الله المطلق في الآية هم: الغزاة والمجاهدون خاصة، فيجب الوقوف عنده. اهـ (١) .
ومنها ما ذكره الشيخ يوسف القرضاوي حيث قال ما نصه:
ولكن الرد الصحيح على القائلين بهذا الرأي يكون بتحديد المراد من (سبيل الله) هل هو خاص بالغزو والقتال -كما هو رأي الجمهور- أم هو عام يشمل كل بر وخير وقربة-كما هو رأي من ذكرنا- وكما يدل عليه عموم اللفظ.
ولكي نحدد هذا المراد تحديدا دقيقا، علينا أن نستعرض موارد هذه الكلمة في القرآن، لنبين ماذا يراد بها حيث وردت، فخير ما يفسر القرآن
_________________
(١) [المرآة على المشكاة] (٣ \ ١١٨، ١١٩) .
[ ١ / ١٣٧ ]
بالقرآن.
[ ١ / ١٣٨ ]