القول الثاني: أن المراد بسبيل الله: الغزاة والحجاج والعمار، وقد قال بهذا القول مجموعة من العلماء من مفسرين ومحدثين وفقهاء.
وفيما يلي بعض من أقوالهم:
قال ابن كثير: وأما في سبيل الله، فمنهم: الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق: والحج من سبيل الله؟ للحديث. اهـ (١)
_________________
(١) [تفسير القرآن العظيم]، (٢\ ٣٦٦) .
[ ١ / ١١١ ]
وقال الخازن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) وقال قوم: يجوز أن يصرف سهم سبيل الله إلى الحج يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. اهـ (٢)
وقال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) وقال ابن عمر: هم الحجاج والعمار، وروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله. اهـ (٤)
وقال القرطبي: الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥) وهم الغزاة وموضع الرباط إلى أن قال: وقال ابن عمر: الحجاج والعمار. ويؤثر عن أحمد وإسحاق رحمهما الله أنهما قالا: سبيل الله الحج. وفي البخاري: ويذكر عن أبي لاس: «حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة للحج (٦)» . ويذكر عن ابن عباس: ويعتق من (زكاة) ماله ويعطى في الحج. خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ، حدثنا محمد بن محمد الخياش، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نعم ويكنى أبا الحكم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عمر فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله، قال ابن عمر: فهو كما قال في سبيل الله، فقلت: ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما، قال: فما تأمرني يا ابن أبي نعم، آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٦٠
(٢) [لباب التأويل في معاني التنزيل]، (٣\ ٩٢) .
(٣) سورة التوبة الآية ٦٠
(٤) [فتح القدير] (٢\ ٣٧٣) .
(٥) سورة التوبة الآية ٦٠
(٦) مسند أحمد بن حنبل (٤/٢٢١) .
[ ١ / ١١٢ ]
فيعتدون في الأرض ويقطعون السبيل؟ قال: قلت: فما تأمرها؟ قال: آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله الحرام، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، ليسوا كوفد الشيطان، ثلاثا يقولها. قلت: يا أبا عبد الرحمن، وما وفد الشيطان؟ قال: قوم يدخلون على هؤلاء الأمراء فينمون إليهم الحديث، ويسعون في المسلمين بالكذب فيجازون الجوائز ويعطون عليه العطايا اهـ (١) .
وقال الجصاص: وإن أعطى حاجا منقطعا به أجزأ أيضا، وقد روي عن ابن عمر: أن رجلا أوصى بماله في سبيل الله، فقال ابن عمر: إن الحج في سبيل الله فاجعله فيه، وقال محمد بن الحسن في السير الكبير في رجل أوصى بثلث ماله في سبيل الله أنه يجوز أن يجعل في الحاج المنقطع به، وهذا يدل على أن قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) قد أريد به عند محمد الحاج المنقطع به، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الحج والعمرة من سبيل الله (٣)» اهـ (٤) .
وقال البخاري: باب قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٥) ويذكر عن ابن عباس ﵄: يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج. وقال الحسن: إن اشترى أباه من الزكاة جاز ويعطي في المجاهدين والذي لم يحج، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٦) الآية، في أيهما أعطيت أجزأت. وقال النبي ﷺ: «إن خالدا احتبس أدراعه في
_________________
(١) [الجامع لأحكام القرآن]، (٨\ ١٨٥) .
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) سنن الدارمي الوصايا (٣٣٠٤) .
(٤) [أحكام القرآن]، (٣\ ١٥٦) المطبعة البهية.
(٥) سورة التوبة الآية ٦٠
(٦) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١١٣ ]
سبيل الله (١)» ويذكر عن أبي لاس: «حملنا النبي ﷺ على إبل الصدقة للحج (٢)» اهـ (٣) .
وقال المجد تحت باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل: وعن ابن لاس الخزاعي قال: «حملنا النبي ﷺ على إبل من الصدقة إلى الحج (٤)» رواه أحمد، وذكره البخاري تعليقا. وعن أم معقل الأسدية «أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله، وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى، فأتت النبي ﷺ فذكرت له، فأمره أن يعطيها، وقال رسول الله ﷺ: الحج والعمرة في سبيل الله (٥)» رواه أحمد.
