نظرا إلى أن الأوراق النقدية أصبحت تلقى قبولا عاما في دنيا
[ ١ / ٨٢ ]
المعاوضات كوسيط للتبادل، وأنها بذلك حلت محل الذهب والفضة في الثمنيه، وحيث أن السنة النبوية نصت على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة، ونظرا إلى أن أهل العلم اختلفوا في تعيين علة لجريان الربا فيهما، نظرا إلى ذلك كله كان من المناسب أن يشتمل هذا البحث على بيان أقوال أهل العلم في علة الربا في النقدين ونقاش ما استند إليه كل قول مما يقبل النقاش.
لقد اختلف العلماء في تعليل تحريم الربا في النقدين الذهب والفضة: فمن نفى التعليل أو تعذر عليه إقامة دليل يرضاه لإثبات علة التحريم: قصر العلة فيهما مطلقا سواء كانا تبرا أو مسكوكين أو مصنوعين.
وهذا مذهب أهل الظاهر ونفاة القياس وابن عقيل من الحنابلة، حيث إنه يرى العلة فيهما ضعيفة لا يقاس عليها، فلا ربا عند هؤلاء في الفلوس ولا في الأوراق النقدية ولا في غيرها مما يعد نقدا، وتحريم الربا فيهما عندهم تعبدي، وأما غيرهم فقد استنبط مناطا تنضبط به قاعدة ما يجري فيه الربا إلا أتهم اختلفوا في تخريج المناط.
ويمكن حصر آرائهم في ثلاثة أقوال:
الأولى: يتلخص القول الأول في أن علة الربا في النقدين الوزن؛ لقوله ﷺ: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن (١)»، ولقوله: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل (٢)»
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٥٨٤) (٧٧) وأبو داود برقم (٣٣٥٣) والنسائي في [المجتبى]، برقم (٥٤٧٠) .
(٢) أخرجه أحمد (٢ \ ٢٦٢) و(٦ \ ١٩) ومسلم برقم (١٥٨٨) (٨٤) والنسائي في [المجتبى]، برقم (٤٥٦٩) .
[ ١ / ٨٣ ]
وقوله: «ما وزن مثلا بمثل (١)»، وقوله: «بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا (٢)» .
وقال في [الميزان]، مثل ذلك (٣)، فجعل ضابط ما يجري فيه الربا وتجب فيه المماثلة الوزن في الموزونات، وطرد أصحاب هذا القول القاعدة في جريان الربا في كل ما يوزن؛ كالحديد، والنحاس، والرصاص، والصفر، والصوف، والقطن والكتان، وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي. ويمكن أن يورد على هذا القول ما يلي:
(أ) الوزن وصف طردي محض لا مناسبة فيه (٤) .
(ب) العلماء متفقون على جواز إسلام النقدين في الموزونات، وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، وفي جواز ذلك نقض للعلة.
(ج) أن حكمة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن؛ بل هي متعدية إلى غيره مما يعد ثمنا ولا يتعامل به وزنا، كالفلوس، والورق النقدي، فإن الظلم المراعى إبعاده في تحريم الربا في النقدين واقع في التعامل بالورق النقدي وبشكل واضح في غالبه تتضاءل معه صورة الظلم الواقع في
_________________
(١) رواه الدارقطني برقم (٥٨) .
(٢) صحيح البخاري البيوع (٢٢٠٢)، صحيح مسلم المساقاة (١٥٩٣)، سنن النسائي البيوع (٤٥٥٣)، موطأ مالك البيوع (١٣١٤) .
(٣) [صحيح البخاري]، (٣ \ ٣٥، ٦١) و(٥ \ ٨٣، ٨٤) .
(٤) انظر [إعلام الموقعين]، (٢ \ ١٣٧) .
[ ١ / ٨٤ ]
التعامل بالذهب والفضة متفاضلا في الجنس أو نسيئة في الجنسين، نظرا لارتفاع القيمة الثمنية في بعضها كفئات المائة ريال والألف دولار.
