سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول، وتزوجت ثلاثة بعده، ثم تزوج بها ولد الأول.
فأجاب: الذي تزوج امرأة وطلقها قبل أن يمسها، وأراد ولده أن يتزوجها فلا يجوز ذلك، سواء كان أبوه دخل بها أو لم يدخل.
وسئل: عن الربيبة؟
فأجاب: وأما الربيبة فلا تحرم إلا على زوج أمها، وأما ابنه وأخوه فلا بأس أن يتزوج بها.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن نكاح المرأة في عدة أختها وخالتها، ونكاح خامسة في عدة رابعة؟
فأجاب: إن كان الطلاق رجعيًا فهذا النكاح باطل عند جميع العلماء، وإن كانت العدة من طلاق بائن ففيه خلاف مشهور؛ والمذهب التحريم. قال في الشرح الكبير: إذا تزوج الرجل امرأة، حرمت عليه أختها وعمتها وخالتها، وبنت أخيها وبنت أختها، تحريم جمع، وكذلك إذا تزوج
[ ٧ / ١٧٧ ]
الحر أربعًا حرمت عليه الخامسة تحريم جمع بلا خلاف؛ فإذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًا، فالتحريم باق بحاله في قولهم جميعًا، وإن كان الطلاق بائنًا أو فسخًا فكذلك حتى تنقضي عدتها؛ روي ذلك عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت; وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد والنخعي، والثوري وأصحاب الرأي. وقال القاسم بن محمد وعروة ومالك والشافعي، وأبو عبيد وابن المنذر: له نكاح جميع من سميناه من غير تحريم. انتهى.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: من معه أربع نسوة، فأبان واحدة، وأراد أن يتزوج مكانها أخرى ولم تعتد المطلقة، فالذي نص عليه العلماء أن ذلك لا يجوز؛ بل لا بد من انقضاء العدة، وليس له أن يجمع ماءه في رحم خمس نسوة.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: مذهب أحمد وأبي حنيفة: لا يجوز حتى تنقضي عدة المطلقة، ولأنه لا يجوز أن يجمع ماءه في رحم خمس نسوة؛ وهذا هو المفتى به عندنا.
وسئل بعضهم: إذا تزوج الرجل امرأة ومعه من لا يجوز الجمع بينها وبين الثانية؟
فأجاب: قد ثبت بالكتاب والسنة، أن الجمع بين المرأة وأختها، وبين المرأة وعمتها أو خالتها، حرام في
[ ٧ / ١٧٨ ]
دين الله كما هو معلوم عند السائل، وفقه الله لحسن الفهم وصلاح القصد. فإن جمع بينهما في عقد واحد لم يصح العقد، وإن تزوجهما في عقدين، أو تزوج إحداهما في عدة الأخرى - سواء كانت بائنًا أو رجعية - فنكاح الثانية باطل. فإن لم يعلم أولاهما فعليه فراقهما معًا. قال أحمد في رجل تزوج أختين لا يدري أيهما تزوج أولا: يفرق بينه وبينهما، لأن إحداهما محرمة عليه ونكاحها باطل، ولا تعرف المحللة له، فقد اشتبه عليه، ونكاح إحداهما صحيح، ولا نتيقن بينونتها منه إلا بطلاقهما جميعًا، أو فسخ نكاحهما، فوجب ذلك. وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد نكاح الأخرى ويمسكها، فلا بأس. ولا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يكون دخل بواحدة منهما، فله أن يعقد على إحداهما في الحال، بعد فراق الأخرى.
الثاني: إذا دخل بإحداهما، فإن أراد نكاحها فارق التي لم يصبها بطلقة، ثم ترك التي أصابها حتى تنقضي عدتها، ثم ينكحها، لأننا لا نأمن أن تكون هي الثانية، فيكون قد أصابها في نكاح فاسد، فلهذا اعتبرنا انقضاء عدتها، ويحتمل جواز العقد عليها في الحال، لأن النسب لاحق به فلا يصان ذلك عن مائه؛ اختاره الموفق. ومذهب الشافعي: أنه أجاز للواطئ نكاحها في عدتها منه، وعلله بأنه وطء يلحق به النسب كما لو وطئ في نكاح،
[ ٧ / ١٧٩ ]
ولأن العدة إنما شرعت حفظًا للنسب وصيانة للماء، والنسب لاحق به. وإن أحب نكاح الأخرى فارق المصابة بطلقة، ثم انتظرها حتى تنقضي عدتها، ثم تزوج أختها؛ ولا يجوز أن يتزوجها في عدة المصابة، لئلا يجمع بين أختين.