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت: «لما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض، وهلك أبو معقل وخرج النبي ﷺ، فلما فرغ من حجته جئته فقال: يا أم معقل، ما منعك أن تخرجي؟ " قلت: لقد تهيأنا فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله قال: فهلا خرجت عليه، فإن الحج من سبيل الله (٦)» رواه أبو داود.
قال الشوكاني: حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه. وحديث أم معقل أخرجه بنحو الرواية الأولى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وفي إسناده رجل مجهول، وفي إسناده أيضا إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي، وقد تكلم فيه غير واحد، وقد اختلف على أبي بكر بن
_________________
(١) صحيح البخاري الزكاة (١٤٦٨)، صحيح مسلم الزكاة (٩٨٣)، سنن النسائي الزكاة (٢٤٦٤)، سنن أبو داود الزكاة (١٦٢٣)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٢٣) .
(٢) مسند أحمد بن حنبل (٤/٢٢١) .
(٣) [صحيح البخاري]، (٢\ ١٠٤) .
(٤) مسند أحمد بن حنبل (٤/٢٢١) .
(٥) سنن أبو داود المناسك (١٩٨٨)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٤٠٦) .
(٦) سنن أبو داود المناسك (١٩٨٩) .
[ ١ / ١١٤ ]
عبد الرحمن فيه، فروي عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أم معقل عنها، وروي عنه عن أم معقل بغير واسطة، وروى عنه عن أبي معقل، والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود في إسنادها محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف.
قوله: (ابن لاس) هكذا في نسخ الكتاب الصحيحة بلفظ (ابن) والذي في البخاري (أبي لاس) وكذا في [التقريب]، من ترجمة عبد الله بن عنمة، ولاس؛ بسين مهملة خزاعي، اختلف في اسمه فقيل: زياد، وقيل: عبد الله بن عنمة - بمهملة ونون مفتوحتين-، وقيل غير ذلك، له صحبة وحديثان هذا أحدهما، وقد وصله مع أحمد: ابن خزيمة، والحاكم وغيرهما من طريقه، قال الحافظ: ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق؛ ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته.
وأحاديث الباب تدل على أن الحج والعمرة من سبيل الله، وأن من جعل شيئا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج والمعتمرين، وإذا كان شيئا مركوبا جاز حمل الحاج والمعتمر عليه، وتدل أيضا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدي الحج والعمرة اهـ (١)
وقال المباركفوري في معرض كلامه عن المراد بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقيل: المراد منه: منقطع الحاج، وبه قال محمد، وروي
_________________
(١) نيل الأوطار، (٤\ ١٨٠، ١٨١) الطبعة الثانية- ١٣٧١هـ.
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١١٥ ]
عن أحمد وإسحاق: أن الحج أيضا من سبيل الله يعني: أن الحج من جملة السبل مع الغزو؟ لأنه طريق بر إلى أن قال:
قلت: واحتج للقول الثاني بما روى أبو داود عن ابن عباس: «أن امرأة قالت لزوجها: احججني مع رسول الله ﷺ على جملك فلان، قال: (ذاك حبيس في سبيل الله) الحديث، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (١)»، وبما روي عن أم معقل الأسدية: «أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله وأنها أرادت الحج.. الحديث، وفيه: فأمر رسول الله ﷺ أن يعطيها البكر، وقال رسول الله ﷺ: الحج من سبيل الله (٢)» أخرجه أحمد وغيره، وبما روي عن أبي لاس قال: «حملنا النبي ﷺ على إبل من الصدقة للحج (٣)» ذكره البخاري تعليقا بصفة التمريض، ووصله أحمد وابن خزيمة والحاكم، وقال الشوكاني: حديث أم معقل، وحديث أبي لاس يدلان على أن الحج من سبيل الله، وأن من جعل شيئا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج، وإذا كان شيئا مركوبا جاز حمل الحاج عليه، ويدلان أيضا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة على قاصدين الحج. انتهى، وبما روى أبو عبيد في [الأموال]، عن أبي معاوية، وابن أبي شيبة في [مصنفه] عن أبي جعفر كلاهما عن الأعمش عن حسان بن أبي الأشرس عن مجاهد عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج، وأن يعتق منه الرقبة، وبما روي عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله، فقيل له: أتجعل في الحج؟ فقال: (أما إنه من سبل الله) أخرجه أبو عبيد بإسناد
_________________
(١) سنن أبو داود المناسك (١٩٩٠) .
