القول الثاني: أن جمع الثلاث ليس بمحرم، بل هو ترك الأفضل، وهو مذهب الشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد: اختارها الخرقي.
واحتجوا: بأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثا، وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا، وبأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك.
وأجاب الأكثرون: بأن حديث فاطمة، وامرأة رفاعة، إنما طلقاهما ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح: أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا هذا مجتمعات، وقول الصحابي: طلق ثلاثا، يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات بأن يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة، وهو المشهور على عهد رسول الله ﷺ في معنى الطلاق ثلاثا، وأما جمع الثلاث بكلمة، فهذا كان منكرا عندهم، إنما يقع قليلا، فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا، بل هذا قول بلا دليل، بل هو بخلاف الدليل.
وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة، أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو في طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما والنبي ﷺ قد فرق بينهما، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف: أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت
[ ١ / ٣١٤ ]
عليه حتى تنكح زوجا غيره.
وامتنع حينئذ أن يفرق النبي ﷺ بينهما؛ لأنهما صارا أجنبيين، ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبدا، فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح، وأن الثلاث لم تقع جميعا بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية، فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما.
وقول سهل بن سعد: طلقها ثلاثا، فأنفذه عليه رسول الله ﷺ دليل على أنه احتاج إلى إنفاذ النبي ﷺ واختصاص الملاعن بذلك، ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ، فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أنه تحرم عليه أنفذ النبي ﷺ مقصوده، بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق، إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة.
واستدل الأكثرون: بأن القرآن العظيم يدل على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي، وإلا الطلاق للعدة، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) وهذا إنما يكون في الرجعي. وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤)
_________________
(١) سورة الطلاق الآية ١
(٢) سورة الطلاق الآية ١
(٣) سورة الطلاق الآية ٢
(٤) سورة الطلاق الآية ١
[ ١ / ٣١٥ ]
يدل على أنه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنه إنما أباح الطلاق للعدة: أي: لاستقبال العدة، فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنت على العدة، ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين. فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم فقد بينا فساده في موضع آخر، فإن هذا قول ضعيف؛ لأنهم كانوا في أول الإسلام إذا أراد الرجل إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها، فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن بحاجة إلى أن يراجعها، والله تعالى قصرهم على الطلاق الثلاث دفعا لهذا الضرر، كما جاءت بذلك الآثار.
ودل على أنه كان مستقرا عند الله: أن العدة لا تستأنف بدون رجعة، سواء كان ذلك؛ لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة، أو يقع ولا يستأنف له العدة، وابن حزم إنما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة. فلا يكون طلاق إلا يتعقبه عدة، إذا كان بعد الدخول، كما دل عليه القرآن، فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد، وأما من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنه يقول: إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة، وما كان صاحبه مخيرا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزا. فلم يكن ذلك طلاقا للعدة، ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (١) فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان، فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء
_________________
(١) سورة الطلاق الآية ٢
[ ١ / ٣١٦ ]
العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (١) فهذا يقتضي: أن هذا حال كل مطلقة، فلم يشرع إلا هذا الطلاق، ثم قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) أي: هذا الطلاق المذكور (مرتان)، وإذا قيل: سبح مرتين أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقول: سبحان الله مرتين، بل لا بد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة، فكذلك لا يقال: طلق مرتين إلا إذا طلق مرة بعد مرة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا أو مرتين لم يجز أن يقال: ثلاث مرات ولا مرتين، وإن جاز أن يقال: طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين، ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣) فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٤) وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق، فعلم أن جمع الثلاث ليس بمشروع. ودلائل تحريم الثلاث كثيرة قوية من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار، كما هو مبسوط في موضعه.
وسبب ذلك أن (الأصل في الطلاق الحظر) وإنما أبيح منه قدر الحاجة
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٢٨
(٢) سورة البقرة الآية ٢٢٩
(٣) سورة البقرة الآية ٢٣٠
(٤) سورة البقرة الآية ٢٣٢
[ ١ / ٣١٧ ]
كما ثبت في [الصحيح] عن جابر عن النبي ﷺ: «إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت أنت ويلتزمه (١)» .
وقد قال تعالى في ذم السحر: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ (٢) وفي [السنن] عن النبي ﷺ قال: «إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات (٣)» . وفي [السنن] أيضا عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة (٤)» . ولهذا لم يبح إلا ثلاث مرات، وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وإذا كان إنما أبيح للحاجة، فالحاجة تندفع بواحدة، فما زاد فهو باق على الحظر. اهـ (٥) .
وقال ابن القيم: فصل في حكمه ﷺ فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة. قد تقدم حديث محمود بن لبيد: أن رسول الله ﷺ «أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم (٦)» وإسناده على شرط مسلم، قال ابن وهب: قد رواه مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه. قال: سمعت محمود بن لبيد، فذكره، ومخرمة ثقة بلا شك. وقد احتج مسلم في [صحيحه] بحديثه عن أبيه.
