نرى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، وقد سبقنا إلى القول بهذا ابن عباس في رواية صحيحة ثابتة عنه، وأفتى به: الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود من الصحابة في رواية عنهم، وأفتى به: عكرمة، وطاووس وغيرهما من التابعين، وأفتى به ممن بعدهم: محمد بن إسحاق، وخلاس بن عمرو، والحارث العكلي، والمجد بن تيمية، وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وتلميذه شمس الدين ابن القيم وغيرهم.
وقد استدل على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)
وبيانه: أن الطلاق الذي شرع للزوج فيه الخيار بين أن يسترجع زوجته أو يتركها بلا رجعة حتى تنقضي عدتها فتبين منه مرتان: مرة بعد مرة، سواء طلق في كل مرة منهما طلقة أو ثلاثا مجموعة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَرَّتَانِ﴾ (٢) ولم يقل طلقتان، ثم قال تعالى في الآية التي تليها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣)
فحكم بأن زوجته تحرم عليه بتطليقه إياها المرة الثالثة حتى تنكح زوجا
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٢٩
(٢) سورة البقرة الآية ٢٢٩
(٣) سورة البقرة الآية ٢٣٠
[ ١ / ٥٥٢ ]
غيره، سواء نطق في المرة الثالثة بطلقة واحدة أم بثلاث مجموعة، فدل على أن الطلاق شرع مفرقا على ثلاث مرات، فإذا نطق بثلاث في لفظ واحد كان مرة واعتبر واحدة.
الدليل الثاني: ما رواه مسلم في [صحيحه]، من طريق طاوس عن ابن عباس ﵁ قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ﵁: (إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم) فأمضاه عليهم (١)» .
وفي [صحيح مسلم]، أيضا عن طاوس عن ابن عباس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟ ! قال: (قد كان ذلك)، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم) .
فهذا الحديث واضح الدلالة على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد، طلقة واحدة وعلى أنه لم ينسخ لاستمرار العمل به في عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر؛ ولأن عمر علل إمضاءه ثلاثا بقوله: (إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة) ولم يدع النسخ ولم يعلل الإمضاء به، ولا بظهوره بعد خفائه؛ ولأن عمر استشار الصحابة في إمضائه ثلاثا، وما كان عمر ليستشير أصحابه في العدول عن العمل بحديث علم أو ظهر له أنه منسوخ.
وما أجيب به عن حديث ابن عباس فهو: إما تأويل متكلف، وحمل للفظه على خلاف ظاهره بلا دليل، وإما طعن فيه بالشذوذ والاضطراب
_________________
(١) صحيح مسلم الطلاق (١٤٧٢)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٠٦)، سنن أبو داود الطلاق (٢١٩٩) .
[ ١ / ٥٥٣ ]
وضعف طاوس، وهذا مردود بأن مسلما رواه في [صحيحه]، وقد اشترط ألا يروي في كتابه إلا الصحيح من الأحاديث، ثم إن الطاعنين فيه قد احتجوا بقول عمر في آخره: (إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم)، فأمضاه عليهم، فكيف يكون آخره حجة مقبولة ويكون صدره مردودا لاضطرابه وضعف راويه؟
وأبعد من هذا ما ادعاه بعضهم من أن العمل كان جاريا على عهد النبي ﷺ بجعل الطلاق الثلاث واحدة لكنه ﷺ لم يعلم بذلك، إذ كيف تصح هذه الدعوى والقرآن ينزل والوحي مستمر، وكيف تستمر الأمة على العمل بالخطأ في عهده وعهد أبي بكر وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر، وكيف يعتذر عمر في عدوله عن ذلك إلى إمضائه عليهم بما ذكر في الحديث من استعجال الناس في أمر كانت لهم فيه أناة.
