ومن البراهين المنطقية العقلية الدالة على أنَّ القرآن كلام الله تعالى وعلى أنَّ محمدًا رسول الله: أنَّ الله تحدَّى كفار قريش لما كذَّبوا محمدًا ﷺ كغيرهم من مكذبي الأنبياء في الأمم السابقة، وقالوا: إنَّ القرآن ليس كلام الله، تحداهم الله أن يأتوا بمثله، فعجزوا على الرغم من أنه بِلُغَتِهم. وبالرغم من أنهم أفصح الناس، وعلى الرغم أنَّ مِنْ بينهم كبار الخطباء والبلغاء وفحول الشعراء، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سُوَر مثله مَكْذُوبات؛ فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة؛ فعجزوا، ثم أعلن عجزهم.
وعجز جميع الجن والإنس عن الإتيان بمثله، ولو كان بعضهم لبعض مُعينًا، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء]. فلو كان القرآن من كلام محمد أو غيره من الناس لقَدِر غيره من أهل لغته الفصحاء أن يأتوا بمثله، ولكنه كلام الله تعالى، وفضلُ كلام الله وسُمُوُّه على كلام البشر كفضل الله على البشر.
[ ٧٣ ]
وبما أنه ليس لله مثيل فليس لكلامه مثيل؛ وبهذا يتبين أنَّ القرآن كلام الله تعالى، وأنَّ محمدًا رسول الله؛ لأنَّ كلام الله لا يأتي به إلا رسول من عنده، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ]، وقال الله تعالى في القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء]. المعنى الإجمالي للآيات:
يخبر الله تعالى في الآية الأولى أنَّ محمدًا ﷺ رسوله إلى الناس كلهم، وأنه خاتم أنبيائه، فليس بعده نبي، ويخبر أنه اختاره لحمل رسالته، وليكون خاتمًا لرسله؛ لأنه يعلم أنه أصلح الناس لذلك، ويخبر الله سبحانه في الآية الأخرى: أنه أرسل رسوله محمدًا للناس جميعًا: الأبيض والأسود، والعرب وغير العرب، ويخبر أنَّ أكثر الناس لا يعلمون الحق، لذا ضلوا وكفروا بعدم اتباعهم لمحمد ﷺ.
ويخاطب الله رسوله محمدًا ﵇ في الآية الثالثة، فيخبره أنه أرسله رحمة للعالَم أجمع، فهو رحمة الله التي تكرَّم بها على الناس، فمن آمن به واتبعه فقد قَبِل رحمة الله، وله الجنة، ومَن لم يؤمن بمحمد ولم يتبعه، فقد ردَّ رحمة الله، واستحق النار والعذاب الأليم.
[ ٧٤ ]