منها الدعاء: وهو طلب الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، مثل: إنزال المطر، وشفاء المريض، وتفريج الكربات التي لا يفرِّجها المخلوق، ومثل: طلب الجنة، والنجاة من النار، وطلب الأولاد، والرزق، والسعادة، ونحو ذلك.
فهذا كله لا يُطلب إلا من الله، فمن طلب من المخلوق -حيًّا أو ميتًا- شيئًا من ذلك فقد عبده، قال الله تعالى آمرًا عباده بدعائه وحده، ومخبرًا أنَّ الدعاءَ عبادةٌ، مَنْ صرفه لغيره فهو من أهل النار: ﴿وَقَالَ
[ ٨٧ ]
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠﴾ [غافر]. وقال تعالى مخبرًا أنَّ مَنْ سواه من المدعوين لا يملكون لأحد نفعًا ولا ضرًّا، ولو كانوا أنبياء أو أولياء: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء]، والآية التي بعدها.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن]. ومن العبادة: الذبح والنذر وتقريب القرابين:
فلا يصح أن يتقرب الإنسان بسفك الدم، أو بتقريب قُربان، أو بنذرٍ إلا لله وحده، ومَن ذبح لغير الله؛ كمن يذبح للقبر أو للجن؛ فقد عبد غير الله واستحق لعنة الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام].
وقال الرسول ﷺ: «لعن الله مَنْ ذبح لغير الله»، حديث صحيح، رواه مسلم (^١).
وإذا قال إنسان: لفلان عليَّ نذر إن حصل لي كذا أن أتصدَّق بكذا أو أفعل كذا، فهذا النذر شرك بالله؛ لأنه نذرٌ لمخلوق، والنذر عبادة لا يكون إلا لله، والنذر المشروع هو أن يقول: لله عليّ نذرٌ أن أتصدَّق بكذا، أو أفعل كذا من الطاعة إذا حصل لي كذا.
_________________
(١) برقم (١٩٧٨) عن علي بن أبي طالب ﵁.
[ ٨٨ ]
ومن أنواع العبادة: الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة، فلا يُستغاث ولا يُستعان ولا يُستعاذ إلا بالله وحده، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾، وقال الرسول ﷺ: «إنه لا يُستغاث بي وإنما يُستغاث بالله» حديث صحيح، رواه الطبراني (^١).
وقال ﷺ: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» حديث صحيح، رواه الترمذي (^٢).
والإنسان الحي الحاضر يصح أن يُستغاث به ويُستعان به في الشيء الذي يقدر عليه فقط، أمَّا الاستعاذة فلا يستعاذ إلا بالله وحده. والميت
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩ رقم ١٧٢٧٦) من حديث عبادة بن الصامت؛ فمسند عُبادة من القسم المفقود من المعجم. قال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث». وأخرج ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٨٧)، وأحمد (٢٢٧٠٦) أن رجلًا سمع عبادة بن الصامت يقول: فذكره بلفظ: فقال أبو بكر قوموا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: «لا يقام لي، إنما يقام لله». وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١٣٦٠٢) بسياق أطول. قال ابن كثير في التفسير (٥/ ٣٣٣) بعد أن ساق رواية ابن أبي حاتم: «وهذا الحديث غريبٌ جدًا.»
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٦٩)، (٢٧٦٣)، والترمذي (٢٥١٦)، وابن منده في التوحيد (٢٥١) عن ابن عباس ﵄. وقال ابن منده: «هذا إسناد مشهور، رواه ثقاة، وقيس بن الحجاج مصري روى عنه جماعة، ولهذا الحديث طُرق عن ابن عباس، وهذا أصحها»، وصححه الترمذي والألباني. وينظر: تخريج السنة (١/ ١٣٨ رقم ٣١٦).
[ ٨٩ ]
والغائب لا يُستغاث به ولا يُستعان به البتة؛ لأنَّه لا يملك شيئًا، ولو كان نبيًّا أو وليًّا أو ملَكًا.
والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فمَن ادعى أنه يعلم الغيب فهو كافرٌ يجب تكذيبه، ولو تكهَّن بشيء فوقع فهو من باب الموافقة، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد» رواه الإمام أحمد والحاكم (^١).
ومن العبادة: التوكل والرجاء والخشوع:
فلا يتوكل الإنسان إلا على الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخشع إلا لله وحده.
ومما يُؤسَف له أنَّ كثيرًا من المنتسبين للإسلام يشركون بالله، فيدعون غيره من الأحياء المعظَّمين، ومن أهل القبور، ويطوفون بقبورهم، ويطلبون منهم حوائجهم، وهذا عبادة لغير الله، فاعلها ليس مسلمًا وإن ادعى الإسلام وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلَّى وصامَ وحجَّ البيت.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر].
_________________
(١) أخرجه أحمد (٩٥٣٦)، والحاكم (١٥)، ومن طريقه البيهقي (١٦٥٧٤) عن أبي هريرة ﵁. ونقل المناوي في فيض القدير (٦/ ٢٣) عن الحافظ العراقي أنه قال في أماليه: «حديث صحيح». وصححه الذهبي في المهذب في اختصار السنن (١٢٧٩٩). وينظر: الصحيحة (٣٣٨٧)، وإرواء الغليل (٢٠٠٦).
[ ٩٠ ]
وقال الله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة]. وأمر الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ أن يقول للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]. وهؤلاء الجهال غرَّهم علماء السوء والضلال الذين عرفوا بعض الفروع، وجهلوا التوحيد الذي هو أساس الدين، فصاروا يدعون إلى الشرك، جهلًا منهم بمعناه باسم الشفاعة والوسيلة، وحُجتهم في ذلك التأويلات الفاسدة لبعض النصوص والأحاديث المكذوبة قديمًا وحديثًا على رسول الله ﷺ، والحكايات وأحلام المنام التي نسجها لهم الشيطان، وما شابه ذلك من الضلالات التي جمعوها في كتبهم؛ ليؤيدوا بها عبادتهم لغير الله اتباعًا للشيطان وللهوى، وتقليدًا أعمى للآباء والأجداد، كحال المشركين الأوَّلين.
والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها في قوله ﷿: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] هي الأعمال الصالحة: من توحيد الله والصلاة والصدقة والصيام والحج، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلة الرحم، ونحو ذلك، أما دعاء الأموات والاستغاثة بهم عند الشدائد والكربات؛ فهذا عبادة لهم من دون الله.
[ ٩١ ]
وشفاعة الأنبياء والأولياء وغيرهم من المسلمين الذين يأذن الله لهم في الشفاعة حقٌّ نؤمن بها، ولكنها لا تُطلب من الأموات؛ لأنها حقٌّ لله لا تحصل لأحد إلا بإذنه تعالى، فيطلبها الموحِّد لله من الله تعالى قائلًا: «اللهم شفِّع فيَّ رسولك وعبادك الصالحين»، ولا يقول: «يا فلان اشفع لي»؛ لأنه ميت، والميت لا يُطلَب منه شيءٌ أبدًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾ [الزمر]. ومن البدع المحرمة المخالفة للإسلام والتي نهى عنها رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين والسنن: اتخاذ المساجد، والسُّرج على القبور (^١)، والبناء عليها، وتجصيصها (^٢) والكتابة عليها (^٣)،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٠٣٠)، وأبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣) عن ابن عباس، قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج». وقال مسلم في كتاب التفصيل -فيما نقله ابن رجب في فتح الباري (٣/ ٢٠٢) -: «هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس». أما أحاديث لعن زوَّرات القبور فثابتة، وقد رواها جماعة من الصحابة؛ كأبي هريرة، وحسَّان بن ثابت، وعبد الله ابن عباس. ينظر: أحكام الجنائز (ص ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٢) أخرجه مسلم (٩٧٠ - ٩٤) عن جابر ﵁.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٢٦)، والترمذي (١٠٥٢)، والنسائي (٢٠٢٧) عن جابر ﵁. وصححه الترمذي، والحاكم (١٣٦٩). وينظر: أحكام الجنائز للألباني (ص ٢٦٠ - ٢٦١).
[ ٩٢ ]
وإلقاء الستور عليها (^١)، والصلاة في المقبرة (^٢)، كل هذا نهى عنه الرسول الكريم ﷺ؛ لأنه من أعظم أسباب عبادة أصحابها.
وبهذا يتبين أنَّ من الشرك بالله ما يفعله الجهّال عند بعض القبور في كثير من البلدان، مثل: قبر البدوي والسيدة زينب في مصر، وقبر الجيلاني في العراق، والقبور المنسوبة لآل البيت ﵃ في النجف وكربلاء في العراق، وقبور أخرى في كثير من البلدان من الطواف حولها، وطلب الحوائج من أهلها، واعتقاد النفع والضر فيهم.
ويتبين أنَّ هؤلاء بفعلهم هذا مشركون ضالون، وإن ادعوا الإسلام وصلوا وصاموا وحجوا البيت، ونطقوا بلا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لأنَّ الناطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله لا يُعتبر موحِّدًا لله حتى يعرف معناها، ويعمل به، كما تقدَّم بيان ذلك.
أما غير المسلم فإنه يدخل في الإسلام ابتداء بنطقه بها، ويسمى مسلمًا حتى يتبين منه ما ينافيها من بقائه على الشرك كهؤلاء الجهّال، أو إنكاره لشيء من فرائض الإسلام بعد بيانها له، أو إيمانه بدين
_________________
(١) لعل المصنف يشير لما جاء في مسلم (٩٦٩) عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ «أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته».
(٢) أخرج مسلم (٩٧٢) عن أبي مرثد الغنوي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها». وينظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد للألباني (ص ١٤)؛ فقد ذكر أربعة عشر حديثًا.
[ ٩٣ ]