القسم الثالث: إذا دخل بهما فليس له نكاح واحدة منهما، حتى يفارق الأخرى وتنقضي عدتها من حين فُرْقَتها، وتنقضي عدة الأخرى من حين إصابتها؛ وإن لم يرد نكاحهما فارقهما بطلقة. فأما إن تزوج امرأة ودخل بها، ثم تزوج أختها كما هو ظاهر سؤال السائل، فنكاح الثانية باطل كما تقدم، ويجب عليه أن يعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية، لئلا يجمع ماءه في رحم أختين، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجمع ماءه في رحم أختين ". قال أحمد، ﵀: إذا تزوج أختها ودخل بها، اعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية، وذلك أنه لو أراد العقد على أختها في الحال لم يجز له حتى تنقضي عدة الموطوءة؛ فكذلك لا يجوز له وطء امرأته حتى تنقضي عدة أختها التي أصابها، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن تزوج في العدة أو بعقد فاسد؟
[ ٧ / ١٨٠ ]
فأجاب: إذا تزوج المرأة في العدة، أو بعقد فاسد وفسخ النكاح، فإن كان الفاعل لذلك جاهلًا، فإنه يجوز له نكاحها إذا انقضت عدتها بعقد جديد برضى المرأة والولي، وإن كان فاعل ذلك عارفًا بالتحريم، فإنه يفرق بينهما ولا تحل له أبدًا، كما ذكر ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأجاب أيضًا: وأما حكم من تزوج في عدة الطلاق وهو جاهل من البوادي، فلا يصير حكمه حكم الزاني، بل يعذر بالجهل، ويفرق بينهما حتى تنقضي العدة الأولى من الطلاق الأول، ثم تعتد من وطء الثاني الذي وطئها في عدتها، فإذا انقضت العدتان حلت للأزواج وهو أحدهم.
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عمن تزوجت قبل الحيضة الثالثة؟
فأجاب: إذا حاضت المرأة حيضتين بعد الطلاق، وتزوجت قبل الثالثة، فالنكاح باطل وتعتد من الأول والثاني.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن المرأة إذا كانت حاملًا وتوفي زوجها، هل تزوج؟
فأجاب: المرأة إذا كانت حاملًا وتوفي زوجها، فلا تتزوج حتى تضع حملها. وكذا المطلقة تكون في عدة حتى
[ ٧ / ١٨١ ]
تضع حملها، ولا تزوج إلا بعد وضع الحمل.
وسئل أيضًا: عمن توفي عنها حين الوضع؟
فأجاب: إن كان أنها وضعته بعد موته ولو بساعة انقضت عدتها، وليس عليها إحداد، وتتزوج إن أرادت، ولكن لا يدخل بها إلا إذا طهرت من النفاس. وإن كانت وضعته قبل موته بقليل أو كثير، فإحدادها أربعة أشهر وعشر، ولا تعتد بالحيض. فإذا مضت الأشهر الأربعة والعشر، ظهرت من الإحداد، وحلت للأزواج، ولو لم تحض.
وسئل: عمن أبرأته من صداقها وطلقها إلخ؟
فأجاب: الذي أبرأته زوجته من صداقها، وقال: أنت طالق، ثم بعد ذلك أراد مراجعتها وهي تريده، فإن كان ما طلقها إلا بشرط البراءة من الصداق، فهي تصير مطلقة واحدة، فإن كان ما طلقها إلا مرة واحدة، جاز له أن يتملك عليها بعقد جديد ومهر جديد برضاها، فإن كان طلقها قبل هذا مرتين لم تجز له إلا أن تنكح زوجًا غيره.
وسئل الشيخ حمد بن ناصر: عن العقد على المطلقة؟
فأجاب: أما المطلقة فلا يجوز العقد عليها في العدة بإجماع أهل العلم، بل لا يجوز التصريح بخطبتها. فإن
[ ٧ / ١٨٢ ]
كانت رجعية حرم التعريض أيضًا، لأنها زوجة ما دامت في العدة؛ فإن عقد عليها فالنكاح باطل، ولا يحتاج إلى طلاق، لأنه باطل إجماعًا، بل يفرق بينهما، فإذا اعتدت فهو خاطب من الخطاب. وعند مالك أنها تحرم عليه أبدًا، وهو إحدى الروايتين عن عمر ﵁، والأول قول علي، وهو المشهور عن أحمد، والجديد من قولي الشافعي.
وسئل أيضًا: عمن طلق امرأته قبل أن يدخل بها ثلاث تطليقات؟
فأجاب: إن كان طلقها ثلاثًا بكلمة واحدة حرمت عليه، ولم تحل له إلا بعد الزوج الثاني بعد أن يجامعها، ولا تحل للأول قبل جماع الزوج الثاني.
وأما إن كان طلقها ثلاثًا واحدة بعد واحدة، فإنها تَبِين بالأولى ولا يلحقها بقية الطلاق، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها، ولا يلحقها الطلاق، فإذا بانت بالأولى حلَّت لزوجها بعقد ثان وإن لم تتزوج غيره، وتبقى معه على طلقتين.