الثاني: ويتلخص هذا القول في أن علة الربا في النقدين غلبة الثمنية، وهذا القول هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي فالعلة عندهما قاصرة على الذهب والفضة، والقول بغلبة الثمنية احتراز عن الفلوس إذا راج رواج النقدين فالثمنية طارئة عليها فلا ربا فيها.
ويمكن أن يورد على هذا الرأي ما يلي:
(أ) أن العلة القاصرة لا يصح التعليل بها في اختيار أكثر أهل العلم منقوضة طردا بالفلوس؛ لأنها أثمان وعكسا بالحلي (١)
(ب) أن حكمة تحريم الربا في النقدين ليست مقصورة عليهما؛ بل تتعداهما إلى غيرهما من الأثمان كالفلوس والورق النقدي.
الثالث: ويتلخص في أن علة الربا في النقدين مطلق الثمنية.
وهذا القول إحدى الروايات عن الإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة.
قال أبو بكر من أصحاب أحمد: روى ذلك عن أحمد جماعة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله وغيرهما من محققي أهل العلم (٢)
_________________
(١) انظر [مجموع النووي]، (٩ \ ٤٤٥)، وانظر الفروع، (٢ \ ٥٤٥) .
(٢) انظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام]، (٢٩ \ ٤٧٣، ٤٧٤)، وانظر إعلام الموقعين]، (٢ \ ١٣٧) .
[ ١ / ٨٥ ]
وقد أورد ابن مفلح على هذا القول إيرادا ملخصه: بأن التعليل بالثمنية تعليل بعلة قاصرة لا يصلح التعليل بها في الأكثر منقوضة طردا بالفلوس لأنها أثمان وعكسا بالحلي (١) .
ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد: بأنه لا يتجه إلا على القائلين بغلبة الثمنية، أما القائلون بمطلق الثمنية فلم يخرجوا الفلوس الرائجة عن حكم النقدين، بل اعتبروها نقدا يجري فيه الربا كما يجري فيهما، كما أنهم لم يقولوا بجريان الربا في الحلي المصنوع من الذهب أو الفضة؛ لأن الصناعة قد نقلته من جنس الثمنية إلى أجناس السلع والثياب؛ ولهذا لا تجب فيه الزكاة على القول المشهور في مذهب الإمام أحمد مع أنه من الذهب والفضة (٢) .
كما يمكن أن يورد على القائلين بمطلق الثمنية إيراد ملخصه: بأن إجماع العلماء منعقد على جريان الربا بنوعيه في الذهب والفضة، سواء أكانا سبائك أو مسكوكين، فما سك منهما نقدا فلا إشكال في جريان الربا فيه؛ لكونه ثمنا وإنما الإشكال في جريان الربا في سبائكهما مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنا، ويمكن أن يجاب عن هذا الإيراد: بأن الثمنية موغلة في الذهب والفضة وشاملة لسبائكهما، بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدا قبل سكها نقودا، وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن.
_________________
(١) انظر [الفروع]، وتصحيحه (٢ \ ٥٤٥) .
(٢) انظر [إعلام الموقعين]، (٢ \ ١٤٥ - ١٤٢)، وانظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية] (٢٩ \ ٤٥٣) .
[ ١ / ٨٦ ]
ومن ذلك ما رواه الخمسة وصححه الترمذي عن سويد بن قيس قال: «جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي، فساومنا سراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجرة فقال له: " زن وارجح»، ومثله حديث جابر في بيعه جمله على رسول الله ﷺ حينما قال: «يا بلال أقضه وزده (١)» فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا (٢) .
هذا ما تيسر إيراده. وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو نائب الرئيس رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان عبد الرزاق عفيفي إبراهيم بن محمد آل الشيخ
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الوكالة (٢٣٠٩)، صحيح مسلم المساقاة (٧١٥)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٣١٤) .
(٢) انظر [مجموع فتاوى شيخ الإسلام]، (١٩ \ ٢٤٨)، وانظر [إعلام الموقعين]، (٢ \ ١٤٠) .
[ ١ / ٨٧ ]