رقم (١٨) وتاريخ ١٢ \ ١١ \ ١٣٩٣ هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الثالثة، المنعقدة في شهر ربيع الثاني عام ١٣٩٣ هـ بحث مسألة (الطلاق الثلاث بلفظ واحد) واستنادا إلى المادة السابعة من لائحة سير العمل في هيئة كبار العلماء، والتي تنص على: أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة يتم بطلب من ولي الأمر أو بتوصية من الهيئة، أو من أمينها، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة - فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها المنعقدة في ما بين ٢٩ \ ١٠ \ ١٣٩٣ هـ و١٢ \ ١١ \ ١٣٩٣ هـ في هذه الدورة جرى دراسة الموضوع.
بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في موضوع (الطلاق الثلاث بلفظ واحد) .
وبعد دراسة المسألة، وتداول الرأي، واستعراض الأقوال التي قيلت فيها، ومناقشة ما على كل قول من إيراد - توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا؛ وذلك لأمور أهمها ما
[ ١ / ٥٤١ ]
يلي:
أولا: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) إلى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢)
فإن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه عدة، وما كان صاحبه مخيرا بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان. وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة، فلم يكن طلاقا للعدة، وفي فحوى هذه الآية دلالة على وقوع الطلاق لغير العدة، إذ لو لم يقع لم يكن ظالما لنفسه بإيقاعه لغير العدة، ولم ينسد الباب أمامه حتى يحتاج إلى المخرج الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٣) وهو الرجعة حسبما تأوله ابن عباس ﵁ حين قال للسائل الذي سأله - وقد طلق ثلاثا -: إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٤) وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك.
ولا خلاف في أن من لم يطلق للعدة بأن طلق ثلاثا مثلا فقد ظلم نفسه، فعلى القول بأنه إذا طلق ثلاثا فلا يقع من طلاقه إلا واحدة، فما هي التقوى التي بالتزامها يكون المخرج واليسر، وما هي عقوبة هذا الظالم نفسه المتعدي لحدود الله حيث طلق بغير العدة، فلقد جعل الشارع على من قال قولا منكرا لا يترتب عليه مقتضى قوله المنكر عقوبة له على ذلك كعقوبة
_________________
(١) سورة الطلاق الآية ١
(٢) سورة الطلاق الآية ١
(٣) سورة الطلاق الآية ٢
(٤) سورة الطلاق الآية ٢
[ ١ / ٥٤٢ ]
المظاهر من امرأته بكفارة الظهار، فظهر والله أعلم: أن الله تعالى عاقب من طلق ثلاثا بإنفاذها عليه وسد المخرج أمامه، حيث لم يتق الله فظلم نفسه وتعدى حدود الله.
ثانيا: ما في [الصحيحين] عن عائشة ﵂: «أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت، فسئل النبي ﷺ أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول (١)»، فقد ذكره البخاري ﵀ تحت ترجمة (باب من أجاز الطلاق ثلاثا)، واعترض على الاستدلال به بأنه مختصر من قصة رفاعة بن وهب التي جاء في بعض رواياتها عند مسلم أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات.
ورد الحافظ ابن حجر ﵀ الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فلا مانع من التعدد، فإن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها، ثم قال: وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب. اهـ.
وعند مقابلة هذا الحديث بحديث ابن عباس الذي رواه عنه طاوس «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة (٢)» إلخ. . .) فإن الحال لا تخلو من أمرين: إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة وحديث طاوس أنها مجتمعة أو متفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة
_________________
(١) صحيح البخاري الطلاق (٥٢٦١) .
(٢) صحيح مسلم الطلاق (١٤٧٢)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٠٦)، سنن أبو داود الطلاق (٢١٩٩) .
[ ١ / ٥٤٣ ]
فلا حجة في حديث طاوس على محل النزاع في وقوع الثلاث بلفظ واحد واحدة، وأما اعتبار الثلاث في حديث عائشة مفرقة وفي حديث طاوس مجتمعة فلا وجه له ولا دليل عليه.
ثالثا: لما وجه به بعض أهل العلم كابن قدامة - ﵀ - حيث يقول: ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا فصح مجتمعا كسائر الأملاك. والقرطبي ﵀ حيث يقول: وحجة الجمهور من جهة اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدا، وهو أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشارع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير، فلو قال الولي: أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد، كما لو قال: أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذلك في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام. اهـ، وغاية ما يمكن أن يتجه على المطلق بالثلاث لومه على الإسراف برفع نفاذ تصرفه.