ومن طلق زوجته تطليقتين بعد المسيس، ثم تزوجت زوجًا ثانيًا، وطلقها قبل أن يمسها، هل ترجع إلى الأول؟ فالأمر كذلك، ولا تأثير لهذا الزوج في حل العقد، لأنها حلال لزوجها قبله؛ فإذا اعتدت حلت لزوجها الأول بعقد جديد. فإن لم يكن خلا بها فلا عدة عليها، ويعقد عليها الثاني في الحال. والذي تزوج امرأة وادعت أن عدتها انقضت، ثم بعد العقد أنكرت انقضاء العدة، فهذه مسألة ينظر فيها: فإن كانت أقرت بانقضاء العدة ثم أنكرت قبل العقد، لم يعقد عليها،
[ ٧ / ١٨٣ ]
فإن كان إنكارها بعد العقد لم تقبل دعواها.
سئل بعضهم: عمن خالع امرأته على عوض إلخ؟
فأجاب: الذي خالع امرأته على عوض وطلقها، وأقامت قريب سنتين ما نكحت، فإن كان طلاقه بالثلاث كلمة واحدة، فلا تجوز له إلا بعد زوج، وإن كان غير ذلك فتجوز له بعقد جديد ورضى الزوجة؛ لكن يشترط أن هذا الطلاق الذي مع الخلع ما تقدمه طلاق سابق. وكذلك من طلق زوجته على براءة، ورجعت إليه برضاها حتى جامعها من غير عقد، فلا يحل، ويؤدب على جراءته إذا كان جاهلًا؛ فإن كان عالمًا بأنه لا يجوز فاذكر لنا، وإن أرادته الزوجة فيعقد عقد جديد.
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: الذي طلق زوجته واحدة، ثم بعد ما انقضت عدتها تزوجهاوطلقها بالثلاث بلفظة واحدة، ثم استرجعها؟
فأجاب: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، عند جمهور العلماء.
[ ٧ / ١٨٤ ]
سئل بعضهم: إذا تزوج رجل امرأة في العدة بجهالة، هل يجب عليها أن تعتد من وطئه الفاسد إلخ؟
فأجاب: قد ثبت بإجماع المسلمين أن المعتدة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها، أي عدة كانت، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٥]، قال ابن عباس وجمهور المفسرين: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: حتى تنقضي العدة؛ وإن تزوجت فالنكاح باطل. قال ابن كثير في تفسيره: أجمع العلماء أنه لا يصح العقد في مدة العدة، ويجب أن يفرق بينه وبينها، فإن لم يدخل بها فالعدة بحالها، ولا تنقطع بالعقد الثاني، لأنه باطل لا تصير به المرأة فراشًا، ولا تستحق عليه بالعقد شيئًا، وإن وطئها انقطعت العدة، سواء علم التحريم أو جهله.
وقال أبو حنيفة: لا تنقطع، لأن كونها فراشًا لغير من له العدة لا يمنعها، كما لو وطئت بشبهة وهي زوجة، فإنها تعتد وإن كانت فراشًا للزوج. وقال الشافعي: وإن وطئها عالمًا بأنها معتدة وأنه يحرم، فهو زان، فلا تنقطع العدة بالوطء، لأنها تصير به فراشًا، والعدة تراد للاستبراء، وكونها فراشًا ينافي ذلك، فوجب أن يقطعها. ومن نصر الأول قال: هذا وطء بشبهة نكاح، فتنقطع به العدة كما لو جهل.
[ ٧ / ١٨٥ ]
وقولهم: إنها تصير به فراشًا، قلنا: لكنه لا يلحق نسب الولد الحادث بوطئه بالزوج، وإلا فهما شيئان، فإذا فارقها الثاني، أو فرق بينهما، وجب عليها أن تكمل عدة الأول، لأن حقه أسبق، ولأن عدته وجبت عن وطء في نكاح صحيح. وقال في المبدع: ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني في الأصح، فإذا كملت عدة الأول وجب عليها أن تستأنف العدة من الثاني، ولا تداخل العدتان لأنهما من رجلين؛ وهذا مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يتداخلان، فتأتي بثلاثة قروء بعد مفارقة الثاني، تكون عن بقية عدة الأول وعدة الثاني، لأن القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما جميعًا.
واحتج من قال: إنها تستأنف العدة للثاني، بعد انقضاء عدتها من الأول، بما رواه مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، أن رشيدًا الثقفي طلق امرأته ونكحت في عدتها، "فضربها عمر ابن الخطاب، وضرب زوجها ضربات مخففة، وفرق بينهما. ثم قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبًا من الخطاب. وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ولا ينكحها أبدًا".
[ ٧ / ١٨٦ ]
وروى بإسناده عن علي، في التي تزوجت في عدتها "أنه يفرق بينهما، ولها الصداق بما استحل من فرجها، وتكمل ما فسدت من عدة الأول، وتعتد من الآخر"، وهكذا روى الشافعي والبيهقي بسند جيد عن عمر وعلي، ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة، قالوا: لأنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يتداخلا، كالدينين واليمينين، ولأنه حبس يستحقه الرجال على النساء، فلم يجز أن تكون المرأة في حبس رجلين، كحبس الزوجة.