ومن الأمور الواهية التي حاولوا بها رد الحديث معارضته بفتوى ابن عباس على خلافه، ومن المعلوم عند علماء الحديث وجمهور الفقهاء أن العبرة بما رواه الراوي متى صحت الرواية، لا برأيه وفتواه بخلافه، لأمور كثيرة استندوا إليها في ذلك، وجمهور من يقول بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يعتبر ثلاثا يقولون بهذه القاعدة، ويبنون عليها الكثير من الفروع الفقهية، وقد عارضوا الحديث أيضا بما ادعوه من الإجماع على خلافه بعد سنتين من خلافة عمر ﵁ مع العلم بأنه قد ثبت الخلاف في اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا، واعتباره واحدة بين السلف والخلف، واستمر إلى يومنا، ولا يصح الاستدلال على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ
[ ١ / ٥٥٤ ]
واحد ثلاثا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في تحريم الرسول ﷺ زوجة رفاعة القرظي عليه حتى تنكح زوجا غيره لتطليقه إياها ثلاثا؛ لأنه ثبت أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، كما رواه مسلم في [صحيحه] فكان الطلاق مفرقا، ولم يثبت أن رفاعة بن وهب النضري جرى له مع زوجته مثل ما جرى لرفاعة القرظي حتى يقال بتعدد القصة، وأن إحداهما كان الطلاق فيها ثلاثة مجموعة، ولم يحكم ابن حجر بتعدد القصة بل قال: إن كان محفوظا - يعني حديث رفاعة النضري - فالواضح تعدد القصة، واستشكل ابن حجر تعدد القصة في كتابه [الإصابة]، قال: لكن المشكل اتحاد اسم الزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير.
الدليل الثالث: ما رواه الإمام أحمد في [مسنده]، قال: حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد - أخو بني المطلب - امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ: كيف طلقتها، قال: طلقتها ثلاثا قال؟ فقال: في مجلس واحد قال: نعم، فقال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت، قال: فراجعها (١)»، قال: فكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر.
قال ابن القيم في كتابه [إعلام الموقعين]: (وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه)، وضعف أحمد وأبو عبيد والبخاري ما روي من أن ركانة طلق زوجته بلفظ - ألبتة.
الدليل الرابع: بالإجماع، وبينه ابن تيمية وابن القيم وغيرهما بأن الأمر
_________________
(١) سنن أبو داود الطلاق (٢١٩٦)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢٦٥) .
[ ١ / ٥٥٥ ]
لم يزل على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة في عهد أبي بكر وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر، وأن ما روي عن الصحابة من الفتوى بخلاف ذلك فإنما كان من بعضهم بعدما أمضاه عمر ثلاثا تعزيرا وعقوبة، لما استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، ولم يرد عمر بإمضاء الثلاث أن يجعل ذلك شرعا كليا مستمرا، وإنما أراد أن يلزم به ما دامت الدواعي التي دعت إليه قائمة، كما هو الشأن في الفتاوى التي تتغير بتغير الظروف والأحوال.
وللإمام أن يعزر الرعية عند إساءة التصرف في الأمور التي لهم فيها الخيار بين الفعل والترك بقصرهم على بعضها ومنعهم من غيره، كما منع النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا من زوجاتهم مدة من الزمن عقوبة لهم على تخلفهم عن غزوة تبوك مع أن زوجاتهم لم يسئن، وكالزيادة في عقوبة شرب الخمر، وتحديد الأسعار عند استغلال التجار مثلا للظروف وتواطئهم على رفع الأسعار دون مسوغ شرعي إقامة للعدل، وفي معنى هذا تنظيم المرور، فإنه فيه منع الناس من المرور في طرق قد كان مباحا لهم السير فيها من قبل؛ محافظة على النفوس والأموال، وتيسيرا للسير مع أمن وسلام.
الدليل الخامس: قياس الطلاق الثلاث على شهادات اللعان، قالوا: كما لا يعتبر قول الزوج في اللعان: أشهد بالله أربع شهادات أني رأيتها تزني إلا شهادة واحدة لا أربعا، فكذا لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا لا يعتبر إلا طلقة واحدة لا ثلاثا، ولو قال: أقر بالزنا أربعا مكتفيا بذكر اسم العدد عن تكرار الإقرار لم يعتبر إلا واحدة عند من اعتبر التكرار في الإقرار، فكذا لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا مكتفيا باسم العدد عن تكرار الطلاق لم يعتبر
[ ١ / ٥٥٦ ]
إلا واحدة، وهكذا كل ما يعتبر فيه تكرار القول لا يكفي فيه عن التكرار ذكر اسم العدد كالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلوات المكتوبة.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وسلم.
حرر في ١٢ \ ١١ \ ١٣٩٣ هـ.
[ ١ / ٥٥٧ ]