رابعا: لما أجمع عليه أهل العلم إلا من شذ في إيقاع الطلاق من الهازل، استنادا إلى حديث أبي هريرة وغيره مما تلقته الأمة بالقبول، من أن «ثلاثا جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة (١)» ولأن قلب الهازل بالطلاق عمد ذكره، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تعليله القول بوقوع الطلاق من الهازل، حيث قال: ومن قال: لا لغو في الطلاق فلا حجة معه؛ بل عليه؛ لأنه لو سبق لسانه بذكر الطلاق من غير عمد القلب لم يقع به وفاقا، وأما إذا قصد اللفظ به هازلا فقد عمد قلبه
_________________
(١) سنن الترمذي الطلاق (١١٨٤)، سنن أبو داود الطلاق (٢١٩٤)، سنن ابن ماجه الطلاق (٢٠٣٩) .
[ ١ / ٥٤٤ ]
ذ كره. اهـ.
فإن ما زاد على الواحدة لا يخرج عن مسمى الطلاق بل هو من صريحه، واعتبار الثلاث واحدة إعمال لبعض عدده دون باقيه بلا مسوغ، اللهم إلا أن يكون المستند في ذلك حديث ابن عباس، ويأتي الجواب عنه إن شاء الله.
خامسا: إن القول بوقوع الثلاث ثلاثا قول أكثر أهل العلم، فلقد أخذ به عمر وعثمان وعلي والعبادلة: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود، وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ، وقال به الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وذكر ابن عبد الهادي عن ابن رجب ﵀ قوله: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام - شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة، إذا سبق بلفظ واحد. اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بحثه الأقوال في ذلك: الثاني: أنه طلاق محرم ولازم، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين. اهـ.
وقال ابن القيم: واختلف الناس فيها - أي: في وقوع الثلاث بكلمة واحدة - على أربعة مذاهب: أحدها: أنه يقع، وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة. اهـ.
[ ١ / ٥٤٥ ]
وقال القرطبي: قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف.
وقال ابن العربي في كتابه: [الناسخ والمنسوخ] ونقله عنه ابن القيم ﵀ في [تهذيب السنن]: قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يلزم، وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطأة الضعيف المنزلة والمغموز المرتبة، ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل. . . إلى أن قال: وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد، إلى أن قال: وأما حديث الحجاج بن أرطأة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة. اهـ.
سادسا: لتوجه الإيرادات على حديث ابن عباس ﵁: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة (٢)» إلى آخر الحديث، مما يضعف الأخذ به والاحتجاج بما يدل عليه، فإنه يمكن أن يجاب عنه بما يلي:
(أ) ما قيل من أن الحديث مضطرب سندا ومتنا:
أما اضطراب سنده: فلروايته تارة عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٢٩
(٢) صحيح مسلم الطلاق (١٤٧٢)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٠٦)، سنن أبو داود الطلاق (٢١٩٩) .
[ ١ / ٥٤٦ ]
عباس.
وأما اضطراب متنه: فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة، وتارة يقول: «ألم تعلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة (١)» .
(ب) قد تفرد به عن ابن عباس طاوس، وطاووس متكلم فيه من حيث روايته المناكير عن ابن عباس، قال القاضي إسماعيل في كتابه [أحكام القرآن]: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث، وعن أيوب أنه كان يعجب من كثرة خطأ طاوس، وقال ابن عبد البر: شذ طاوس في هذا الحديث، وقال ابن رجب: وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل، ونقل القرطبي عن ابن عبد البر أنه قال: رواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والمغرب.
(ج) ما ذكره بعض أهل العلم من أن الحديث شاذ من طريقين:
أحدهما: تفرد طاوس بروايته، وأنه لم يتابع عليه، قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما روى طاوس، وقال الجوزجاني: هو حديث شاذ، وقال ابن رجب ونقله عنه ابن عبد الهادي: وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلا. الثاني: ما ذكره البيهقي، فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم
_________________
(١) صحيح مسلم الطلاق (١٤٧٢)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٠٦)، سنن أبو داود الطلاق (٢١٩٩) .
[ ١ / ٥٤٧ ]
الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئا ويفتي بخلافه، وقال ابن التركماني: وطاووس يقول: إن أبا الصهباء مولاه سأله عن ذلك ولا يصح ذلك عن ابن عباس لرواية الثقات عنه خلافه، ولو صح عنه ما كان قوله حجة على من هو من الصحابة أجل وأعلم منه وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وغيرهم. اهـ.