والذين أعلوه، قالوا: لم يسمع منه، وإنما هو كتاب. قال أبو طالب:
_________________
(١) صحيح مسلم صفة القيامة والجنة والنار (٢٨١٣)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٣١٥) .
(٢) سورة البقرة الآية ١٠٢
(٣) سنن النسائي الطلاق (٣٤٦١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٤١٤) .
(٤) سنن الترمذي الطلاق (١١٨٧)، سنن أبو داود الطلاق (٢٢٢٦)، سنن ابن ماجه الطلاق (٢٠٥٥)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٢٨٣)، سنن الدارمي الطلاق (٢٢٧٠) .
(٥) [مجموع الفتاوى] (٣٣\ ٧٦-٨١)
(٦) سنن النسائي الطلاق (٣٤٠١) .
[ ١ / ٣١٨ ]
سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير، فقال: هو ثقة ولم يسمع من أبيه، وإنما هو كتاب مخرمة، فنظر فيه كل شيء يقول: (بلغني عن سليمان بن يسار) فهو من كتاب مخرمة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مخرمة بن بكير وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه، وقال في رواية عباس الدوري: هو ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثا واحدا حديث الوتر. وقال سعيد بن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة: أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظ مضبوط، فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط، إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها.
وهذه طريقة الصحابة والسلف، وقد كان رسول الله ﷺ يبعث بكتبه إلى الملوك، وتقوم عليهم بها الحجة، وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام فعملوا بها، واحتجوا بها، ودفع الصديق كتاب رسول الله ﷺ في الزكاة إلى أنس بن مالك فحمله، وعملت به الأمة. وكذلك كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو، ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض، ويقول المكتوب إليه: كتب إلي فلان: أن فلانا أخبره.
ولو بطل الاحتجاج بالكتب لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير، فإن الاعتماد إنما هو على النسخ لا على الحفظ، والحفظ خوان، والنسخة ولا
[ ١ / ٣١٩ ]
تخون، ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة: أن أحدا من أهل العلم رد الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يشافهني به الكاتب فلا أقبله، بل كلهم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كاتبه.
الجواب الثاني: أن قول من قال: (لم يسمع من أبيه) معارض بقول من قال: (سمع منه) ومعه زيادة علم وإثبات. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عن مخرمة بن بكير؟ فقال: صالح الحديث. قال: وقال ابن أبي ذئب: وحدث في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه، فحلف لي: ورب هذه البنية- يعني: المسجد- سمعت من أبي.
وقال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، وقال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان لعله سمع منه الشيء اليسير، ولم أجد أحدا في المدينة ومخرمة يخبرني عن مخرمة بن بكير: أنه كان يقول في شيء من حديثه: (سمعت أبي) ومخرمة ثقة. . انتهى. ويكفي أن مالكا أخذ كتابه فنظر فيه واحتج به في [موطئه] وكان يقول: حدثني مخرمة، وكان رجلا صالحا.
وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس، قلت: هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة من هو؟ قال: مخرمة بن بكير، وقيل لأحمد بن صالح المصري: كان مخرمة من ثقات الرجال؟ قال: نعم. وقال ابن عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة: أحاديث حسان
[ ١ / ٣٢٠ ]
مستقيمة، وأرجو أنه لا بأس به.
وفي [صحيح مسلم] قول ابن عمر للمطلق ثلاثا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وهذا تفسير منه للطلاق المأمور به، وتفسير الصحابي حجة، وقال الحاكم: هو عندنا مرفوع.
ومن تأمل القرآن حق التأمل تبين له ذلك وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول، هو الطلاق الذي تملك به الرجعة، ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة، قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١)
ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين، كما قال النبي ﷺ: «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمده ثلاثا وثلاثين، وكبره ثلاثا وثلاثين (٢)» ونظائره، فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوال، يتلو بعضه بعضا، فلو قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين- بهذا اللفظ- لكان ثلاث مرات فقط، وأصرح من هذا قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٣) فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات بالله، إني لمن الصادقين، كانت مرة، وكذلك قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٤) فلو قالت:
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٢٩
(٢) صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (٥٩٧)، سنن أبو داود الصلاة (١٥٠٤)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٧١)، موطأ مالك النداء للصلاة (٤٨٨) .
(٣) سورة النور الآية ٦
(٤) سورة النور الآية ٨
[ ١ / ٣٢١ ]
أشهد بالله أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين كانت واحدة.
