قلت فيما مضى: إنَّ كل هذه البراهين تعود إلى البرهان الأول؛ وهو الاستدلال بالخلق على وجود الخالق وقدرته وحكمته، فكلها مما يَعرفُ به العبدُ ربَّه، فهذه البراهين فرع عن الأول وهي مندرجة فيه، ولكن كأن الشيخ قصد التفصيل والتنبيه على هذه بخصوصها، وجعل من هذه البراهين مسألة المنام وما يراه الإنسان في نومه، فهذا ليس إلى الإنسان واختياره وإرادته؛ بل الله يُري الإنسان في منامه أمورًا تتحقق؛ إمَّا بشارة وإمَّا نذارة، والرؤيا ثلاثة أنواع:
الأول: رؤيا من الله، وذلك بواسطة الملَك؛ يضرب للنائم أمثالًا لِمَا أراد الله كَوْنَه.
الثاني: رؤيا من حديث النفس؛ وهو ما يفكِّر فيه الإنسان من أمور حياته، يرى له صورًا في منامه.
[ ٢٦ ]
الثالث: حلمٌ من الشيطان ليحزن المؤمن، فهذه أقسام المنامات، وقد جاء ذلك في حديث صحيح عن النبي ﷺ (^١)، فالشيخ جعل النوم والرؤيا الصالحة من البراهين على ربوبيته ﷾؛ فإنها يحصل بها كشف لبعض أمور الغيب، ومما يدل على أن النوم آية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم: ٢٣].
قوله: (البرهان السادس: الروح: التي لا يعرف حقيقتها إلا الله وحده): هذا أيضًا من براهين وجود الله وقدرته وحكمته، فهذه الروح مخلوق -من مخلوقات الله- خفي، وهي في أبداننا ومع ذلك لا نعلم حقيقتها، ولها من الأحوال والتصرُّفات الأمور العجيبة، فهي التي تفيض على بدن الإنسان الحسَّ والحركة؛ فالبدن إذا خلا عن الروح فلا حس ولا حركة، فهي قوام البدن، وهي من أعظم آيات الله، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء] (^٢)، وقد أخبر الرسول ﷺ عن مبدأ الروح في الإنسان وأنَّها بواسطة الملَك: «فينفخ فيه الروح» (^٣) أي: في الطَّور الأخير من أطوار الجنين ينفخ فيه الروح فيكون مستعدًّا للحس والحركة.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٦٣) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) تفسير الروح بأرواح الحيوان: هو رواية عن ابن عباس، واستظهره الواحدي، ونسبه ابن عطية للجمهور. وقيل: الروح هو جبريل، وقيل: هو مَلَكٌ، وقيل غير ذلك. ينظر: تفسير الطبري (١٥/ ٦٩ - ٧١)، والتفسير البسيط (١٣/ ٤٦٢ - ٤٦٤)، والمحرر الوجيز (٥/ ٥٣٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣) -واللفظ له- عن ابن مسعود ﵁.
[ ٢٧ ]
قوله: (البرهان السابع: الإنسان: وما في جسمه من الحواس، والجهاز العصبي، والمخ، والجهاز الهضمي، وغير ذلك): هذا هو البرهان السابع، وهو يتعلق بالجسد، والسادس يتعلق بالروح، إذن: فكلٌّ منهما من شأن الإنسان، فالإنسان آية من آيات الله؛ بل الإنسان آيات، قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات]، فنبَّه إلى ما في الأرض من الآيات؛ كالجبال والأنهار والأشجار والأشياء المختلفة في ظاهر الأرض وباطنها، ثم نبَّه إلى ما في النفوس: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾، وهذا يشمل ما في الروح من الدلالة وما في البدن من الدلالة، والبدن فيه العجب العجاب! فآياته ظاهرة؛ فمنها ما هو ظاهر لعموم الناس، ومنها ما هو ظاهر لأصحاب التخصُّصات من أصحاب التشريح والطب، فسبحان الله العظيم! فماذا في الإنسان في هذا الكيان الهائل من الآيات والدلالات في باطنه وفي ظاهره من الأعضاء والقوى الظاهرة والخفية! قال بعض العلماء: إنَّ ما يأكله الإنسان تتعلق به ثلاث قوى: القوى الطالبة التي بها يشتهي الطعام ويجوع، والقوة الهاضمة التي ينهضم بها الطعام ويسلك بها مسالكه في البدن، والقوة المانعة التي تمنع انسلاله من البدن فور وقوعه في المعدة، والقوة الرابعة الدافعة التي تدفع الفضلات فيتخلص منها البدن، فهذه أربع من القوى المتعلقة بما يأكله الإنسان: طالبة وهاضمة ومانعة ودافعة، ذكر ذلك ابن القيم (^١) في كلامه على قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾، وتكلَّم كلامًا كثيرًا في هذا
_________________
(١) ينظر: مفتاح دار السعادة (٢/ ٧٨٥).
[ ٢٨ ]