قوله: (البرهان الثامن: ينزِّل الله المطر على الأرض الميتة …) إلى آخره: هذا يؤكد ما سبق: أنَّ كل هذه البراهين راجعة إلى البرهان الأول؛ أي: إن كل برهان منها جزء من البرهان الأول؛ وهو الاستدلال بالخلق على الخالق، ومن ذلك آية المطر: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج]، فالأرض القاحلة الميتة المغبرَّة ينزل الله عليها المطر؛ فتبتهج وتكتسي بأنواع النبات، قال تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾ [المؤمنون].
والتنبيه على هذا في القرآن كثير؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ [النحل]، فالشأن في التفكُّر بالعقل.
قوله: (البرهان التاسع: الفطرة التي فطر الله الناس عليها …) إلى آخره: البرهان التاسع: الفطرة التي فُطر عليها الإنسان، فالإنسان مفطور ومركوز في فطرته وعقله أنَّه لا بدَّ له من خالق، فلا يمكنه إن استعمل فكره وفطرته إلا أن يُقرَّ بأنَّ له خالقًا، فلو قيل له: إنك لست بشيء، بل
[ ٣٠ ]
أنت ليس لك خالقٌ ولا مبدعٌ؛ لم تَقبل فطرتُه ذلك، ولهذا مثَّل الشيخ بالشيوعي (^١) الجاحد المنكر للخالق، الملحد أعظم إلحاد، فإنه يعيش في هذه الحياة حياة الشقاء؛ لأنَّه لا يعرف من أين جاء ولا إلى أين يذهب، فلا يُقرُّ بمبدأ ولا معادٍ، ومَن كانت هذه حاله كان في دنياه في شقاء عظيم: في تفكيره وفي علمه وفي عقله، فالرسل عرَّفوا العباد بمبدئهم ونهايتهم وبمصيرهم، ومَن لا يؤمن بالرسل ولم يتبع ما جاؤوا به؛ لا يعرف مبدأً ولا معادًا ولا لماذا وُجد، فهو في هذه الحياة في حيرةٍ من أمره، وقد تضمَّن القرآن الإجابة على هذه الأسئلة؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات]، فالإنسان جاء من ربه الذي بدأ خلقه، وقد خلقه ليعبده ثم هو ذاهب إليه بعد موته ليجزيه، ولهذا قال الرجل الصالح صاحب ياسين لقومه: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾ [يس].
_________________
(١) الشيوعية: مذهب فكري يقوم على الإلحاد، وأن المادة هي أساس كل شيء، ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي. ظهرت في ألمانيا على يد ماركس وإنجلز، وتجسَّدت في الثورة البُلْشُفِية التي ظهرت في روسيا سنة (١٩١٧ م) بتخطيط من اليهود، وتوسَّعت على حساب غيرها بالحديد والنار. ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (٢/ ٩١٩).
[ ٣١ ]
قوله: (البرهان العاشر: البركة: وهي التكاثر في بعض المخلوقات …) إلى آخره: الله تعالى نوَّع المخلوقات وفَاوَتَ بينها في الطباع، فالشيخ كأنه ينبِّه إلى أنَّ من المخلوقات ما جعل الله فيه صفةَ النمو والتكاثر والنفع، ومثَّل بالغنم؛ فهي نوع من أنواع الحيوان من شأنه أنَّه يتكاثر وينمو بكثرة المواليد، وفيها منافع عظيمة ينتفع العباد بأكلها وشرب لبنها وبجلودها وصوفها؛ ففيها بركةٌ في ذاتها وفي منافعها، فهي من النوع المبارك، وأنواع أخرى من الحيوانات ليس فيها هذا التكاثر وإن كان فيها منافع؛ كالإبل والبقر، ومن الحيوانات ما يتكاثر تكاثرًا عظيمًا، وليس فيه منفعة للإنسان بل هو مؤذٍ له، ولكن الله خلقه لحكمة يعلمها، ويمكن التمثيل بذلك بالنَّمل، فكأن هذا البرهان يرتكز على آية من آيات الله، وهي تنوُّع المخلوقات، فالله نوَّع المخلوقات ونوَّع طباعها، فلكلِّ نوعٍ من الحيوان طبيعةٌ، وله آثار ومنافع أو مضار، ومن آيات الله: خلق الأضداد في الذوات والصفات، قال ابن القيم: «خلقُ الأضدادِ والمتقابلات هو من كمال الربوبية، كالليل والنهار، والحر والبرد، واللذة والألم، والخير والشر، والنعيم والجحيم» (^١).
وقوله ﵀: (وعكس البركة: الفشل): فيه نظرٌ، ولا سيما حين مثَّل للفشل بالكلاب والقطط؛ فلا يُعرَف وصفُ القطط والكلاب بالفشل، والمعروف أنَّ الفشل هو خيبة الإنسان فيما يؤمِّله؛ كالهزيمة أمام العدو، والخسارة في التجارة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]،
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٩٦).
[ ٣٢ ]