وإذا كان لسبيل الله مع الإنفاق هذان المعنيان: العام والخاص- كما ذكرنا- فما المراد به معنا في الآية التي حددت مصارف الزكاة، والإنفاق ملحوظ فيها وإن لم يذكر لفظه؟
إن الذي أرجحه أن المعنى العام لسبيل الله لا يصلح أن يراد هنا؛ لأنه بهذا العموم يتسع لجهات كثيرة، لا تحصر أصنافها فضلا عن أشخاصها، وهذا ينافي حصر المصارف في ثمانية، كما هو ظاهر الآية، وكما جاء عن النبي ﷺ: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء (١)»، كما أن سبيل الله بالمعنى العام يشمل إعطاء الفقراء والمساكين وبقية الأصناف السبعة الأخرى؛ لأنها جميعها من البر وطاعة الله، فما الفرق إذا بين هذا المصرف وما سبقه وما يلحقه؟
إن كلام الله البليغ المعجز يجب أن ينزه عن التكرار بغير فائدة، فلا بد أن يراد به معنى خاص يميزه عن بقية المصارف، وهذا ما فهمه المفسرون والفقهاء من أقدم العصور، فصرفوا معنى سبيل الله إلى الجهاد، وقالوا: إنه المراد به عند إطلاق اللفظ؛ ولهذا قال ابن الأثير: إنه صار لكثرة الاستعمال فيه كأنه مقصور عليه، كما نقلنا عنه في أول الفصل، ومما يؤيد ما قاله ابن الأثير؛ ما رواه الطبراني: إن الصحابة كانوا يوما مع رسول الله
_________________
(١) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٠) .
[ ١ / ١٤٣ ]
ﷺ فرأوا شابا جلدا، فقالوا: لو كان شبابه وجلده في سبيل الله؟ " (١) . يريدون. في الجهاد ونصرة الإسلام.
وصحت أحاديث كثيرة عن الرسول ﷺ وأصحابه تدل على أن المعنى المتبادر لكلمة (سبيل الله) هو الجهاد، كقول عمر ﵁ في الحديث الصحيح: (حملت على فرس في سبيل الله) يعني: في الجهاد، وحديث الشيخين: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها (٢)»، وحديث البخاري: «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريه وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة (٣)» يعني: حسنات، وحديث الشيخين؛ «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا (٤)» وحديث النسائي والترمذي وحسنه: «من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت بسبعمائة ضعف (٥)» وحديث البخاري: «ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار (٦)» (٧) وغيرها كثير. ولم يفهم أحد من سبيل الله فيها إلا الجهاد.
فهذه القرائن كلها كافية في ترجيح أن المراد من (سبيل الله) في الآية المصارف: هو الجهاد، كما قال الجمهور، وليس المعنى اللغوي الأصلي، وقد أيد ذلك حديث: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة (٨)» . . . وذكر منهم الغارم والغازي في (سبيل الله) اهـ (٩) .
_________________
(١) قال المنذري في [الترغيب]: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، (٣ \ ٤) ط المنيرية.
(٢) صحيح البخاري الجهاد والسير (٢٧٩٢)، صحيح مسلم الإمارة (١٨٨٠)، سنن الترمذي فضائل الجهاد (١٦٥١)، سنن ابن ماجه الجهاد (٢٨٢٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٢٦٤) .
(٣) صحيح البخاري الجهاد والسير (٢٨٥٣)، سنن النسائي الخيل (٣٥٨٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٧٤) .
(٤) صحيح البخاري الجهاد والسير (٢٨٤٠)، صحيح مسلم الصيام (١١٥٣)، سنن الترمذي فضائل الجهاد (١٦٢٣)، سنن النسائي الصيام (٢٢٤٨)، سنن ابن ماجه الصيام (١٧١٧)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٢٦)، سنن الدارمي الجهاد (٢٣٩٩) .
(٥) سنن الترمذي فضائل الجهاد (١٦٢٥)، سنن النسائي الجهاد (٣١٨٦) .
(٦) صحيح البخاري الجهاد والسير (٢٨١١)، سنن الترمذي فضائل الجهاد (١٦٣٢)، سنن النسائي الجهاد (٣١١٦)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٤٧٩) .
(٧) خرج هذه الأحاديث كلها المنذري في [الترغيب] ج (٢) كتاب الجهاد.
(٨) سنن أبو داود الزكاة (١٦٣٥)، سنن ابن ماجه الزكاة (١٨٤١)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٦)، موطأ مالك الزكاة (٦٠٤) .
(٩) [فقه الزكاة] للقرضاوي (٢ \ ٦٥٢-٦٥٧) ط \ الأولى.
[ ١ / ١٤٤ ]
هذا ما تيسر ذكره، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب الرئيس رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان عبد الرزاق عفيفي إبراهيم بن محمد آل الشيخ
[ ١ / ١٤٥ ]