وأما قول عمر: "ثم لا ينكحها أبدًا"، فهذا مما قد اختلف فيه أهل العلم: فذهب الإمام مالك إلى القول بهذا اتباعًا لعمر، وهو القديم للشافعي، ورواية عن أحمد، لقول عمر: "ولا ينكحها أبدًا"، قالوا: ولأنه استعجل الحق قبل وقته، فحرمه في وقته، كالوارث إذا قتل مورثه، ولأنه يفسد النسب، فيوقع التحريم المؤبد كاللعان. والقول الثاني: أنها لا تحرم على التأبيد، بل له أن ينكحها بعد انقضاء العدتين.
وقال الشافعي في الجديد: له نكاحها بعد انقضاء عدة الأول، ولا يمنع من نكاحها في عدتها منه، لأنه وطء يلحق به النسب كالوطء في النكاح، ولأن العدة إنما شرعت حفظًا للنسب وصيانة للماء، والنسب لاحق به هاهنا، فأشبه ما لو خالعها ثم نكحها في عدتها. قال الموفق: وهذا
[ ٧ / ١٨٧ ]
حسن موافق للنظر. وقال ابن كثير: اختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما. وهل تحرم عليه على التأبيد؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد. انتهى.
واستدل الجمهور على إباحتها بعد انقضاء العدتين للزوج الثاني، بأن آيات الإباحة عامة، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٢٤]، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء آية: ٢٤]، فلا يجوز تخصيصها بغير دليل، ولأن التحريم إما أن يكون بالعقد، أو بالوطء في النكاح الفاسد، أو بهما جميعًا، وجميع ذلك لا يقتضي التحريم، بدليل ما لو نكحها بغير ولي ووطئها، ولأنه لو زنى بها لم تحرم عليه على التأبيد، وهذا أولى.
وما روي عن عمر في تحريمها، فقد خالفه علي، وروي عن عمر أنه رجع إلى قول علي، فإن عليًا قال:؟"إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب"، فقال عمر: "ردوا الجهالات إلى السنة"، ورجع إلى قول علي. قال في المبدع: ورواه البيهقي بإسناد جيد، قال ابن كثير: قلت هو منقطع عن عمر، وقد روى الثوري عن أشعث عن الشعبي عن مسروق: "أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان".
[ ٧ / ١٨٨ ]
وإن أتت المرأة بولد من أحدهما عينا، انقضت عدتها بوضعه، لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: ٤] . فإن أتت به لدون ستة أشهر من وطء الثاني، وعاش أربع سنين فما فوقها من فراق الأول، فإنه يلحق بالأول وتنقضي عدتها منه بوضعه، ثم تعتد بثلاثة قروء عن الثاني، لأن عدة الموطوءة بشبهة أو في نكاح فاسد عدة المطلقة. قال في المبدع: ذكره في الانتصار إجماعًا، لأن الوطء في ذلك من شغل الرحم، ولحقوق النسب، كالوطء في النكاح.
وعند الشيخ تقي الدين: أن الموطوءة بشبهة أو في نكاح فاسد لا عدة عليها، بل تستبرأ بحيضة، لأن المقصود معرفة البراءة من الحمل كأمة مزوجة. وإن كان الولد من الثاني وحده دون الأول، وهو أن يأتي لستة أشهر فما زاد إلى أربع سنين من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين منذ بانت من الأول، فهو ملحق بالثاني دون الأول، فتنقضي به عدتها من الثاني، ثم تتم عدة الأول؛ وتقدم عدة الثاني هاهنا على عدة الأول، لأنه لا يجوز أن يكون الحمل من إنسان والعدة من غيره.
وإن أمكن أن يكون منهما، وهو: أن تأتي به لستة أشهر فصاعدا من وطء الثاني، ولأربع سنين فما دونها من بينونتها من الأول، أُرِيَ القافة، فإن ألحقته بالأول لحق
[ ٧ / ١٨٩ ]
به، كما لو أمكن أن يكون منه دون الثاني، وإن ألحقته بالثاني لحق به، وكان الحكم كما لو أمكنه كونه من الثاني دون الأول. وإن ألحقته القافة بهما لحق بهما، وانقضت عدتها منهما، لأن الولد محكوم به لهما، فتكون قد وضعت حملها منهما. وإن أشكل أمره على القافة، أو لم يكن لزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة قروء، لأنه إن كان من الأول فقد قامت بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من الثاني فعليها أن تكمل عدة الأول، ليسقط الفرض بيقين.