وأصرح من ذلك قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (١) فهذا مرة بعد مرة. ولا ينقض هذا بقوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٢) وقوله ﷺ: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين (٣)» . فإن المرتين هنا: هما: الضعفان، وهما المثلان، وهما مثلان في القدر، كقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ (٥) أي: ضعف ما يعذب به غيرها، وضعف ما كانت تؤتي، ومن هذا قول أنس: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ مرتين (٦)» أي: شقتين وفرقتين، كما قال في اللفظ الآخر: «انشق القمر فلقتين (٧)» وهذا أمر معلوم قطعا: أنه إنما انشق القمر مرة واحدة، والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان وبين ما يكون مثلين وجزءين ومرتين في المضاعفة، فالثاني يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد، والأول لا يتصور فيه ذلك.
ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة، أنه قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٨) إلى أن قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٩) فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول، فالمطلق
_________________
(١) سورة التوبة الآية ١٠١
(٢) سورة الأحزاب الآية ٣١
(٣) صحيح البخاري الجهاد والسير (٣٠١١)، صحيح مسلم الإيمان (١٥٤)، سنن الترمذي النكاح (١١١٦)، سنن النسائي النكاح (٣٣٤٤)، سنن ابن ماجه النكاح (١٩٥٦)، مسند أحمد بن حنبل (٤/٤٠٥)، سنن الدارمي النكاح (٢٢٤٤) .
(٤) سورة الأحزاب الآية ٣٠
(٥) سورة البقرة الآية ٢٦٥
(٦) صحيح مسلم صفة القيامة والجنة والنار (٢٨٠٢)، سنن الترمذي تفسير القرآن (٣٢٨٦)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٢٧٥) .
(٧) صحيح البخاري تفسير القرآن (٤٨٦٤)، صحيح مسلم صفة القيامة والجنة والنار (٢٨٠١)، سنن الترمذي تفسير القرآن (٣٢٨٥)، مسند أحمد بن حنبل (١/٤٤٧) .
(٨) سورة البقرة الآية ٢٢٨
(٩) سورة البقرة الآية ٢٢٨
[ ١ / ٣٢٢ ]
أحق فيه بالرجعة، سوى الثالثة المذكورة بعد هذا.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) إلى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢) فهذا هو الطلاق المشروع، وقد ذكر الله سبحانه أقسام الطلاق كلها في القرآن، وذكر أحكامها فذكر الطلاق قبل الدخول وأنه لا عدة فيه، وذكر الطلقة الثالثة وأنها تحرم الزوجة على المطلق حتى تنكح زوجا غيره، وذكر طلاق الفدا الذي هو الخلع، وسماه: فدية، ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم، وذكر الطلاق الرجعي الذي يحق للمطلق فيه الرجعة، وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة.
وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما، على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض بائنة، وأنه إذا قال لها: أنت طالق طلقة بائنة، كانت رجعية، ويلغو وصفها بالبينونة، وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض، وأما أبو حنيفة فقال: تبين بذلك؛ لأن الرجعة حق له وقد أسقطها، والجمهور يقولون: وإن كانت الرجعة حقا له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه، فلا يملك إسقاطه إلا باختيارها، وبذلها العوض، وسؤالها أن تفتدي نفسها بغير عوض في أحد القولين، وهو جواز الخلع بغير عوض، وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض- فخلاف النص والقياس.
_________________
(١) سورة الطلاق الآية ١
(٢) سورة الطلاق الآية ٢
[ ١ / ٣٢٣ ]
قالوا: وأيضا فالله سبحانه شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة، فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد، فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويرجعها، وهذا وإن كان فيه رفق بالرجل ففيه إضرار بالمرأة، فنسخ سبحانه ذلك بثلاث، وقصر الزوج عليها، وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقض عدتها، فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه، فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة، وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث، فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده، فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها، كان خلاف شرعه وحكمته، وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة، بل إنما ملك واحدة، فالزائد عليها غير مأذون له فيه.
قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه، لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة إذ هو خلاف ما شرعه.
ونكتة المسألة: أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين:
(أحدهما): طلاق غير المدخول بها.
(والثاني): الطلقة الثالثة، وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة. هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره، وهذا قول الجمهور، منهم: الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر.
قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع، ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها- وساقها ﵀-
[ ١ / ٣٢٤ ]
هل هي ثلاث، أو خلع بدون عوض، أو واحدة بائنة؟ (١) .
وقد أجاب ابن حزم ﵀ في كتابه [المحلى] عن ذلك بقوله (٢): أما الآيات فإنما نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط، ثم نسألهم عمن طلق مرة، ثم راجع، ثم مرة، ثم راجع ثانية، ثم ثالثة، أببدعة أتى؟ فمن قولهم: لا، بل بسنة، فنسألهم: أتحكمون له بما في الآيات المذكورات؟ فمن قولهم: لا، بلا خلاف.
فصح أن المقصود- في الآيات، المذكورات- من أراد أن يطلق طلاقا رجعيا، فبطل احتجاجهم بها في حكم من طلق ثلاثا.
