والمتتبع لكلمة (سبيل الله) مقرونة بالإنفاق يجد لها معنيين:
١ - معنى عام- حسب مدلول اللفظ الأصلي-: يشمل كل أنواع البر والطاعات وسبل الخيرات، وذلك كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وقوله:
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٦١
[ ١ / ١٤٠ ]
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) فلم يفهم أحد من هذه الآية خاصة أن سبيل الله فيها مقصور على القتال وما يتعلق به بدليل ذكر المن والأذى، وهما إنما يكونان عند الإنفاق على الفقراء وذوي الحاجة وبخاصة الأذى، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢) فالمراد بسبيل الله في هذه الآية المعنى الأعم - كما قال الحافظ ابن حجر (٣) - لا خصوص القتال، وإلا لكان الذي ينفق ماله على الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ونحوها- دون خصوص القتال- داخلا في دائرة الكانزين المبشرين بالعذاب. وزعم بعض المعاصرين: أن كلمة ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) إذا قرنت بالإنفاق كان معناها الجهاد جزما ولا تحتمل غيره مطلقا، وهو زعم غير مبني على الاستقراء التام لموارد الكلمة في الكتاب العزيز، وآيتا البقرة والتوبة المذكورتان تردان عليه.
٢ - والمعنى الثاني معنى خاص، وهو: نصرة دين الله، ومحاربة أعدائه، وإعلاء كلمته في الأرض، ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٥) والسياق هو الذي يميز هذا المعنى الخاص من المعنى العام السابق، وهذا المعنى هو الذي يجيء بعد القتال والجهاد مثل: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦)
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٦٢
(٢) سورة التوبة الآية ٣٤
(٣) [فتح الباري] (٣ \ ١٧٢) .
(٤) سورة التوبة الآية ٦٠
(٥) سورة البقرة الآية ١٩٣
(٦) سورة آل عمران الآية ١٦٧
[ ١ / ١٤١ ]
﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) ومن ذلك قوله تعالى بعد آيات القتال في سورة البقرة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢) فالإنفاق هنا إنفاق في نصرة الإسلام وإعلاء كلمته على أعدائه المحاربين له الصادين عنه.
ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣) فالسياق يدل على أن الإنفاق هنا كالإنفاق في الآية السابقة.
وفي سورة الأنفال قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٤)
فالمقام يدل بوضوح على أن سبيل الله في الآية هو محاربة أعداء الله ونصرة دين الله، كما صرح بذلك الحديث الصحيح: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (٥)» .
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢١٨
(٢) سورة البقرة الآية ١٩٥
(٣) سورة الحديد الآية ١٠
(٤) سورة الأنفال الآية ٦٠
(٥) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري [صحيح البخاري] (١ \ ٤٠) و[صحيح مسلم] برقم (١٩٠٤) .
[ ١ / ١٤٢ ]
وهذا المعنى الخاص هو الذي يعبر عنه أحيانا بالجهاد والغزو، وتفسيرنا له بنصرة الإسلام أولى، وإلا لكان مضمون معنى ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) جاهدوا في الجهاد.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢١٨
[ ١ / ١٤٣ ]