فأما إن ولدت لدون ستة أشهر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من فراق الأول، لم يلحق بواحد منهما، ولا تنقضي به عدتها، لأنا نعلم أنه من وطء آخر، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر عند مالك والشافعي وأحمد، وأقصاها أربع سنين على المشهور من مذاهبهم، فإذا ولدته انقضت به عدتها من ذلك الوطء، ثم تتم عدة الأول وتستأنف عدة الثاني، لأنه وجد ما يقتضي عدة ثانية وهو الوطء الذي حملت منه؛ فيجب عليها عدتان وإتمام العدة الأولى.
وسئل الشيخ سعيد بن حجي: عمن طلقها آخر الثلاث فمضى عليها ثلاثة أشهر فتزوجت، فلما أخذت مع الثاني عشرة أيام إذا هي حبلى من الأول؟
فأجاب: لا يحل لهما لأنه نكاح باطل، قال في
[ ٧ / ١٩٠ ]
الإقناع وشرحه: وإن تزوجت امرأة في عدتها فنكاحها باطل، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٥]، ولأن العدة إنما اعتبرت لمعرفة براءة الرحم، لئلا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب؛ وذكر غيره نحو ذلك. وإنما تحل المطلقة ثلاثًا بشرطين: أحدهما: نكاح زوجٍ غيره للآية، ولا بد أن يكون نكاحًا صحيحًا. الثاني: أن يطأها الزوج في الفرج. وأما عدتها فإنها تعتد من الأول بوضع هذا الحمل، ثم تعتد من الثاني بثلاثة قروء.
وأجاب الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: المرأة التي تزوجت في عدتها، وجاءت بولد بعد الزوج الثاني بستة أشهر إلا عشرة أيام، فالذي ذكر العلماء: أن المرأة إذا تزوجت في عدتها فنكاحها باطل، والقرآن يدل على ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٥]، فيجب التفريق بينها وبين الزوج. وعليها أن تعتد للأول، وللثاني على الخلاف والتفصيل في عدتها من الثاني. وإن أتت بولد لأقل من ستة أشهر من وطء الثاني، ولأقل من أربع سنين من إبانة الأول، فالولد للزوج الأول، فتنقضي عدتها من الأول بوضع ذلك الحمل، ثم تعتد للثاني، وتحل للثاني بعد انقضاء العدتين. وهذه هي مسألتكم التي سألتم عنها، فالولد للزوج الأول.
[ ٧ / ١٩١ ]
وإذا اعتدت عدة ثانية بعد الوضع، حلت للثاني إن أراد ورضيت بعقد جديد. ولزوم العدة للثاني فيه خلاف بين العلماء، وكذلك حلها للثاني بعد مضي العدة فيه خلاف؛ والقول الراجح: الحل، وهو المذهب. والقول بعدم عدتها للثاني في هذه الصورة قول حسن قوي، لأن براءة الرحم معلومة، وليس هناك محذور. والذي يظهر لي عدم وجوب العدة للثاني في هذه الصورة، فإن تزوج على هذه الحال فلا بأس به.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: إذا انقضت أربع سنين، هل تزوج ولو ارتابت في انتفاء الحمل؟
فأجاب: قال العلامة ابن القيم، ﵀، في تحفة المودود: إنه قد وجد لخمس سنين وأكثر منها إلى سبع، فعليه لا تمكن من التزوج إلا بعد تيقن براءة رحمها.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: عمن طلق ثلاثًا ثم نظر، فإذا عقد نكاحه فاسد؟
فأجاب: لا يجوز ردها عليه بعقد ثان لأمرين: إن كان العقد مختلف في صحته فلا يجوز، لأنه قد يكون العقد صحيحًا فيكون الطلاق صحيحًا. وإن كان فاسدًا فأبعد له، لأنه قد يكون عالمًا بفساده مصرًا عليه، فلا ينبغي فتح هذا الباب للناس.
[ ٧ / ١٩٢ ]
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن زوج ابنته مشركًا إلخ؟
فأجاب: الذي زوج ابنته مشركًا يؤدب، ويمنع المشرك من قربان المرأة.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن نكاح المسلم الكتابية؟
فأجاب: وأما نكاح المسلم الكتابية، فأهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل. وأما الإنكليز فالظاهر أنهم نصارى، فإن كانوا ينتسبون إلى عيسى، واتباع الإنجيل فهم كذلك.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن المعتق هل يتزوج الأمة؟
فأجاب: العبد إذا أعتق فلا يجوز أن يتزوج الأمة، ولو شرط سيدها أن أولاده أحرار، إلا بالشرطين المذكورين في كتاب الله:
أحدهما: أن لا يجد طولًا يتزوج به الحرة.
الثاني: أن يخاف العنت على نفسه؛ وصبره مع ذلك خير له من تزوج الأمة.
وسئل: عمن أعتق وتحته أمة؟
فأجاب: إذا أعتق وتحته أمة، فالذي يظهر من كلامهم أنه لا بأس باستدامة نكاح الأمة، لأنهم نصوا في
[ ٧ / ١٩٣ ]
الحر المسلم، إذا وجد فيه الشرطان المبيحان للنكاح، وهما: عدم وجود الطول لنكاح الحرة المسلمة، وخوف العنت، فتزوج الأمة، ثم أيسر أو زال خوف العنت، أنه يجوز استدامة نكاح الأمة، قالوا: لأن الاستدامة ليست كابتداء النكاح، قالوا: واستدامة النكاح تخالف ابتداءه، بدليل أن العدة والردة وأمن العنت، يمنع ابتداءه دون استدامته.
قالوا: وكذلك لا يبطل النكاح بتزوج حرة عليها على الأصح، لما روي عن علي ﵁ أنه قال: "إذا تزوج الحرة على الأمة، قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة". ثم رأيت بعض فقهاء الشافعية صرح بذلك في المسألة التي سألت عنها، فقال: والصحيح أن العبد إذا عتق وتحته أمة، أنه لا خيار له; قلت: وظاهر هذا يقتضي جواز استدامة العبد - إذا أعتق - نكاح الأمة.
سئل بعضهم: إذا كان الحر معه حرة، أو يملك صداق حرة، وأراد أن أعقد له على أمة إلخ؟
فأجاب: لا تعقد له والحالة هذه، إلا إن أمرك عالم نظر في أمره.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: عمن زنى بامرأة ثم تابا؟
[ ٧ / ١٩٤ ]
فأجاب: لا يجوز للزاني ولا لغيره أن يتزوج الزانية حتى تعتد، وتظهر توبتها بأن تراود فتأبى; وعند الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: أنه لا يجوز مراودتها على الزنى، وإنما توبتها بإظهار الندم، والإكثار من الاستغفار.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن رجل خبب امرأة على زوجها وتزوجها؟
فأجاب: نكاح الثاني الذي خببها على زوجها باطل، ويجب أن يفارقها، لأنه عاص لله في فعله ذلك.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد، ﵏: عمن تزوج بعقد فاسد؟
فأجاب: المفتى به عندنا، أنه لا يحل تزوج من نكاحها فاسد لغير من تزوجها، حتى يطلقها أو يفسخ نكاحها، فإن أبى، فسخه الحاكم؛ وهذا المنصوص عن الإمام أحمد، وهو المذهب المقرر عند أصحابه خلافًا للشافعي. قال في المغني والشرح: لأنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد، فاحتاج إلى التفريق، ولأن تزويجها من غير فرقة يسلط زوجين عليها، كل منهما يعتقد صحة نكاحه وفساد نكاح الآخر، ويفارق النكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى.
فافهم الفرق بين الفاسد والباطل، فالباطل لا يحتاج إلى طلاق ولا فسخ، ولا يجب به طلاق؛ فهو بخلاف الفاسد.
[ ٧ / ١٩٥ ]
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن نكاح المحلل، هل فيه خلاف أم هو باطل؟
فأجاب: قال في المغني، لما ذكر الشروط التي يبطل بها النكاح: وكذلك إن شرط عليه أن يحلها لزوج كان قبله؛ وجملته: أن نكاح المحلل حرام باطل في قول عامة أهل العلم، منهم الحسن وقتادة ومالك والشعبي، وسواء قال: زوجتكها إلى أن تطأها، أو شرط أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما، أو أنه إذا أحلها للأول طلقها. وحكي عن أبي حنيفة أنه يصح النكاح، ويبطل الشرط.
ولنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لعن الله المحلِّل والمحلَّل له " ١، رواه أبو داود وابن ماجة، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، منهم عمر وعثمان وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين. قال ابن مسعود: "المحلل والمحلل له ملعونان على لسان رسول الله ﷺ". وروى ابن ماجة أنه ﷺ قال: " ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل. لعن الله المحلل والمحلل له " ٢.
_________________
(١) ١ الترمذي: النكاح (١١١٩)، وأبو داود: النكاح (٢٠٧٦)، وابن ماجة: النكاح (١٩٣٥) . ٢ ابن ماجة: النكاح (١٩٣٦) .
[ ٧ / ١٩٦ ]
فصل
فإن شرط عليه التحليل قبل العقد، ولم يذكره في العقد، ونواه في العقد، أو نوى التحليل من غير شرط، فالنكاح باطل أيضًا. سئل أحمد عن الرجل يتزوج المرأة، وفي نفسه أن يحللها لزوجها الأول، ولم يعلم المرأة بذلك؟
قال: هو محلل، إذا أراد بذلك الإحلال فهو ملعون.
وهذا ظاهر قول الصحابة، ﵃، روى نافع عن ابن عمر أن رجلًا قال له: امرأة تزوجتها أحلها لزوجها، ولم يأمرني ولم يعلم؟ قال:؟ "لا، إلا النكاح رغبة، إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها; قال: وإن كنا لنعده على عهد رسول الله ﷺ سفاحًا، وقال: لا يزالان زانيين، وإن مكثا عشرين سنة، إذا علم أنه يريد أن يحللها". وجاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا، أيحلها له رجل؟ قال:؟ "من يخادع الله يخدعه"، وهذا قول الحسن والليث ومالك; وقال أبو حنيفة والشافعي: العقد صحيح.
