قوله: (والصلاة والسلام على جميع رسل الله، وبعد): المناسب أن يُقال: «والصلاة والسلام على رسول الله محمد ﷺ»، وذِكر الرسل بعد ذِكر محمد ﵊؛ لأنَّنا أخص بهذا الرسول، ولكن لعل العُدول عن العبارة المشهورة إلى ما ذكر؛ لأنَّ الدين الحق -دين الإسلام- هو ما بعث الله به رسله من أولهم إلى آخرهم. ولو قال: «أمَّا بعد» كان أولى.
قوله: (اعلم -أيها الإنسان العاقل- أنَّه لا نجاة ولا سعادة لك في هذه الحياة، وفي الحياة الآخرة بعد الممات إلا إذا عرفت ربك الذي خلقك،
[ ١٥ ]
وآمنت به وعبدتَه وحده، وعرفت نبيك الذي بعثه ربك إليك، وإلى جميع الناس، فآمنتَ به واتبعتَه، وعرفتَ دين الحق الذي أمرك به ربك، وآمنت به، وعملت به): هذه هي الأصول الثلاثة التي تضمنتها الرسالة القيمة المشهورة: «ثلاثة الأصول» أو «الأصول الثلاثة» للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، فالشيخ قصد تقرير هذه الأصول الثلاثة، وهي يُعبَّر عنها بمسائل القبر التي يُسأل عنها الميت في قبره: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ (^١).
قوله: (وهذا الكتاب الذي بين يديك «دين الحق» فيه البيان لهذه الأمور العظيمة التي يجب عليك معرفتها والعمل بها، وقد ذكرت في الحاشيةِ ما تحتاج إليه بعض الكلمات والمسائل من زيادة إيضاح، معتمدًا في ذلك كله على كلام الله تعالى وأحاديث رسوله ﵊؛ لأنَّهما المرجع الوحيد لدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه): المرجع والطريق في معرفة دين الإسلام وما تضمنه من عقائد وشرائع هو الكتاب والسنة، فهما المصدر لمعرفة مسائل الدين العلمية الاعتقادية، والمسائل العملية.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣)، والترمذي (٣١٢٠) عن البراء بن عازب ﵁، وحسنه الترمذي، وصححه البيهقي في شُعب الإيمان (٣٩٠). وأصله عند مسلم (٢٨٧١ - ٧٣) دون السؤال عن الدين ولفظه: «فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد ﷺ». وينظر: نظم المتناثر (١١١).
[ ١٦ ]
قوله: (وقد تركتُ التقليد الأعمى الذي أضلَّ كثيرًا من الناس): المؤلف معروفٌ بتحرِّي الدليل في مسائل الأحكام، فهو لا يلتزم بمذهب ولا يتمذهب، فمنهجه منهج أهل الحديث، ولهذا يقول: إني تركت التقليد. وكثيرٌ من المنتسبين إلى المذاهب مقلِّدون للأئمة الذين ينتمون إليهم، والشيخ ﵀ عنده نزعة عدم المذهبية، وعدم التقليد، والتعويل على الدليل في كل ما يَطرح من المسائل العقدية، والعملية من مسائل الأحكام، ولا شك أنَّ هذا المنهج قيِّم عظيم؛ لأن فيه تجرُّدًا عن التعصب والتبعية، فمنهج المؤلف مبنيٌّ على قاعدة «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَد إلا الرسول ﷺ» (^١)، وإن كان مَنْ يسلك هذه الطريقة محقًّا؛ فليس المراد أنه يرفض أقوال الأئمة فلا ينظر فيها، ولا ينتفع بأقوالهم واجتهاداتهم، بل المراد ترك التعصب والتقليد مع احترام الأئمة، ومعرفة فضلهم في استنباط الأحكام، والاستفادة من ذلك، وهذا ما أوصى به الأئمة الأربعة وغيرهم بعدم التعصب لأقوالهم (^٢)، وأنَّه مَنْ استبانت له السنَّةُ؛ لا يحلُّ له أن يَعدل عنها لقول أحدٍ من الناس (^٣)، فالشيخ في هذا المنهج هو في الحقيقة متَّبعٌ للأئمة، عاملٌ بوصاياهم.
_________________
(١) جاء بنحوه عن ابن عباس في المعجم الكبير (١١٩٤١)، وعن الحكم بن عُتيبة ومجاهد في جامع بيان العلم (٢/ ٩٢٥)، ونسبةُ هذا إلى الإمام مالك هو المشهور عند المتأخرين، وصححه عنه يوسف بن عبد الهادي في إرشاد السالك إلى مناقب مالك (ص ٤٠٢). ينظر: خطبة الكتاب المؤمَّل للرد إلى الأمر الأوَّل (ص ١٣٦).
(٢) تنظر أقوالهم في: أصل صفة صلاة النبي للألباني (١/ ٢٣).
(٣) يشير شيخنا لقول الشافعي: «أجمع المسلمون على أن مَنْ استبانت له سنةُ رسول الله ﷺ؛ لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحدٍ من الناس» كما في إعلام الموقعين =
[ ١٧ ]
قوله: (بل وذكرت جملة من الطوائف الضالّة التي تدَّعي أنَّها على الحق، وهي بعيدة عنه، لكي يحذرها الجاهلون بحالها من المنتمين إليها وغيرهم، والله حسبي ونعم الوكيل): كثير من الطوائف المنتسبة للإسلام يدَّعون أنَّهم هم الطائفة المنصورة، والأمر بخلاف ما يقولون، فالطائفة المنصورة الناجية هي مَنْ بيَّنهم الرسول في قوله، قيل: مَنْ هي يا رسول الله؟ قال: «الجماعة» (^١)، وفي لفظ: «مَنْ كان على مِثل ما أنا عليه وأصحابي» (^٢) فمَن كان على هدي الرسول وصحابته فهو الذي على الحق، وكل مَنْ حاد عن طريقهم فهو على الباطل. وقوله: (والله حسبي ونعم الوكيل): يريد أن الله هو الموفِّق والمعين على بلوغ المراد، وإصابة الصواب.
* * *
_________________
(١) = (١/ ١٠). وهو بنحوه في الرسالة (ص ٣٣٠) بلفظ: «إذا ثبتَ عن رسول الله الشيءُ فهو اللازم لجميع من عَرَفه، لا يُقَوِّيه ولا يُوهِنُه شيء غيرُه، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحدٍ معه أمرًا يخالف أمرَه».
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٢)، وابن عاصم في السنة (٦٣) عن عوف بن مالك ﵁.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٦٤١)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٩٦٥) - واللفظ له- عن عبد الله بن عمرو ﵄. وهذا الحديث له شواهد عديدة، وطرق كثيرة بألفاظ متقاربة كما في: تخريج أحاديث الكشّاف (١/ ٤٤٧ رقم ٤٥٥)، والصحيحة (٢٠٣، ٢٠٤، ١٤٩٢)، وقال الحاكم في المستدرك (١٠): «هذا حديثٌ كَثُرَ في الأصول». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٥): «الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند».
[ ١٨ ]