(٢) مسند أحمد بن حنبل (٦/٤٠٦) .
(٣) مسند أحمد بن حنبل (٤/٢٢١) .
[ ١ / ١١٦ ]
صحيح عنه. اهـ (١) .
وقال الكسائي في معرض كلامه عن المراد من قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال محمد: المراد منه: الحاج المنقطع؛ لما روي «أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله، فأمر النبي ﷺ أن يحمل عليه الحجاج» . اهـ (٣) .
وقال أبو الفرج ابن قدامة في معرض كلامه عن المراد بقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) وروي عنه أن الفقير يعطى قدر ما يحج به الفرض أو يستعين به فيه، يروى إعطاء الزكاة في الحج عن ابن عباس وعن ابن عمر، الحج من سبيل الله، وهو قول إسحاق؛ لما روي: «أن رجلا جعل ناقة له في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﷺ: اركبيها، فإن الحج من سبيل الله (٥)» اهـ (٦) .
وقال البهوتي: والحج من السبيل أيضا، روي عن ابن عباس وابن عمر، لما روى أبو داود: «أن رجلا جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي ﷺ: اركبيها، فإن الحج من سبيل الله (٧)» فيأخذ إن كان فقيرا من الزكاة ما يؤدي به فرض حج أو فرض عمرة أو يستعين به فيه، أي: في فرض الحج والعمرة؛ لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض، وأما التطوع فله عنه مندوحة، وذكر القاضي جوازه في النفل كالفرض، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقي، وصححه بعضهم؛ لأن كلا من سبيل الله، والفقير
_________________
(١) [المرآة على المشكاة]، (٣\ ١١٧) .
(٢) سورة التوبة الآية ٦٠
(٣) [بدائع الصنائع]، (٢\ ٤٥) الطبعة الأولى.
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) مسند أحمد بن حنبل (٦/٤٠٦) .
(٦) [الشرح الكبير] (٢\ ٧٠٢) .
(٧) سنن أبو داود المناسك (١٩٨٨)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٤٠٦) .
[ ١ / ١١٧ ]
لا فرض عليه فهو منه كالتطوع. اهـ (١) .
وقال النووي ناسبا القول بكون الحج من سبيل الله إلى الإمام أحمد ما نصه: وقال أحمد رحمه الله تعالى في أصح الروايتين عنه: يجوز صرفه إلى مريد الحج، وروي مثله عن ابن عمر ﵄.
واستدل له بحديث أم معقل الصحابية ﵂ قالت: «لما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض فهلك أبو معقل، وخرج النبي ﷺ فلما فرغ من حجه جئته، فقال: يا أم معقل، ما منعك أن تخرجي معنا؟ " قالت: قلت: لقد تهيأنا، فهلك أبو معقل، وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه، فأوصى به أبو معقل في سبيل الله. قال: "فهلا خرجت عليه، فإن الحج في سبيل الله " (٢)» .
وعن ابن عباس ﵄ قال: «أراد رسول الله ﷺ الحج، فقالت امرأة لزوجها: أحججني مع رسول الله ﷺ، فقال: ما عندي ما أحججك عليه، فقالت: أحججني على جملك فلان، قال: ذلك حبيس في سبيل الله ﷿، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، إنها سألتني الحج معك، قالت: أحججني مع رسول الله ﷺ فقلت: ما عندي ما أحججك عليه، فقالت: أحججني على جملك فلان، فقلت: ذلك حبيس في سبيل الله، فقال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (٣)» [قال]، (٤): «وإنها أمرتني أن أسألك ما يعدل حجة معك، قال
_________________
(١) [كشاف القناع عن متن الإقناع]، (٢\ ٢٥٦) .
(٢) سنن أبو داود المناسك (١٩٨٩) .
(٣) سنن أبو داود المناسك (١٩٩٠) .
(٤) الزيادة من [المجموع]، (٦\١٥٩) تحقيق وتكميل\ محمد نجيب المطيعي (الناشر) .
[ ١ / ١١٨ ]
رسول الله ﷺ: أقرئها السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأخبرها أنها تعدل حجة (١)» يعني: عمرة في رمضان، رواهما أبو داود في [سننه]، في أواخر كتاب الحج في باب العمرة، والثاني: إسناده صحيح، وأما الأول: حديث أم معقل فهو من رواية محمد بن إسحاق وقال فيه: (عن) وهو مدلس، والمدلس إذا قال: (عن) لا يحتج به بالاتفاق. اهـ (٢) .
واستدل أصحاب هذا الرأي بما استدل به أصحاب القول الأول بالنسبة لإرادة الغزاة من كلمة (في سبيل الله) .
وأما بالنسبة لدخول الحجاج والعمار في ذلك فقد استدلوا عليه بما روى أبو داود عن ابن عباس: «أن امرأة قالت لزوجها: أحججني مع رسول الله ﷺ على جملك الفلاني، قال: ذاك حبيس في سبيل الله الحديث، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (٣)»، وبما روي عن أم معقل الأسدية «أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله، وأنها أرادت الحج.. وفيه: فأمر رسول الله ﷺ أن يعطيها البكر وقال: الحج من سبيل الله (٤)» أخرجه أحمد وغيره، وبما روي عن أبي لاس قال: «حملنا النبي ﷺ على إبل من الصدقة للحج (٥)» ذكره البخاري تعليقا، ووصله أحمد وابن خزيمة والحاكم، وبما روى أبو عبيد في [الأموال]، عن أبي معاوية وابن أبي شيبة في [مصنفه]، عن أبي جعفر كلاهما عن الأعمش عن حسان بن أبي الأشرس عن مجاهد عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج، وبما روي عن ابن عمر أنه سئل عن
_________________
(١) سنن أبو داود المناسك (١٩٩٠) .
(٢) [المجموع، (٦\ ٢١٢، ٢١٣) المطبعة المنيرية.
(٣) سنن أبو داود المناسك (١٩٩٠) .
(٤) مسند أحمد بن حنبل (٦/٤٠٦) .
(٥) مسند أحمد بن حنبل (٤/٢٢١) .
[ ١ / ١١٩ ]
امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله، فقيل له: أتجعل في الحج؟ فقال: (أما إنه من سبيل الله) أخرجه أبو عبيد بإسناد صحيح عنه.
وقال القرطبي في [تفسيره]: خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ، حدثنا محمد بن محمد الخياش، حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن عبد الرحمن بن أبي نعم، ويكنى: أبا الحكم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن عمر، فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن، إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله، قال ابن عمر: (فهو كما قال في سبيل الله)، فقلت: ما زدتها فيما سألت عنه إلا غما، قال: (فما تأمرني يا ابن أبي نعم؟ ! آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون فيعتدون في الأرض ويقطعون السبيل) ! قال: قلت: فما تأمرها؟ قال: آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله الحرام، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن، ليسوا كوفد الشيطان، ثلاثا يقولها.
وقد أجيب بما يلي:
بأن المتبادر إلى الأفهام من كلمة ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) في آية المصارف: هو: الغزو.
وقال المباركفوري: وأما الأحاديث التي استدل بها أهل القول الثاني فقد أجيب عنها بوجهين:
الأول: الكلام فيها إسنادا، فإن حديث ابن عباس في إسناده عامر بن
_________________
(١) سورة التوبة الآية ٦٠
[ ١ / ١٢٠ ]
عبد الواحد الأحول، وقد تكلم فيه أحمد والنسائي، وقال الحافظ: صدوق يخطئ، وقد روى الشيخان عن ابن عباس نحو هذه القصة، وليس عندهما أنه جعل جمله حبيسا في سبيل الله، ولا أن رسول الله ﷺ قال: «لو أحججتها عليه كان في سبيل الله (١)»، وأما حديث أم معقل ففيه اضطراب كثير واختلاف شديد في سنده ومتنه حتى تعذر الجمع والترجيح مع ما في بعض طرقه من راو ضعيف ومجهول ومدلس قد عنعن، وهذا مما يوجب التوقف فيه، وذلك لا شك فيه، من ينظر في طرق هذا الحديث في [مسند الإمام أحمد]، وفي السنن، مع حديث ابن عباس عند الشيخين وأبي داود وابن أبي شيبة، ومع قصة أم طليق عند ابن السكن وابن منده والدولابي، وقد حمل ذلك بعضهم على وقائع متعددة ولا يخفي بعده، وأما حديث أبي لاس، فقال الحافظ في [الفتح]،: رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق؟ ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته. اهـ.
