انتهى المؤلف من ذكر ما يتعلق بمعرفة الله ومعرفة حقه على عباده، فالله تعالى الذي خلقنا وخلق كلَّ شيءٍ له حقٌّ على العباد، وحقه على عباده كما قال النبي لمعاذ: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (^١)، وليت الشيخ ذكر هذا الحديث لأنه في صميم الموضوع (^٢)، والآية تدل على أنَّ العبادة هي الغاية؛ أي: الحكمة من خلق الثقلين: الجن والإنس، فنُسأل: لمَ خلق الله الجن والإنس؟ فنقول: خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، وهذا أسلوب حصر، وهذه هي الحكمة من إرسال الرسل وإنزال
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠).
(٢) ينظر تعليق شيخنا حفظه الله عليه في: الكشف عن مقاصد أبواب ومسائل كتاب التوحيد لشيخنا (ص ٢٧).
[ ٤٣ ]
الكتب أَمْرُ الناس بعبادة الله التي خلقهم الله لها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالله غني عن العباد، فما خلقهم ليستعين بهم، أو ليُطعموه أو يرزقوه أو يتقوى بهم مِنْ ضَعْفٍ، أو يتعزز بهم مِنْ ذِلَّةٍ؛ إنما خلقهم ليعبدوه (^١)، وقد بيَّن في آيات أخرى أنه خلق هذا الوجود كلَّه بأسره لحكمة الابتلاء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف].
* * *
_________________
(١) ينظر: الكشف عن مقاصد أبواب ومسائل كتاب التوحيد لشيخنا (ص ٢١ - ٢٣).
[ ٤٤ ]