وأما قولهم: معنى قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) أن معناه: مرة بعد مرة، فخطأ، بل هذه الآية كقوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٤) أي: مضاعفا معا، وهذه الآية أيضا تصلح لما دون الثلاث من الطلاق، وهو حجة لنا عليهم؛ لأنهم لا يختلفون- يعني: المخالفين لنا- في أن طلاق السنة هو: أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها في قول طائفة منهم، وفي قول آخرين منهم: أن يطلقها في كل طهر طلقة، وليس شيء من هذا في هذه الآية، وهم لا يرون من طلق طلقتين متتابعتين في كلام متصل: طلاق سنة، فبطل تعلقهم بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٥)
_________________
(١) [زاد المعاد] (٤\١٠٠) وما بعدها.
(٢) انظر [المحلى] لابن حزم (١٠\١٦٧، ١٦٨) .
(٣) سورة البقرة الآية ٢٢٩
(٤) سورة الأحزاب الآية ٣١
(٥) سورة البقرة الآية ٢٢٩
[ ١ / ٣٢٥ ]
وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل، ولا حجة في مرسل، ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئا.
ويعني ابن حزم بالإرسال: ما قرره الحافظ ابن حجر (١)، وهو: أن محمود بن لبيد، ولد في عهد النبي ﷺ ولم يثبت له منه سماع وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية. . وقد ترجم له أحمد في [مسنده] وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع.
وقال الحافظ (٢): ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين فيمن ولد على عهد النبي ﷺ وقال: سمع من عمر، وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين، وكان ثقة قليل الحديث، كما ذكر الحافظ: أن الترمذي قال فيه: (رأى النبي ﷺ وهو غلام صغير) .
وقال ابن أبي حاتم: قال البخاري: له صحبة، فسخط أبي عليه، وقال: لا يعرف له صحبة، روى عن ابن عباس، روى عنه عاصم بن عمر بن قتادة: سمعت أبي يقول ذلك. سئل أبو زرعة عن محمود بن لبيد؟ فقال: روى عن ابن عباس، وروى عنه الحارث بن فضيل، مديني أنصاري ثقة، وفي رواية مخرمة عن أبيه كلام كثير. اهـ (٣)
_________________
(١) انظر [فتح الباري] (٩\ ٩٧) .
(٢) انظر [تهذيب التهذيب] (١٠\ ٦٦) .
(٣) انظر [الجرح والتعديل] للإمام الحافظ ابن أبي حاتم الرازي (٨\٢٩٠، ٢٩٨) .
[ ١ / ٣٢٦ ]
الثاني من قولي العلماء في الإقدام على جمع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة: أنه ليس بمحرم ولا بدعة، بل سنة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، وجماعة من أهل الظاهر، كما في [زاد المعاد]، ونكتفي بإيراد كلام الشافعي في [الأم]، وابن حزم في [المحلى] .
قال الإمام الشافعي: (الخلاف في الطلاق الثلاث):
عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، «أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام فبعث إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء. فجاءت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة (١)» .
قال الشافعي ﵀: وأبو عمرو ﵄ طلق امرأته البتة وعلم ذلك النبي ﷺ فأسقط نفقتها؛ لأنه لا رجعة له عليها، والبتة التي لا رجعة له عليها ثلاث، ولم يعب النبي ﷺ طلاق الثلاث، وحكم فيما سواها من الطلاق بالنفقة والسكنى. فإن قال قائل: ما دل على أن البتة ثلاث فهو لو لم يكن سمى أبو عمرو ﵄ ثلاثا البتة، أو نوى بالبتة ثلاثا، كانت واحدة يملك الرجعة وعليه نفقتها.
ومن زعم أن البتة ثلاث بلا نية المطلق، ولا تسمية ثلاث، قال: إن النبي ﷺ إذ لم يعب الطلاق الذي هو ثلاث دليل على أن الطلاق بيد الزوج، ما أبقى منه أبقى لنفسه، وما أخرج منه من يده لزمه غير محرم
_________________
(١) صحيح مسلم الطلاق (١٤٨٠)، موطأ مالك الطلاق (١٢٣٤) .
[ ١ / ٣٢٧ ]
عليه، كما لا يحرم عليه أن يعتق رقبة، وألا يخرج من ماله صدقة، وقد يقال له: لو أبقيت ما تستغني به عن الناس كان خيرا لك.
فإن قال قائل: ما دل على أن أبا عمرو لا يعدو أن يكون سمى ثلاثا، أو نوى بالبتة ثلاثا؟ قلنا: الدليل عن رسول الله ﷺ.
قال الشافعي ﵀: أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى النبي ﷺ فقال: إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة. فقال النبي ﷺ لركانة: «والله ما أردت إلا واحدة؟ (١)» فردها إليه النبي ﷺ، فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان ﵄.
قال الشافعي ﵀: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، أنه أخبره: «أنه تلاعن عويمر وامرأته بين يدي النبي ﷺ وهو مع الناس، فلما فرغا من ملاعنتهما، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ (٢)» . قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين.
قال الشافعي ﵀: فقد طلق عويمر ثلاثا بين يدي النبي ﷺ ولو كان ذلك محرما لنهاه عنه، وقال: إن الطلاق وإن لزمك فأنت عاص بأن تجمع ثلاثا، فافعل كذا، كما أمر النبي ﷺ عمر أن يأمر عبد الله بن عمر ﵄، حين طلق امرأته حائضا، أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فلا يقر النبي
_________________
(١) سنن الترمذي كتاب الطلاق (١١٧٧)، سنن أبو داود الطلاق (٢٢٠٦)، سنن ابن ماجه الطلاق (٢٠٥١)، سنن الدارمي الطلاق (٢٢٧٢) .
(٢) صحيح البخاري الطلاق (٥٢٥٩)، صحيح مسلم اللعان (١٤٩٢)، سنن أبو داود الطلاق (٢٢٤٥)، موطأ مالك كتاب الطلاق (١٢٠١) .
[ ١ / ٣٢٨ ]
ﷺ بطلاق لا يفعله أحد بين يديه، إلا نهاه عنه؛ لأنه العلم بين الحق والباطل، لا باطل بين يديه إلا يغيره.
قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب بن حنطب، أنه طلق امرأته البتة ثم أتى عمر فذكر ذلك له، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلته فتلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (١) ما حملك على ذلك؟ قال: قد فعلته قال: أمسك عليك امرأتك، فإن الواحدة تبت.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للتوءمة مثل ما قال للمطلب.
قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الليث بن سعد، عن بكير عن سليمان:
أن رجلا من بني زريق طلق امرأته البتة، قال عمر: ما أردت بذلك؟ قال: أتراني أقيم على حرام والنساء كثير؟ فأحلفه فحلف.
قال الشافعي ﵀: أراه قال، فردها عليه. قال: وهذا الخبر في الحديث في الزرقي، يدل على أن قول عمر بن الخطاب ﵁ للمطلب: ما أردت بذلك؟ يريد: أواحدة أو ثلاثا؟ فلما أخبره أنه لم يرد به زيادة في عدد الطلاق، وأنه قال: بلا نية زيادة، ألزمه واحدة، وهي أقل
_________________
(١) سورة النساء الآية ٦٦
[ ١ / ٣٢٩ ]
الطلاق، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ (١) لو طلق فلم يذكر البتة، إذ كانت كلمة محدثة ليست في أصل الطلاق تحتمل صفة الطلاق وزيادة في عدده، ومعنى غير ذلك، فنهاه عن المشكل من القول، ولم ينهه عن الطلاق، ولم يعبه ولم يقل له: لو أردت ثلاثا كان مكروها عليك، وهو لا يحلفه على ما أراد إلا ولو أراد أكثر من واحدة ألزمه ذلك.
أخبرنا الربيع: قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض، فورثها عثمان منه بعد انقضاء عدتها.
قال الشافعي ﵀: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن امرأة عبد الرحمن نشدته الطلاق، فقال: إذا حضت ثم طهرت فآذنيني، فطهرت وهو مريض فآذنته، فطلقها ثلاثا.
قال الشافعي ﵀: والبتة في حديث مالك بيان هذا الحديث ثلاثا، لما وصفنا من أن يقول: طالق البتة ينوي ثلاثا، وقد بينه ابن سيرين فقطع موضع الشك فيه.
أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن بكير، قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها،
_________________
(١) سورة النساء الآية ٦٦
[ ١ / ٣٣٠ ]
فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة، وعبد الله بن عباس ﵄ عن ذلك؟ فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك. قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.
قال الشافعي ﵀: وما عاب ابن عباس ولا أبو هريرة عليه أن يطلق ثلاثا، ولو كان ذلك معيبا، لقالا له: لزمك الطلاق وبئسما صنعت، ثم سمى حين راجعه، فما زاده ابن عباس على الذي هو عليه أن قال له: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل، ولم يقل: بئسما صنعت، ولا حرجت في إرساله.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بكير، عن النعمان بن أبي عياش الأنصاري عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو: عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة. فقال عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاض، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. ولم يقل له عبد الله: بئسما صنعت حين طلقت ثلاثا.
أخبرنا الربيع: قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، أن بكيرا أخبره عن النعمان بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس
[ ١ / ٣٣١ ]
وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما؟ ثم ائتنا فأخبرنا. فذهب فسألهما؟ فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة ﵁: الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.