ويشير بذلك ما حكي عنه أنه قال: إن ثبت حديث ابن لاس قلت بذلك، قال الحافظ: وتعقب بأنه يحتمل أنهم كانوا فقراء وحملوا عليها خاصة ولم يتملكوها. انتهى.
وأما أثر ابن عباس فهو أيضا مضطرب صرح به أحمد، كما في [الفتح]، وقد بين اضطرابه الحافظ؛ ولذلك كف أحمد عن القول بالإعتاق من الزكاة تورعا، وقيل: بل رجع عن هذا القول.
والثاني: أنه لا ينكر أن الحج من سبيل الله، بل كل فعل خير من سبل الله، لكن لا يلزم من هذا أن يكون السبيل المذكور في هذه الأحاديث هو
_________________
(١) سنن أبو داود المناسك (١٩٩٠) .
[ ١ / ١٢١ ]
المذكور في الآية، فإن المراد في هذه الأحاديث المعنى الأعم، وفي الآية نوع خاص منه وهو الغزو والجهاد؛ لحديث أبي سعيد وإلا فجميع الأصناف من سبيل الله بذلك المعنى.
قال ابن حزم: فإن قيل: قد روي عن رسول الله ﷺ أن «الحج من سبيل الله،» وصح عن ابن عباس أن يعطى منها في الحج قلنا: نعم، وكل فعل خير فهو من سبيل الله تعالى، إلا أنه لا خلاف في أنه تعالى لم يرد كل وجه من وجوه البر في قسمة الصدقات، فلم يجز أن توضح إلا حيث بين النص، وهي الذي ذكرنا. انتهى.
وقال ابن قدامة: هذا- أي: عدم صرف الزكاة في الحج- أصح؛ لأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم وابن السبيل، أو من يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين، والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضا إليه؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقط ولا مصلحة له في إيجابه عليه وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وأما الخبر (يعني: حديث أن «الحج في سبيل الله» فلا يمنع أن يكون الحج من سبيل الله، والمراد بالآية غيره لما ذكرنا. انتهى.
وقال ابن الهمام متعقبا على الاستدلال المذكور: ثم فيه نظر؛ لأن المقصود ما هو المراد بسبيل الله المذكور في الآية؟ والمذكور في الحديث لا يلزم كونه إياه لجواز أنه أراد الأمر الأعم وليس ذلك المراد في الآية، بل
[ ١ / ١٢٢ ]
نوع مخصوص، وإلا فكل الأصناف في سبيل الله بذلك المعنى انتهى. وقال صاحب تفسير [المنار]، بعد الكلام في سند حديث أم معقل ما لفظه: وأقول من جهة المعنى: أولا: إن جعل أبي معقل جمله في سبيل الله أو وصيته به صدقة تطوع وهي لا يشترط فيها أن تصرف في هذه الأصناف التي قصرتها عليها الآية. وثانيا: إن حج امرأته عليه ليس تمليكا لها يخرج الجمل عن بقائه على ما أوصى به أبو معقل ويقال مثل هذا في حديث أبي لاس. وثالثا: أن الحج من سبيل الله بالمعنى العام للفظ، والراجح المختار: أنه غير مراد في الآية. انتهى (١)
وقال أبو الفرج ابن قدامة: ولأن الزكاة إنما تصرف لأحد رجلين: محتاج إليها؛ كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه المسلمون؛ كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين، والحج للفقير لا نفع للمسلمين فيه ولا حاجة بهم إليه، ولا حاجة به أيضا؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة قد رفعه الله منها، وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف أو صرفه في مصالح المسلمين أولى. اهـ (٢) .
_________________
(١) [المرآة على المشكاة]، (٣\ ١١٧، ١١٨) .
(٢) [الشرح الكبير]، (٢\ ٧٠١) (الطبعة المشتركة مع المغني) .
[ ١ / ١٢٣ ]