قوله: (من العدم): الصواب أن يُقال: بعد العدم (^١).
قوله: (والعقلاء المؤمنون بالله تعالى لم يروه بأعينهم، ولكنهم رأوا البراهين الدالّة على وجوده): وهي آياته الكونية، قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ
_________________
(١) ينظر: مسألة حدوث العالم لابن تيمية (ص ٤١ - ٤٢).
[ ٢١ ]
بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]، فالمؤمنون عرفوا الله بآياته، ودلائل وجوده وعلمه وحكمته وقدرته سبحانه، والآيات الكونية: هي كل المخلوقات، والآيات الشرعية: هي آيات القرآن.
قوله: (البرهان الأول: الكون والإنسان والحياة …) إلى آخره: في هذه الجملة الاستدلال بالمخلوق على الخالق، فإنَّ المخلوق لا بدَّ له من خالق، فالمُحدَث لا بدَّ له من مُحدِث، فإنَّ المخلوق لا يخلق نفسه، ولا يوجَد من غير خالق، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور]، فهذا برهانٌ عقليٌّ قاطعٌ، فالمخلوق المحدَثُ لا يوجِد نفسه؛ لأنَّه كان عدمًا، والعدم ليس بشيء، ولا يوجَد من غير موجِد، هذا نظرٌ عقلي ضروري، فلا يمكن لعاقل أن يقول: إنَّ هذا حدث من غير محدِث، ويضرب العلماء لتقريب هذا فيقولون: إنَّ هذا فطري في الإنسان، فالطفل الصغير لو ضربه ضارب ثم قال: مَنْ ضربني؟ فقيل له: لم يضربك أحد، فإنَّه لا يطيق ذلك، فهو مفطور على أن المحدثَ لا بدَّ له من محدِث، ولهذا يسأل يقول: مَنْ ضربني؟ (^١).
والله تعالى هو الخالق المدبِّر لجميع الكائنات كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥].
_________________
(١) ينظر: درء التعارض (٨/ ٣٠٥)، وشرح حديث النزول (ص ١٢٤).
[ ٢٢ ]
قوله: (يخبر الله تعالى الناس جميعًا أنَّه ربهم الذي خلقهم، وخلق السموات والأرض في ستة أيام …) إلى آخره: ينبِّه الشيخ إلى أنَّ الله تعالى الذي أخبر بأنَّه استوى على العرش أنَّه مع عباده كما في الآيات الأخرى، فيجب الإيمان بالعلو والمعية؛ بعلوه ﷾ فوق مخلوقاته مستويًا على عرشه، والإيمان بأنَّه مع العباد كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ومعيَّته تعالى إنما هي بعلمه وسمعه وبصره (^١)، يعني: يعلم أحوال العباد وما ظهر وما خفي من أحوالهم، ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم، إذن هو معهم كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، وهذا أصلٌ من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة؛ الإيمان بالعلو والمعية، فهو تعالى عالٍ في دُنوِّه، قريبٌ في علوِّه، وقد جمع الله بين الصفتين في آية «الحديد» في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] (^٢).
قوله: (وينهى عن السجود للشمس والقمر؛ لأنَّهما مخلوقان كغيرهما من المخلوقات، والمخلوق لا يصح أن يُعبد …) إلى آخره: الشمس والقمر هي التي تسجد لله، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ …﴾ [الحج:
_________________
(١) ينظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد (ص ٢٩٦)، والإبانة الكبرى (٧/ ١٥٩ - ١٦١).
(٢) ينظر: توضيح مقاصد العقيدة الواسطية لشيخنا (ص ١٨٤).
[ ٢٣ ]