وقال ابن عباس مثيل ذلك ولم يعيبا عليه الثلاث ولا عائشة.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرني مالك عن ابن شهاب عن عروة: أن مولاة لبني عدي يقال لها: زيراء، أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي يومئذ أمة، فعتقت، فقالت: فأرسلت إلي حفصة فدعتني يومئذ، فقالت: إني مخبرتك خبرا ولا أحب أن تصنعي شيئا، إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، فقالت: ففارقته ثلاثا، فلم تقل لها حفصة: لا يجوز لك أن تطلقي ثلاثا. ولو كان ذلك معيبا على الرجل، إذا لكان ذلك معيبا عليها إذا كان بيدها فيه ما بيده.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن جهمان، عن أم بكرة الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان في ذلك فقال: هي تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت. فعثمان ﵁ يخبره: أنه إن سمى أكثر من واحدة كان ما سمى، ولا يقول له: لا ينبغي لك أن تسمي أكثر من واحدة؟ بل في هذا القول دلالة على أنه جائز له أن يسمي أكثر من واحدة.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن عمر بن عبد العزيز
[ ١ / ٣٣٢ ]
﵁ قال: البتة ما يقول الناس فيها؟ فقال أبو بكر: فقلت له: كان أبان بن عثمان يجلعها واحدة، فقال عمر: لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، من قال البتة فقد رمى الغاية القصوى.
قال الشافعي: ولم يحك عن واحد منهم على اختلافهم في البتة أنه عاب البتة ولا عاب ثلاثا.
قال الشافعي: قال مالك في المخيرة: إن خيرها زوجها فاختارت نفسها فقد طلقت ثلاثا، وإن قال زوجها: لم أخيرك إلا في واحدة فليس له في ذلك قول، وهذا أحسن ما سمعت.
قال الشافعي: فإذا كان مالك يزعم أن من مضى من سلف هذه الأمة قد خيروا، وخير رسول الله ﷺ والخيار إذا اختارت المرأة نفسها يكون ثلاثا، كان ينبغي بزعمهم أن الخيار لا يحل؛ لأنها إذا اختارت كان ثلاثا، وإذا زعم أن الخيار يحل وهي إذا اختارت نفسها طلقت ثلاثا فقد زعم أن النبي ﷺ قد أجاز طلاق ثلاث، وأصحاب النبي ﷺ.
قال الشافعي ﵀: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره: أن رجلا أتى ابن عباس فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس ﵁: تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
قال الشافعي: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج: أن عطاء ومجاهدا قالا: إن رجلا أتى ابن عباس، فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس: تأخذ
[ ١ / ٣٣٣ ]
ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء وحده، عن ابن عباس أنه قال: وسبعا وتسعين عدوانا، اتخذت بها آيات الله هزوا، فعاب عليه ابن عباس كل ما زاد عن عدد الطلاق الذي لم يجعله الله إليه ولم يعب عليه ما جعل الله إليه من الثلاث، وفي هذا دلالة على أنه يجوز له عنده أن يطلق ثلاثا، ولا يجوز له ما لم يكن إليه. اهـ (١) .
المذهب الحنبلي
وأما المذهب الحنبلي: فقد قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث، فروي عنه أنه غير محرم اختاره الخرقي، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور وداود، وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي؛ لأن عويمرا العجلاني لما لاعن امرأته قال: «كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ (٢)» متفق عليه. ولم ينقل إنكار النبي ﷺ.
وعن عائشة: «أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي (٣)» متفق عليه، وفي حديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات، ولأنه طلاق جاز تفريقه فجاز جمعه كطلاق النساء (٤)
_________________
(١) [الأم] للإمام الشافعي (٥\ ١٢٢- ١٢٤) .
(٢) صحيح البخاري الطلاق (٥٢٥٩)، صحيح مسلم اللعان (١٤٩٢)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٠٢)، سنن أبو داود الطلاق (٢٢٤٥)، سنن ابن ماجه الطلاق (٢٠٦٦)، موطأ مالك كتاب الطلاق (١٢٠١)، سنن الدارمي النكاح (٢٢٢٩) .
(٣) صحيح البخاري الطلاق (٥٢٦٠)، صحيح مسلم النكاح (١٤٣٣)، سنن الترمذي النكاح (١١١٨)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٠٩)، سنن ابن ماجه النكاح (١٩٣٢)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٢٢٦)، سنن الدارمي الطلاق (٢٢٦٧) .
(٤) [المغني] ومعه [الشرح الكبير]، (٨\ ٢٤٠) .
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقد أجاب ابن قدامة عن أدلة القائلين بالإباحة جوابا إجماليا:
فقال: وأما حديث المتلاعنين فغير لازم؛ لأن الفرقة لم تقع بالطلاق، فإنها وقعت بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه.
ثم إن اللعان يوجب تحريما مؤبدا، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاع أو غيره، ولأن جمع الثلاث إنما حرم لما يعقبه من الندم، ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها، ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان لحصوله باللعان.
وسائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي النبي ﷺ فيكون مقرا عليه، ولا حضر المطلق عند النبي ﷺ حين أخبر بذلك لينكر عليه. على أن حديث فاطمة قد جاء فيه: أنه أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وحديث امرأة رفاعة جاء فيه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، متفق عليه، فلم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث. ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلقها في كل قرء طلقة، والأولى أولى، فإن في ذلك امتثالا لأمر الله سبحانه، وموافقة لقول السلف، وأمنا من الندم، فإنه متى ندم راجعها فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها. (١)
وقال ابن حزم: وجدنا من حجة من قال: إن الطلاق الثلاث مجموعة سنة لا بدعة، قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢)
_________________
(١) [المغني] ومعه [الشرح الكبير] (٨\ ٢٤٢) .
(٢) سورة البقرة الآية ٢٣٠
[ ١ / ٣٣٥ ]
فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة، ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١) عموم لإباحة الثلاث والاثنتين والواحدة. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) فلم يخص تعالى مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثا.
ووجدنا ما رويناه من طريق مالك، عن ابن شهاب: أن سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث التعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخره أنه قال: (كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها) فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ ثم قال: وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ.
قال أبو محمد: لو كانت طلاق الثلاث مجموعة معصية لله تعالى، لما سكت رسول الله ﷺ عن بيان ذلك فصح يقينا أنها سنة مباحة.
وقال بعض أصحابنا: لا يخلو من أن يكون طلقها وهي امرأته، أو طلقها وقد حرمت عليه ووجب التفريق بينهما، فإن كان طلقها وهي
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٤٩
(٢) سورة البقرة الآية ٢٤١
[ ١ / ٣٣٦ ]
امرأته، فليس هذا قولكم؛ لأن قولكم إنها بتمام اللعان تبين عنه إلى الأبد، وإن كان طلقها أجنبية فإنما نحن فيمن طلق امرأته لا فيمن طلق أجنبية. فقلنا: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته هذا ما لا يشك فيه أحد، فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله ﷺ إلى هذا الاعتراض، فإنما حجتنا كلها في ترك رسول الله ﷺ الإنكار على من طلق ثلاثا مجموعة امرأة يظنها امرأته: ولا يشك أنها في عصمته فقط. فإن قالوا: ليس كل مسكوت عن ذكره في الأخبار يكون ترك ذكره حجة. فقلنا: نعم، هو حجة لازمة إلا أن يوجد بيان في خبر آخر لم يذكر في هذا الخبر، فحينئذ لا يكون السكوت عنه في خبر آخر حجة.
ومن طريق البخاري، نا محمد بن بشار، نا يحيى هو ابن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، نا القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «إن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلق، فسئل رسول الله ﷺ: أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (١)» فلم ينكر ﵊ هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك. وخبر فاطمة بنت قيس المشهور رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: «أن فاطمة بنت قيس أخبرته: أن زوجها ابن حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن فانطلق خالد بن الوليد في نفر، فأتوا رسول الله ﷺ في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إن ابن حفص طلق امرأته ثلاثا، فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله ﷺ: ليس لها نفقة وعليها العدة (٢)» وذكر باقي الخبر.
_________________
(١) صحيح البخاري الطلاق (٥٢٦١)، صحيح مسلم النكاح (١٤٣٣)، سنن ابن ماجه النكاح (١٩٣٢)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٢٢٦)، سنن الدارمي الطلاق (٢٢٦٧) .
(٢) صحيح مسلم الطلاق (١٤٨٠)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٠٥)، سنن أبو داود الطلاق (٢٢٩٠)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٣٧٣)، سنن الدارمي النكاح (٢١٧٧) .
[ ١ / ٣٣٧ ]
ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا حفص بن غياث، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت: «قلت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني ثلاثا وأنا أخاف أن يقتحم علي، قال: فأمرها فتحولت (١)» . ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، «عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثا قال: ليس لها سكنى ولا نفقة (٢)» .
فهذا نقل تواتر عن فاطمة بأن رسول الله ﷺ أخبرها هي ونفر سواها بأن زوجها طلقها ثلاثا (٣)، وبأنه ﵊ حكم في المطلقة ثلاثا، ولم ينكر ﵊ ذلك، ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه.
فإن قيل: إن الزهري روى عن أبي سلمة هذا الخبر، فقال فيه: أنها ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث طلقات، وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها فذكر الخبر وفيه: فأرسل مروان إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته، وذكر باقي الخبر.
قلنا: نعم، هكذا رواه الزهري، فأما روايته من طريق عبيد الله بن عبد الله فمنقطعة، لم يذكر عبيد الله ذلك عنها ولا عن قبيصة عنها، إنما قال: إن فاطمة طلقها زوجها، وإن مروان بعث إليها قبيصة فحدثته. وأما خبره عن أبي سلمة فمتصل، إلا أن كلا الخبرين ليس فيهما أن رسول الله ﷺ أخبرته
_________________
(١) صحيح مسلم الطلاق (١٤٨٢)، سنن النسائي الطلاق (٣٥٤٧)، سنن ابن ماجه الطلاق (٢٠٣٣) .
