إذا عرفت -أيها العاقل- أنَّ الله هو ربك الذي خلقك، وأنه سوف يبعثك ليجازيك على عملك، فاعلم أنَّ الله أرسل إليك وإلى جميع الناس رسولًا، أمرك بطاعته واتباعه، وأخبر أنه لا سبيل لمعرفة العبادة الصحيحة له إلا باتباع هذا الرسول، وعبادة الله بشريعته، التي أرسله بها.
وهذا الرسول الكريم، الذي يجب على جميع الناس الإيمان به واتباعه هو خاتم المرسلين، ورسول الله إلى الناس جميعًا محمد النبي الأمي، الذي بشَّر به موسى وعيسى في أكثر من أربعين موضعًا في التوراة والإنجيل، يقرؤها اليهود والنصارى قبل أن يتلاعبوا بهذين الكتابين ويحرِّفوهما (^١).
_________________
(١) قال المصنف ﵀ في الحاشية: «انظر البشارات بمحمد ﷺ كما وردت في التوراة والإنجيل في كتاب: «الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح» ج «١» لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وانظر كتاب: «هداية الحيارى» للعلامة محمد ابن القيم، وانظر كتاب: «السيرة النبوية» لابن هشام، وانظر: معجزات النبوة في «تاريخ ابن كثير» وغيره».
[ ٥٦ ]
وهذا النبي الكريم الذي ختم الله به رسله، وبعثه إلى الناس جميعًا، هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، أشرف وأصدق رجل في أشرف قبيلة على وجه الأرض، تسلسلت من صلب نبي الله إسماعيل ابن نبي الله إبراهيم، وقد وُلد خاتم المرسلين محمد ﵊ في مكة سنة ٥٧٠ م. وفي الليلة التي وُلد فيها، وفي لحظة خروجه من بطن أمه أضاء الكون نورٌ عظيم، أدهش الناس، وسُجل في كتب التاريخ، وانتكست أصنام قريش التي يعبدونها عند الكعبة في مكة، واهتز إيوان كسرى ملك الفرس، وتساقط منه بضع عشرة شرفة، وانطفأت نار الفرس التي يعبدونها، وكانت لم تنطفئ قبل ذلك بألفي (^١) عام.
وكل هذا إعلان من الله تعالى لأهل الأرض بمولد خاتم المرسلين الذي سوف يحطِّم الأصنام التي تُعبد من دون الله، وسيدعو الفرس والروم إلى عبادة الله وحده، والدخول في دينه الحق، فإذا أبوا جاهدهم هو ومَن يتبعه، فينصره الله عليهم، وينشر دينه الذي هو نوره في الأرض، وهذا هو ما حصل بالفعل بعدما بعث الله رسوله محمدًا ﷺ.
وقد ميَّز الله خاتم رسله محمدًا ﷺ من بين إخوانه الرسل قبله بميزات منها:
_________________
(١) في المصادر التاريخية والحديثية: «بألف عام». ينظر: تاريخ الطبري (٢/ ١٦٦)، ودلائل النبوة للبيهقي (١/ ١٢٦).
[ ٥٧ ]
أولًا: أنه خاتم المرسلين فليس بعده رسول ولا نبي.
ثانيًا: عموم رسالته إلى جميع الناس، فالناس كلهم أمة لمحمد، مَنْ أطاعه واتبعه دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار.
حتى اليهود والنصارى مكلَّفون باتباعه، ومَن لم يتبعه ويؤمن به فهو كافر بموسى وعيسى وبجميع الأنبياء، وموسى وعيسى وكل الأنبياء بريئون من كل إنسان لا يتبع محمدًا ﵇؛ لأنَّ الله أمرهم أن يبشروا به، وأن يدعوا أممهم إلى اتباعه إذا بعثه الله، ولأنَّ دينه الذي بعثه الله به هو الدين الذي بعث الله به رسله، وجعل كماله ويسره على عهد هذا الرسول الكريم خاتم المرسلين، فلا يجوز لأحد بعد بعثة محمد أن يعتنق دينًا غير الإسلام الذي بعثه الله به؛ لأنه الدين الكامل الذي نسخ الله به جميع الأديان، ولأنه دين الحق المحفوظ.
أمَّا اليهودية والنصرانية فهي دين محرَّف، ليس كما أنزله الله، فكلُّ مسلمٍ متَّبعٌ لمحمد يُعتبر متبعًا لموسى وعيسى وجميع الأنبياء. وكل خارج عن الإسلام يعتبر كافرًا بموسى وعيسى وجميع الأنبياء، وإن ادعى أنه من أتباع موسى أو عيسى!
ولهذا سارع جماعة من أحبار اليهود ورهبان النصارى العقلاء المنصفون إلى الإيمان بمحمد ﷺ، والدخول في الإسلام.
[ ٥٨ ]