ولنا: قول النبي ﷺ " لعن الله المحلل والمحلل له " ١، وهو قول من سمينا من الصحابة، ولا مخالف لهم، فيكون إجماعًا.
_________________
(١) ١ الترمذي: النكاح (١١١٩)، وأبو داود: النكاح (٢٠٧٦)، وابن ماجة: النكاح (١٩٣٥) .
[ ٧ / ١٩٧ ]
فصل
فإن شرط عليه أن يحلها قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرطوا عليه وقصد نكاح رغبة، صح العقد، لأنه خلا عن نية التحليل. وإن نوى وليها دون الزوج، لم يؤثر ذلك في العقد. وقال الحسن وإبراهيم: إذا هَمَّ أحد الثلاثة فسد النكاح، ونية المرأة ليس بشيء، وإنما قال النبي ﷺ: " لعن الله المحلل والمحلل له " ١، ولأن العقد إنما يبطل بنية الزوج، لأنه الذي إليه المفارقة والإمساك، فأما المرأة فلا تملك رفع العقد، فوجود نيتها وعدمها سواء. وكذا الزوج الأول، لا يملك شيئًا من العقد ولا من رفعه فهو أجنبي، فإن قيل: كيف لعنه ﷺ؟ قلنا: إنما لعنه إذا رجع إليها بذلك التحلل، لأنه لم تحل له فكان زانيًا، فاستحق اللعنة لذلك.
_________________
(١) ١ الترمذي: النكاح (١١١٩)، وأبو داود: النكاح (٢٠٧٦)، وابن ماجة: النكاح (١٩٣٥) .
[ ٧ / ١٩٨ ]
فصل
ونكاح المحلل لا يحصل به الإحصان، ولا الإباحة للزوج الأول; فإن قيل: فقد سماه النبي ﷺ: محللا، وسمى الزوج: محللا له، ولو لم يحصل الحل لم يكن محللا ولا محللا له، قلنا: إنما سماه محللا لأنه قصد التحليل في موضع لا يحصل فيه الحل، كما قال: " ما آمن بالقرآن من استحل محارمه " ١، وقال تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [سورة التوبة آية: ٣٧]، ولو كان محللًا في الحقيقة والآخر محللًا له، لم يكونا ملعونين. انتهى ملخصًا.
فقد علمت ألهمك الله: أن المحلل إذا شرط عليه أن يحلها للزوج قبله، أن نكاحه باطل، وأنه إن شرط عليه التحليل قبل العقد، ولم يذكره في العقد، أو نوى التحليل من غير شرط، فالنكاح باطل أيضًا، وأنه إن شرط عليه أن يحلها قبل العقد، فنوى بالعقد غير ما شرطوا عليه، وقصد نكاح رغبة، أن العقد صحيح; وإن قصدت المرأة التحليل أو وليها دون الزوج، لم يؤثر ذلك في العقد، وأن نكاح المحلل لا يحصل به الإحصان، ولا الإباحة للزوج، والله أعلم.
النكاح الباطل
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ، رحمهم الله تعالى: عن النكاح الباطل إلخ؟
فأجاب: أسلفنا لكم في الجواب المتقدم، أن النكاح
_________________
(١) ١ الترمذي: فضائل القرآن (٢٩١٨) .
[ ٧ / ١٩٩ ]
الباطل لا يحتاج إلى طلاق ولا فسخ، ولا يوجب مهرًا بدون الوطء، بخلاف الفاسد؛ ونحن نذكر لكم هنا من عبارات الفقهاء، ما تبدو معه وجوه الفرق مسفرة ضاحكة:
قال في الإقناع: ويقع الطلاق في النكاح المختلف في صحته، كالنكاح بولاية فاسق، أو بشهادة فاسقين، أو نكاح الأخت في عدة أختها، أو نكاح الشغار، أو المحلل، أو بلا شهود، أو بلا ولي، وما أشبه ذلك، كعقد حكم بصحته، ويثبت به النسب والعدة والمهر، ولا يقع في نكاح باطل إجماعًا، ولا في نكاح فضولي قبل إجازته، وإن نفذناه بها. انتهى ملخصًا.
وقال في المنتهى وشرحه - لتقي الدين الفتوحي -: ولا فرق في عدة وجبت بدون وطء، بين نكاح فاسد وصحيح، نص عليه. والمراد بالفاسد: المختلف فيه، كالحنفي يتزوج بلا ولي ونحو ذلك; ولا عدة في نكاح باطل، أي: مجمع على بطلانه إلا بوطء، لأن وجود صورته كعدمه. انتهى ملخصًا.
