إذا عرفت -أيها العاقل- أنَّ الله خلقك لعبادته؛ فاعلم أن الله أخبر في جميع كتبه التي أنزلها على رسله بأنه سوف يبعثك حيًّا بعد الموت، وسيجازيك على عملك في دار الجزاء بعد الموت، وذلك لأنَّ الإنسان ينتقل بالموت من دار العمل والفناء -وهي هذه الحياة- إلى دار الجزاء والخلود، وهي ما بعد الموت، فإذا تمت المدة التي قدَّر الله للإنسان أن يعيشها أمر الله ملك الموت فقبض روحه من جسده، فيموت بعدما يذوق مرارة الموت قبل خروج روحه من جسده.
أما الروح، فإن الله يجعلها في دار النعيم (الجنة) إن كانت مؤمنة بالله مطيعة له؛ وإن كانت كافرة بالله، مكذِّبة بالبعث والجزاء بعد الموت، جعلها الله في دار العذاب (النار) حتى يأتي موعد نهاية الدنيا فتقوم الساعة، ويموت كل مَنْ بقي من الخلق، فلا يبقى إلا الله وحده، ثم يبعث الله الخلق كلهم -حتى الحيوان- ويعيد كل روح إلى جسدها بعدما يعيد الجسد كاملًا كما خلقه أوَّل مرة، وذلك ليحاسب الناس، ويجازيهم على أعمالهم: الذكر والأنثى، والرئيس والمرؤوس،
[ ٤٥ ]
والغني والفقير، فلا يظلم أحدًا، ويقتص للمظلوم من ظالمه، حتى الحيوانات يقتص لها ممن يظلمها، ويقتص لبعضها من بعض، ثم يقول لها: كوني ترابًا، لأنها لا تدخل جنة ولا نارًا.
ويجازي بني الإنسان والجن كلًّا بعمله؛ فيُدخل المؤمنين به الذين أطاعوه واتبعوا رسله الجنة؛ ولو كانوا أفقر الناس، ويُدخل الكافرين المكذبين النار ولو كانوا أغنى الناس وأشرفهم في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. والجنة: هي دار النعيم، فيها من أصناف النعيم ما لا يقدر أحد على وصفه، فيها مئة درجة (^١)، لكل درجة سُكَّان على قدر قوة إيمانهم بالله وطاعتهم له، وأقل درجةٍ في الجنة يُعطى أهلها من النعيم مثل نعيم أَنْعَم مَلِك في الدنيا سبعين مرة (^٢).
والنار -أعاذنا الله منها- هي دار العذاب في الآخرة بعد الموت، فيها من أصناف العذاب والنَّكال ما يَهُول ذكرُه القلوبَ، ويبكي العيون.
ولو كان الموت يوجد في الدار الآخرة لمات أهل النار بمجرد رؤيتها، ولكن الموت مرة واحدة ينتقل به الإنسان من الحياة الدنيا إلى الآخرة، وقد جاء في القرآن العظيم الوصف الكامل للموت، والبعث والحساب والجزاء، والجنة والنار، وفيما ذكرنا إشارة إليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٩٠) عن أبي هريرة ﵁. وينظر: حادي الأرواح (١/ ١٥٦ - ١٥٩).
(٢) لم نجده. وسيأتي كلام شيخنا حفظه الله في التعليق.
[ ٤٦ ]
والأدلة على البعث بعد الموت والحساب والجزاء كثيرة جدًّا، قال الله تعالى في القرآن العظيم: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه]، وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن]. المعنى الإجمالي للآيات:
يخبر الله ﷾ في الآية الأولى: أنه خلق بني الإنسان من الأرض، وذلك حينما خلق أباهم آدم من تراب، ويخبر أنه يعيدهم فيها بعد الموت في القبور كرامةً لهم، ويخبر أنه يخرجهم منها مرة أخرى، فيَخرجون من قبورهم أحياء من أولهم إلى آخرهم، فيحاسبهم الله ثم يجازيهم.
وفي الآية الثانية: يَرُدُّ الله على الكافر المكذِّب بالبعث الذي يستغرب حياة العظام بعد فنائها، يردُّ الله عليه، فيخبر أنه يحييها؛ لأنه الذي أنشأها أول مرة من العدم.
وفي الآية الثالثة: يَرُدُّ الله على الكافرين المكذِّبين بالبعث بعد الموت زعمهم الفاسد، ويأمر رسوله أن يقسم لهم بالله قسمًا مؤكدًا أنَّ الله سوف يبعثهم، وسوف ينبِّئهم بما عملوا، ويجازيهم عليه، وأنَّ ذلك يسير على الله.
[ ٤٧ ]
وأخبر الله في آية أخرى أنه إذا بعث المكذبين بالبعث والنار عذبهم في نار جهنم، وقيل لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة].