قال الشيخ حمد بن معمر، ﵀: قد صرح العلماء، ﵏، أن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة يقاتَلون؛ قال الأجهوري في شرح المختصر في فضل الأذان: قال المازري: في الأذان معنيان: أحدهما: إظهار الشعائر، والتعريف بأن الدار دار إسلام؛ وهو فرض كفاية، يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه إن عجزوا عن قهرهم على إقامته إلا بالقتال. والثاني: الدعاء للصلاة والإعلام بوقتها؛ وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر، لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع الأذان أغار، وإلا أمسك.
وقال ابن حجر الهيتمي في باب الأذان والإقامة: سنة، وقيل فرض كفاية، فيقاتل أهل بلد تركوهما، بحيث لم يظهر الشعار. وقال في الإقناع وشرحه: وإن تركوهما، أي: الأذان والإقامة، أهل بلد، قوتلوا، أي: قاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فيقاتَلون على تركهما كسلًا.
فتأمل كلامهم في أهل البلدان إذا تركوا الأذان والإقامة، أنهم يقاتَلون بمجرد ترك ذلك؛ فهذا كلام
[ ٤ / ٢٠٥ ]
المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن أخذ الأجرة على الأذان؟
فأجاب: وأما أخذ الأجرة على الأذان، فقال ﷺ لبعض أصحابه اتخذ مؤذنًا، لا يأخذ على أذانه أجرًا. انتهى.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: ذكر أن التكبير مناسب في الأذان، لأنه مشروع على الأمكنة العالية، كقوله: إذا هبطنا سبحنا، وإذا علونا كبرنا.
سئل ابنه: الشيخ عبد الله بن محمد، رحمهما الله، عن عدد كلمات الأذان؟
فأجاب: الثابت أن الأذان خمس عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله؛ فهذا هو الثابت أن رسول الله أمر بلالًا أن يؤذن به، كما ذكر ذلك أهل السنن والمسانيد. وأما "حي على خير العمل"، فليس بثابت، ولا عمل عليه عند أهل السنة.
وأجاب أيضًا: الذي يقول في الأذان: حي على خير
[ ٤ / ٢٠٦ ]
العمل، ينكر عليه، ويعلم أن هذا من مبتدعات الرافضة، التي ما ورد عن النبي ﷺ فيها شيء، ولا عن أهل بيته، ولا عن أصحابه، ﵃ أجمعين. والذي يفعله عقب ما يعلم، يؤدب الأدب الذي يزجره وأمثاله.
سئل الشيخ علي بن الشيخ محمد: عن قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، وما الدليل على ذلك؟
فأجاب: دليله ما روى أهل السنن: قال: كان بلال إذا أذن أيقظ رسول الله ﷺ لصلاة الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، ورفع بها صوته، قال ابن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في أذان الفجر؛ واتفق الأئمة الأربعة على استحباب ذلك.
وأجاب أيضًا: وما ذكرت من جهة مسألة التثويب في أذان الفجر، هل هو في الأول، أو في الثاني؟ وما الموجب لكونه عندنا في الثاني؟ على أن في سنن أبي داود ما يدل على كونه فى الأول، فإن الأمر عندنا في ذلك على السعة؛ فإذا جعله في الأول أو في الثاني، فالكل - إن شاء الله - حسن، ولكن الأحسن لمن أراد الاقتصار في التثويب على أحد الأذانين أن يكون في الأول، لما ذكرت من الحديث. وأحسن منهما التّثويب
[ ٤ / ٢٠٧ ]
في الأذانين، جمعًا بين الأحاديث، وعملًا بظاهر إطلاقات الفقهاء. فأما ما يدل على أن التثويب في الأول: فالحديث الذي ذكرت في سنن أبي داود، دليل على ذلك، وفي رواية للنسائي: " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، في أذان الأول من الصبح " ١.
قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: وهاتان الروايتان صريحتان في أن التثويب بالصلاة خير من النوم، مخصوص بالأذان الأول، دون الثاني، لأن الأذان الأول إنما شرع لإيقاظ النائم، كما في الحديث: "ليوقظ نائمكم " ٢، وأما الثاني: فإنما هو للإعلام بدخول الوقت لمن أراد أن يصلي في أول الوقت، ولكون المصلين فيه غالبًا قد استيقظوا بالأذان الأول، واستعدوا للصلاة بالوضوء وغيره. انتهى. ولكن قوله: إن الروايتين صريحتان في التخصيص بالأول، ليس كذلك، بل ظاهرتان.
وأما ما يدل على أنه في الثاني، فقال ابن ماجة في سننه: حدثنا عمر بن رافع، حدثنا عبد الله بن المبارك عن معمر، عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن بلال: " أنه أتى النبي ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر، فقيل هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، فأقرت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك " ٣، صحيح الإسناد، وفيه انقطاع؛ ووجه الاستدلال به على أنه في الثاني: أن بلالًا إنما كان يؤذن النبي ﷺ بالصلاة بعد طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر جاءه بلال فآذنه بالصلاة، لا يقال إن هذه في أذان بلال، وبلال إنما كان يؤذن قبل الفجر،
_________________
(١) ١ أبو داود: الصلاة (٥٠٠)، وأحمد (٣/٤٠٨) . ٢ مسلم: الصيام (١٠٩٣)، والنسائي: الأذان (٦٤١) . ٣ ابن ماجة: الأذان والسنة فيه (٧١٦) .
[ ٤ / ٢٠٨ ]
كما في الصحيح: " إن بلالًا يؤذن بليل " ١، لأن ذلك في بعض الأوقات لا في كل السنة؛ يدل على ذلك ما روى سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا أبو عوانة عن عمران بن مسلم قال: "قال سويد بن غفلة: اذهب إلى مؤذننا رباح، فمره أن لا يثوب إلا في صلاة الفجر بعد الفجر، إذا فرغ من أذان الفجر فليقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، وليقل في آخر أذانه وإقامته: لا إله إلا الله والله أكبر، هذا أذان بلال "، فهذا مرسل يدل على أن بلالًا يؤذن بعد الفجر، وأنه يثوب في أذانه. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض بن عامر، عن بلال أن النبي ﷺ قال: " لا يؤذن حتى يرى الفجر هكذا، ومد يديه " ٢، حدثنا أبو خالد عن حجاج عن طلحة عن سويد عن بلال قال: "كان لا يؤذن حتى ينشق الفجر "؛ فهذا يدل على أن بلالًا يؤذن بعض الأوقات بعد طلوع الفجر بلا ريب، وأيضًا: فإنه كان يسافر ويغزو مع النبي ﷺ حيث لا يوجد ابن أم مكتوم، وكان هو المؤذن، فلا بد من أذانه بعد طلوع الفجر.
وقد ثبت أنه كان يقولها في أذانه، فتعين عدم الإنكار على من جعلها في الأول، أو الثاني؛ أما الأول: فلأن ظاهر حديث أبي محذورة يدل
_________________
(١) ١ البخاري: الأذان (٦١٧)، ومسلم: الصيام (١٠٩٢)، والترمذي: الصلاة (٢٠٣)، والنسائي: الأذان (٦٣٧، ٦٣٨)، وأحمد (٢/٩، ٢/٥٧)، ومالك: النداء للصلاة (١٦٣)، والدارمي: الصلاة (١١٩٠) . ٢ أبو داود: الصلاة (٥٣٤) .
[ ٤ / ٢٠٩ ]
عليه، وأما الثاني: فلما ذكرنا من الآثار وغيرها أيضًا؛ فلا يجوز الإنكار لأنها مسألة اجتهاد، وأما كون جعلها في الأول أحسن لمن أراد الاقتصار، فلأن الحديث فيه دلالة أظهر من كونها في الثاني، وأما كون الجمع بينهما أحسن فلأن فيه جمعًا بين هذه الآثار، وعملًا بإطلاقات الفقهاء؛ فإن الفقهاء من الحنابلة قالوا: ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم، فظاهره أنه يقوله في الأذانين، لأن كليهما أذان الصبح. وقال النواوي من الشافعية في شرح المهذب: ظاهر إطلاق الأصحاب أنه لا فرق بين الأول والثاني، وصرح بتصحيحه في التحقيق. وقال الأسنوي مثله أيضًا؛ ففي هذا العمل بالأحاديث جميعًا، والله أعلم.
سئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: عن ألفاظ الأذان، هل ورد من طريق مقبول: حي على خير العمل؟
فأجاب: لم نقف على شيء من ذلك، بل الذي ثبت في الصحاح والمساند والسنن: أذان بلال، المشهور عند الناس اليوم، وأذان أبي محذورة، وفيه زيادة على أذان بلال، وليس في لفظ الأذانين شيء من ذلك فيما وقفنا عليه. ولو فرض أنه ورد في حديث ضعيف، لم يجز أن يترك الحديث المشهور، أو يزاد فيه شيء لم يصح عند أهل الحديث ونقاده، كالبخاري، ومسلم، وأهل السنن، والله أعلم.
[ ٤ / ٢١٠ ]
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: فمن البدع المذمومة التي ننهى عنها: رفع الصوت في مواضع الأذان بغير الأذان، سواء كان آيات أو صلاة على النبي ﷺ أو ذكرا أو غير ذلك بعد أذان، أو في ليلة جمعة، أو رمضان أو العيدين؛ فكل ذلك بدعة مذمومة. وقد أبطلنا ما كان مألوفا بمكة من التذكير والترحيم ونحوه، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري عن النداء بـ"جاءت الراجفة"؟
فأجاب: يكتفى بالأذان، لأن النداء بقول: "جاءت الراجفة" ما نقل عن النبي ﷺ، ولا نعلم أحدًا فعله، لا من الصحابة ولا من غيرهم؛ فالله أعلم بمراد رسول الله ﷺ. وقد شق ﷺ الجريدة بين قبرين، فلما لم يفعله أحد من الصحابة حملناه على الخصوصية، ومسألة النداء بـ"جاءت الراجفة" تشبه ذلك، فإن نقل عن أحد من الصحابة فهي سنة بلا شك، وإلا فالأولى ترك ذلك. وأما انتياب المكان المرتفع للنداء بها، فلم يحفظ عن النبي ﷺ أنه فعله، لأنه ليس يؤذن للصلاة بنفسه، بل كان مؤذنه بلالًا، وابن أم مكتوم.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن الأذان إلى غير القبلة؟
فأجاب: قال في الشرح: قال ابن المنذر: أجمع أهل
[ ٤ / ٢١١ ]
العلم على أن من السنة أن يستقبل القبلة في الأذان. وكره طائفة من أهل العلم الكلام في الأذان، وقال الأوزاعي: لا نعلم أحدًا يقتدى به فعله، ورخص فيه سليمان بن صرد، وغيره. قيل لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه؟ قال: نعم، قال: في الإقامة؟ قال: لا. وعن الأوزاعي: إذا تكلم في الإقامة أعادها؛ وأكثر أهل العلم أنها تجزئ، قياسًا على الأذان. انتهى. فظهر: أن استقبال القبلة في الأذان سنة، وأن تركه لا يبطله، وأن الكلام في الأذان والإقامة مكروه، وأن فعل المكروه لا يبطلها.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الأذان قبل الوقت في غير الفجر؟
فأجاب: أما الأذان قبل الوقت فلا يجزئ، بل يعاد في الوقت.
سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الإمام إذا لم يسمع الإقامة، هل تجزئ؟
فأجاب: إن كان أمر المقيم ولا سمعها فقد أجزأت، وإن كان بغير أمره ولا سمعها فتعاد.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عمن إذا سمع النداء قام إلخ؟
فأجاب: قال في الإقناع: يستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذن في الأذان، بل يصبر قليلًا لأن في التحرك عند النداء
[ ٤ / ٢١٢ ]
تشبهًا بالشيطان، فلعل مراده قوله ﷺ: " إذا نودي بالصلاة، أدبر وله ضراط حتى لا يسمع التأذين " ١، رواه البخاري ومسلم.
وسئل: إذا سمع النداء وهو يقرأ القرآن، أو يسبح، هل يقطع ويجيب أم لا؟
فأجاب: قال في الأذكار إذا كان يقرأ القرآن، أو يسبح أو يقرأ حديثًا، أو علمًا آخر، أو غيره، فإنه يقطع جميع هذه ويجيب المؤذن، ثم يعود إلى ما كان فيه، وحيث لم يتابعه حتى فرغ المؤذن، يستحب أن يتدارك المتابعة ما لم يطل الفصل. وقال في الإقناع: فيقطع التلاوة ويجيب لأنه يفوت والقراءة لا تفوت. انتهى. فظهر أن المختار قطع القراءة، ومتابعة المؤذن، وأنه إذا لم يتابعه يتدارك بالقضاء إن لم يطل الفصل.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن مجيب المؤذن هل يجوز له الكلام بين كلمات الإجابة أو يكره؟
فأجاب: لم أر في ذلك كلامًا لأحد، والظاهر عدم الكراهة، مع أن الأولى عندي أن لا يشوبه بغيره من الكلام، بخلاف تالي القرآن، فالذي أرى كراهة الإجابة بين الكلمات أو الآيات، فلا يدخل بين أبعاضه ذكرًا غير متعلق بالقراءة، كسؤال عند آية رحمة واستعاذة عند آية عذاب، يدل لذلك
_________________
(١) ١ البخاري: الأذان (٦٠٨) والجمعة (١٢٢٢،١٢٣١) وبدء الخلق (٣٢٨٥)، ومسلم: الصلاة (٣٨٩)، والنسائي: الأذان (٦٧٠) والسهو (١٢٥٣)، وأبو داود: الصلاة (٥١٦)، وأحمد (٢/٣١٣، ٢/٤٦٠، ٢/٥٣١)، ومالك: النداء للصلاة (١٥٤)، والدارمي: الصلاة (١٢٠٤، ١٤٩٤) .
[ ٤ / ٢١٣ ]
قول من قال من العلماء: إن القارئ إذا سمع الأذان يقدم إجابة المؤذن على القراءة، لأن ذلك يفوت، والقراءة لا تفوت، ولم يقولوا يجمع بينهما.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: ما يقول إذا سمع المؤذن؟
فأجاب: قال في الشرح: يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ وهذا مستحب لا نعلم فيه خلافًا، ثم يقول: "اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته " ١، رواه البخاري. انتهى.
وقال بعض العلماء: كذلك عند الإقامة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، عمن يمر بالمسجد بعد الأذان إلخ؟
فأجاب: الذي يمر بالمسجد بعد الأذان فلا يتعداه حتى يصلي، إلا أن يكون في طريقه مسجد آخر يصلي فيه فهذا لا بأس به، إلا أن يكون قد دخل المسجد بعد الأذان، فلا يخرج منه حتى يصلي فيه.
_________________
(١) ١ البخاري: الأذان (٦١٤)، والترمذي: الصلاة (٢١١)، والنسائي: الأذان (٦٨٠)، وأبو داود: الصلاة (٥٢٩)، وابن ماجة: الأذان والسنة فيه (٧٢٢)، وأحمد (٣/٣٥٤) .
[ ٤ / ٢١٤ ]