فلما في هذا الحديث من الشذوذ فقد أعرض عنه الشيخان الجليلان أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فقد قال للأثرم وابن منصور: بأنه رفض حديث ابن عباس قصدا؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد، لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، والإمام محمد بن إسماعيل البخاري ذكر عنه البيهقي أنه ترك الحديث عمدا لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد، ولا شك أنهما لم يتركاه إلا لموجب يقتضي ذلك.
(د) أن حديث ابن عباس يتحدث عن حالة اجتماعية مفروض فيها أن تكون معلومة لدى جمهور معاصريها، وتوفر الدواعي لنقلها بطرق متعددة مما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف، ومع هذا لم تنقل إلا بطريق أحادي عن ابن عباس فقط، ولم يروها عن ابن عباس غير طاوس الذي قيل عنه بأنه يروي المناكير، ولا يخفى ما عليه جماهير علماء الأصول من أن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي لنقله متوفرة، ولم ينقله إلا واحد ونحوه أن ذلك يدل على عدم صحته، فقد قال صاحب [جمع الجوامع] عطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة. اهـ.
[ ١ / ٥٤٨ ]
وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: إذا انفرد واحد فيما يتوافر الدواعي على نقله وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ.
فلا شك أن الدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله ﷺ والمسلمون بعده في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، من أن الطلاق الثلاث كانت تجعل واحدة متوفرة توافرا لا يمكن إنكاره، ولا شك أن سكوت جميع الصحابة عنه حيث لم ينقل عنهم حرف واحد في ذلك غير ابن عباس، يدل دلالة واضحة على أحد أمرين: إما أن المقصود بحديث ابن عباس ليس معناه بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد، وإما أن الحديث غير صحيح لنقله آحادا مع توفر الدواعي لنقله.
(هـ) ما عليه ابن عباس ﵁ من التقى والصلاح والعلم والاستقامة والتقيد بالاقتداء والقوة في الصدع بكلمة الحق التي يراها، يمنع القول بانقياده إلى ما أمر به عمر ﵁ من إمضاء الثلاث والحال أنه يعرف حكم الطلاق الثلاث في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر من أنه يجعل واحدة.
فلا يخفى خلافه مع عمر ﵄ في متعة الحج وبيع الدينار بالدينارين وفي بيع أمهات الأولاد وغيرها من مسائل الخلاف، فكيف يوافقه في شيء يروي عن النبي ﷺ فيه خلافه، وإلى قوته ﵁ في الصدع بكلمة الحق التي يراها، تشير كلمته المشهورة في مخالفته عمر في متعة الحج وهي قوله: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول:
[ ١ / ٥٤٩ ]
قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.
(و) على فرض صحة حديث ابن عباس فإن ما عليه أصحاب رسول الله ﷺ من التقى والصلاح والاستقامة وتمام الاقتداء بما عليه الحال المعتبرة شرعا في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر - يمنع القول بانقيادهم إلى أمر عمر ﵁ في إمضاء الثلاث، والحال أنهم يعرفون ما كان عليه أمر الطلاق الثلاث في ذلك العهد، ومع هذا فلم يثبت بسند صحيح أن أحدا منهم أفتى بمقتضى ما عليه الأمر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر حسبما ذكره ابن عباس في حديثه.
(ز) ما في حديث ابن عباس من الدلالة على أن عمر أمضى الثلاث عقوبة للناس؛ لأنهم قد استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة. وهذا مشكل، ووجه الإشكال: كيف يقرر عمر ﵁ - وهو هو تقى وصلاحا وعلما وفقها - بمثل هذه العقوبة التي لا تقتصر آثارها على من استحقها، وإنما تتجاوزه إلى طرف آخر ليس له نصيب في الإجرام، ونعني بالطرف الآخر: الزوجات، حيث يترتب عليها إحلال فرج حرام على طرف ثالث، وتحريم فرج حلال بمقتضى عقد الزواج، وحقوق الرجعة، مما يدل على أن حديث طاوس عن ابن عباس فيه نظر.
وأما المشايخ: عبد العزيز بن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الله خياط، وراشد بن خنين، ومحمد بن جبير - فقد اختاروا القول بوقوع الثلاث واحدة، ولهم وجهة نظر مرفقة، وأما الشيخ صالح بن لحيدان فقد أبدى التوقف.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة الرابعة
عبد الله بن محمد بن حميد
عبد الله خياط مخالف عبد العزيز بن صالح إبراهيم بن محمد آل الشيخ
عبد الله بن غديان صالح بن لحيدان محمد الأمين الشنقيطي
عبد المجيد حسن سليمان بن عبيد راشد بن خنين
عبد الله بن منيع عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن باز
محمد الحركان صالح بن غصون محمد بن جبير
[ ١ / ٥٥١ ]