(٢) صحيح مسلم الطلاق (١٤٨٠)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٠٤)، سنن أبو داود الطلاق (٢٢٩٠)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٣٧٣) .
(٣) كذا في الأصل المنقول عنه.
[ ١ / ٣٣٨ ]
هي ولا غيرها بذلك، إنما السند الصحيح الذي فيه أنه ﵊ سأل عن كمية طلاقها؟ وأنها أخبرته، فهي التي قدمنا أولا، وعلى ذلك الإجمال جاء حكمه ﵊، وكذلك كل لفظ روي به خبر فاطمة من (أبت طلاقها) و(طلقها البتة) و(طلقها طلاقا باتا) و(طلاقا بائنا) فليس في شيء منه أن رسول الله ﷺ وقف عليه أصلا فسقط كل ذلك وثبت حكمه ﵊ على ما صح أنه أخبر به من أنه طلقها ثلاثا فقط.
وأما الصحابة ﵃ فإن الثابت عن عمر ﵁ الذي لا يثبت عنه غيره، ما رويناه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، نا زيد بن وهب: أنه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته ألفا، فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث. فإنما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث، وأحسن عمر في ذلك، وأعلمه أن الثلاث تكفي ولم ينكرها.
ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفا. فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك. . فلم ينكر جمع الثلاث.
ومن طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن معاوية بن أبي يحيى قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: بانت منك بثلاث:. . فلم ينكر الثلاث.
[ ١ / ٣٣٩ ]
ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفا. فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك وزرا، اتخذت آيات الله هزوا. فلم ينكر الثلاث، وأنكر ما زاد، والذي جاء عنه من قوله لمن طلق ثلاثا ثم ندم: لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا، وهو على ظاهره، نعم، إن اتقى الله جعل له مخرجا، وليس فيه أن طلاقه الثلاث معصية.
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين. فقال له ابن مسعود: ثلاث تبينها، وسائرها عدوان.
وهذا خبران في غاية الصحة، لم ينكر ابن مسعود وابن عباس الثلاث مجموعة أصلا، وإنما أنكر الزيادة على الثلاث.
ومن طريق أحمد بن شعيب، أنا عمرو بن علي، نا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة: أن يطلقها طاهرا من غير جماع، وهذا في غاية الصحة عن ابن مسعود، فلم يخص طلقة من طلقتين من ثلاث.
فإن قيل: قد روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، وفيه: فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى.
[ ١ / ٣٤٠ ]
قلنا: نعم، هذا أيضا سنة، وليس فيه أن ما عدا ذلك حرام وبدعة. فإن قيل: قد رويتم من طريق حماد بن زيد، نا يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين قال: قال علي بن أبي طالب: لو أن الناس أخذوا بأمر الله تعالى في الطلاق ما يبيح رجل نفسه في امرأة أبدا يبدأ فيطلقها تطليقة ثم يتربص ما بينها وبين أن تنقضي عدتها فمتى شاء راجعها.
قلنا: هذا منقطع عنه؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من علي كلمة، ثم ليس فيه أيضا أن ما عدا ذلك معصية ولا بدعة لا يعلم عن الصحابة ﵃ غير ما ذكرنا. وأما التابعون فروينا من طريق وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال رجل لشريح القاضي: طلقت امرأتي مائة. فقال: بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون إسراف ومعصية.
فلم ينكر شريح الثلاث، وإنما جعل الإسراف والمعصية ما زاد على الثلاث. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: طلاق العدة أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة بغير جماع.
قال أبو محمد: فلم يخص واحدة من ثلاث من اثنتين، لا يعلم عن أحد من التابعين أن الثلاث معصية صرح بذلك إلا الحسن، والقول بأن الثلاث سنة هو قول الشافعي وأبي ذر وأصحابهما (١) .
وقال ابن أبي شيبة (٢): (من رخص للرجل أن يطلق ثلاثا في مجلس) .
_________________
(١) انظر [المحلى] (١٠\ ١٧٠-١٧٣)
(٢) انظر [مصنف ابن أبي شيبة] (٥\ ١١) .
[ ١ / ٣٤١ ]
حدثنا أبو أسامة، عن هشام قال: سئل محمد عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا في مقعد واحد. قال: لا أعلم بذلك بأسا، قد طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثا فلم يعب عليه ذلك.
حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون عن محمد قال: كان لا يرى بذلك بأسا. حدثنا غندر عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، في رجل أراد أن تبين منه امرأته، قال: يطلقها ثلاثا.
[ ١ / ٣٤٢ ]