لما ذكر ﵀ البراهين على وجود الله وربوبيته وإلهيته شرع في ذكر أسمائه تعالى وصفاته، فذكر بعض أسمائه المتضمنة لوجوده أزلًا وأبدًا ك «الأول» و«الآخر»؛ فقال: (الأوَّل بلا بداية) كما قال الطحاوي: «قديم بلا ابتداء» (^١)، ولو قال الشيخ: «هو الأوَّل فليس قبله شيء» كان أولى ليوافق قوله ﷺ: «اللهم أنت الأوَّل فليس قبلك شيء» (^٢)، فالرسول ﷺ ذكر الاسم، وذكر معناه.
وقوله: (وحيٌّ دائم، لا يموت ولا ينتهي): تعبير عن اسمه «الآخر»، ولو قال: «وهو الآخر فليس بعده شيء» كان أولى؛ كما قال الرسول ﷺ (^٣).
وذكر ﵀ من أسمائه ما يدل على كماله؛ مثل اسمه «الغني»؛ فإنه يدل على غناه عن كل ما سواه، فلا افتقار فيه إلى شيء لا في وجوده ولا في صفاته ولا أفعاله، فإنه خالق وليس بمخلوق، وقادر على كل شيء، وما له مُعِينٌ في شيء من أفعاله، وذلك لكمال غناه.
_________________
(١) الطحاوية بشرح شيخنا (ص ٣٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧١٣) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) وهو تتمة الحديث السابق.
[ ٣٥ ]
ومن الأسماء التي ذكر الشيخ: «الواحد» الدال على نفي الشريك، ثم استدل بسورة الإخلاص لتضمنها اسمه تعالى «الأحد»، وهو بمعنى «الواحد»، ثم عبَّر الشيخ عن معنى اسمه «الصمد» المذكور في السورة، ومما فُسِّر به: أنه الذي يصمد إليه العباد في حوائجهم، وقيل بأنَّه الكامل في جميع الصفات: السيد الكامل في سؤدده؛ في علمه وقدرته وحكمته وغناه (^١)، وأن من صفاته تعالى: أنه لم يلد ولم يولد، وفي هذا ردٌّ على اليهود والنصارى والمشركين الذين نسبوا إلى الله الولد، وأشار ﵀ إلى أن الله أنكر عليهم، وأغلظ الإنكار، وبيَّن أنه لا شبهة للنصارى في تأليه المسيح، وزعمهم أنه ابن الله، لا شبهة لهم في أنه مخلوق من أم بلا أب؛ لأن الله على كل شيء قدير، فخَلْق عيسى كخَلْق آدم من تراب، فكلاهما مخلوقٌ بأمر الله وإرادته، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران]، وقال في شأن عيسى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ [مريم]، ومن فضل هذه السورة أنها تعدل ثُلُثَ القرآن (^٢)، وأنها صفة الرحمن، وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان
_________________
(١) وقيل غير ذلك. ينظر: اشتقاق أسماء الله للزجاجي (ص ٢٥٢)، وتفسير الطبري (٢٤/ ٧٣١).
(٢) جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري كما في البخاري (٥٠١٣)، (٥٠١٥)، وأبي هريرة كما في مسلم (٨١١)، (٨١٢)، وقال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٣٧٠): «والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر». وينظر: نظم المتناثر (١٩٨).
[ ٣٦ ]
يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب «قل هو الله أحد»، فلما رجعوا ذكروا (^١) ذلك للنبي ﷺ، فقال: «سلوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك؟»، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ: «أخبروه أنَّ الله يحبه» (^٢).
وأمَّا قول الشيخ: (خلق كل شيء من العدم): فالصواب أن يُقال: «بعد العدم» (^٣).
ثم ذكر الشيخ أن الله جعل لهذا العالم نظامًا لا يتغير شيءٌ منه إلا بمشيئة الله، وهذا النظام هو ما سمَّاه الله سُنَّةً، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب]، ولكنه تعالى قادرٌ على خرق العادة كيف شاء، كما خلق عيسى وآدم وزوجه على خلاف السُّنَّة في خلق البشر، ومن قدرة الله على خرق العادة إنطاقُ بعض الحيوانات بكلام مفهوم، ومن خوارق العادات قطع المسافات البعيدة في أقصر وقت كما في قصة الإسراء والمعراج، وقد ذكر الشيخ ذلك كله. وقوله: (وأمره فيها أن يقول لهم: الله واحد لا شريك له): لو قال: «أمره الله أن يقول: الله أحد» لكان أولى؛ ليطابق لفظ الآية، ولكنه أراد تفسيرَ الأحد بالواحد، وهو حقٌّ (^٤).
_________________
(١) هكذا في بعض نسخ صحيح مسلم، وفي بعضها: «ذُكر».
(٢) أخرجه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣) واللفظ له.
(٣) تنظر: (ص ٢١).
(٤) تفسير الأحد بالواحد قال به: ابن عباس وأبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى، وفرَّق قوم بينهما. ينظر: مجاز القرآن (٢/ ٣١٦)، وزاد المسير (٤/ ٥٠٦).
[ ٣٧ ]
وقوله: (وجعل الشجر يسلم عليه إذا مر به): يشير إلى ما جاء عن علي ﵁؛ قال: خرجت مع رسول الله ﷺ إلى بعض نواحي مكة بين الجبال والشجر، فلم يمرَّ بشجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله (^١).
وقوله: (وجعل الحيوان يشهد له بالرسالة): أي جعل الله الحيوان يشهد للنبي بالرسالة، والشيخ يشير بهذا إلى قصة الذئب التي أخرجها البخاري في «التاريخ» (^٢) وغيره، وفيها: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه … فقال الذئب: عمدتَ إلى رزق رزقنيه الله ﷿ انتزعته مني. فقال الرجل: تالله إن رأيتُ كاليوم ذئبًا يتكلم، قال الذئب: أعجبُ من هذا رجلٌ في المدينة بين الحرَّتَين، يخبركم بما مضى وبما هو كائنٌ بعدكم (^٣).
وقوله: (وكُتب التاريخ): يريد كتب السيرة (^٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (٢٨٩) بنحوه.
(٢) في التاريخ الكبير (٢/ ٣٦٥ رقم ١٦٢٨) عن أنيسِ بن عمرو عن أُهْبَان بن أَوس قال: كنتُ في غنم لي فكلَّمه الذئب، فأتى النبي ﷺ فأسلم. وقال البخاري: «وإسنادُه ليس بالقويِّ».
(٣) أخرجه أحمد (٨٠٦٣) عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه أيضًا (١١٧٩٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ بنحوه، وصححه الحاكم (٨٤٤٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٤٢). وينظر: البداية والنهاية (٩/ ٢٢)، والصحيحة (١٢٢).
(٤) أي: ما تضمنته تلك الكتب من ذكر قصة الإسراء والمعراج. ينظر على سبيل المثال: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٣٩٦)، وزاد المعاد (٣/ ٤١) وما بعدها.
[ ٣٨ ]