وقال في الروض المربع: تلزم العدة كل امرأة فارقت زوجها بطلاق أو فسخ أو خلع، حتى في نكاح فاسد فيه خلاف، كنكاح بلا ولي إلحاقًا له بالصحيح، ولذلك وقع فيه الطلاق، وإن كان النكاح باطلًا وفاقًا، أي: إجماعًا، كنكاح خامسة أو معتدة لم تعتد للوفاة إذا مات عنها، ولا
[ ٧ / ٢٠٠ ]
إذا فارقها في الحياة قبل الوطء، لأن وجود هذا العقد كعدمه. انتهى.
وبنحو ما ذكره من نقلنا كلامهم، قاله غيرهم، فلا نطيل بنقله، وقد أسلفنا لك في الجواب السابق قول المغنى والشرح، لأنه أي النكاح الفاسد يسوغ فيه الاجتهاد، فاحتاج إلى التفريق، ولأن تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسلط زوجين عليها، كل منهما يعتقد صحة نكاحه وفساد نكاح الآخر، ويفارق النكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى كلامه في المغنى والشرح.
فظهر مما نقلناه الفرق بين الفاسد والباطل، فالباطل لا يحتاج إلى طلاق ولا فسخ، ولا يجب به عدة ولا مهر بدون الوطء. ومن صور الباطل أيضًا: نكاح الخامسة، ونكاح المعتدة كما مثل به صاحب الروض. ومنها أيضًا: نكاح الموطوءة بشبهة، ونكاح زوجة الغير، وذات المحرم من نسب ورضاع، والله أعلم. انتهى.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد، ﵏: الفاسد هنا هو ما اختلف في صحته، لأن كلًا من المختلفين إمام مجتهد، وله استدلال على ما ذهب إليه. فإذا قال الإمام أحمد: إن النكاح لا يصح لحديث كذا، وقال به أصحابه ومن تبعهم لقوة دليله عندهم، ورأينا غيرهم يقول بالصحة ويقدح في إسناد حديثه مثلًا، فإنا لا
[ ٧ / ٢٠١ ]
نحكم والحالة هذه بأن النكاح لم ينعقد، فنقول: هو فاسد، لا يخرج من ذلك إلا بالطلاق، خروجًا من خلاف العلماء.
وأما الباطل: فهو ما أجمع على بطلانه، لظهور دليله وعدم المعارض، فيكون غير منعقد من أصله، فلا يحتاج إلى طلاق لكونه لم ينعقد بيقين.
وأجاب أيضًا: الصحيح أن الباطل والفاسد مترادفان عند أهل الأصول والفقهاء من الحنابلة، والشافعية، كالفرض والواجب; وذهب بعض العلماء إلى أن الباطل: ما أجمع على بطلانه، والفاسد: ما اختلف في صحته وفساده، لأن هذا قد تترتب عليه أحكام غالبًا بخلاف الأول; والقول الأول هو الصحيح، لكن بعض الفقهاء من أهل المذهب، يعبر عن المختلف فيه بالفاسد، والمجمع عليه بالباطل لتجري العبارة على القولين، ولعلهم لا يمنعون من تسمية ما عبروا عنه بالباطل فاسدًا، وما عبروا عنه بالفاسد باطلًا، وبعضهم سمى المختلف فيه باطلًا أيضًا.
وقال أبو حنيفة: إنهما متباينان، فالباطل عنده: ما لم يشرع بالكلية كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد: ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا. وعندنا: كل ما كان منهيًا عنه إما لعينه أو لوصفه ففاسد وباطل؛ ومثل ذلك: خلاف الحنفية في الفرض والواجب، فالفرض عندهم: ما دل عليه دليل قطعي، كآية وحديث
[ ٧ / ٢٠٢ ]
متواتر، والواجب: ما دل عليه دليل ظني، كالأحاديث غير المتواترة.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما الفرق بين الباطل والفاسد، فقال في مختصر التحرير وشرحه: وباطل وفاسد مترادفان، يقابلان الصحة الشرعية، أي: فيقال لكل ما ليس بصحيح باطل وفاسد، سواء كان عبادة أو عقدًا. قال: وفرق أبو حنيفة بين البطلان والفساد، وفرق أصحابنا وأصحاب الشافعي بين الفاسد والباطل في الفقه، في مسائل كثيرة. قال في شرح التحرير: قلت: غالب المسائل التي حكموا عليها بالفساد، إذا كانت مختلفًا فيها بين العلماء، والتي حكموا عليها بالبطلان إذا كانت مجمعًا عليها، أو الخلاف فيها شاذ; قال: ثم وجدت بعض أصحابنا قال: الفاسد من النكاح ما يسوغ فيه الاجتهاد، والباطل ما كان مجمعًا على بطلانه.
وأما صور النكاح الباطل، فمنها: نكاح خامسة، ومعتدة، وكذا نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، ونكاح مطلقته ثلاثًا قبل أن تنكح زوجًا غيره، ونكاح الوثنية، والنكاح الخالي من الولي والشاهدين جميعًا.
[ ٧ / ٢٠٣ ]