[مشروعية التطوع بالحج والعمرة وزيارة المسجدين]
قال الشيخ سليمان بن سحمان: اعلم وفقني الله وإياك لمعرفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتباع سبيل المؤمنين، أنه ليس مع من خالف في مسألة التطوع بالحج والعمرة، وزيارة المسجدين، وقال بالمنع من ذلك، إلا ما ورد من النهي العام عن مجامعة المشركين ومساكنتهم، والإقامة بين ظهرانيهم، كقوله ﷺ: " أنا بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قيل: ولِم يا رسول الله؟ قال: لا تراءى ناراهما " ١، وقوله ﷺ: " من جامع المشرك أو سكن معه، فهو مثله " ٢، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في المنع من الإقامة. وقد أجمع العلماء على ذلك إلا مع إظهار الدين، وهذا حق لا مرية فيه، وبه ندين الله؛ وقد خالف في ذلك من أعمى الله بصيرة قلبه، واتبع هواه. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] .
ولكن قد ورد من الأحاديث عن النبي ﷺ ما يخصص المساجد الثلاثة، ويخرجها عن عموم النهي، كقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: " لا تشد
_________________
(١) ١ الترمذي: السير (١٦٠٤)، وأبو داود: الجهاد (٢٦٤٥) . ٢ أبو داود: الجهاد (٢٧٨٧) .
[ ٥ / ٣٦٣ ]
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " ١ الحديث. ونهى رسول الله ﷺ عن شد الرحال، وإعمال المطي إلى غير هذه المساجد الثلاثة نهيًا عامًا، وأخبر أن الصلاة الواحدة في مسجده ﷺ بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه. وأخبر ﷺ " أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " ٢، وقال ﷺ: " تابعوا بين العمرة والحج، فإنهما ينفيان الفقر " ٣، ولما قال سراقة بن مالك: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم للأبد؟ فقال ﷺ: " بل لأبد الأبد " ٤، فأطلق ﷺ ذلك، ولم يخصص زمانًا دون زمان، ولا وقتًا دون وقت، ولا حالًا دون حال، بل أطلق وعمم.
وقد علم الله أنه سيكون فيها كفر وشرك، ولكن لما كان لهذه المساجد الثلاثة من المزية والفضل ما خصها الله به من بين سائر مساجد الأرض وبقاعها، لأن ذلك الفضل والمزية وصف لازم لها لا ينفك عنها أبدًا، كانت مستثناة من عموم النهي، بخلاف سائر المساجد والبقاع الفاضلة، كالثغور فإن ذلك الوصف عارض لها؛ فإن كون البقعة ثغرًا للمسلمين، أو غير ثغر هو من الصفات العارضة لا اللازمة لها، بمنْزلة كونها دار إسلام، أو دار كفر، أو دار حرب، أو دار سلم، أو دار علم، أو دار جهل ونفاق، فكذلك تختلف باختلاف سكانها وصفاتهم، بخلاف المساجد الثلاثة، فإن مزيتها صفة لازمة لها لا يمكن إخراجها عن ذلك، كما ذكره شيخ الإسلام في بعض أجوبته.
_________________
(١) ١ البخاري: الجمعة (١١٨٩)، وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٤١٠) . ٢ البخاري: الحج (١٧٧٣)، ومسلم: الحج (١٣٤٩)، والترمذي: الحج (٩٣٣)، والنسائي: مناسك الحج (٢٦٢٢، ٢٦٢٩)، وابن ماجة: المناسك (٢٨٨٨)، وأحمد (٢/٢٤٦، ٢/٤٦١، ٢/٤٦٢)، ومالك: الحج (٧٧٦) . ٣ الترمذي: الحج (٨١٠)، والنسائي: مناسك الحج (٢٦٣١)، وأحمد (١/٣٨٧) . ٤ البخاري: الحج (١٧٨٥) والتمني (٧٢٣٠)، ومسلم: الحج (١٢١٦)، والنسائي: مناسك الحج (٢٨٠٥)، وأبو داود: المناسك (١٧٨٧)، وابن ماجة: المناسك (٢٩٨٠) .
[ ٥ / ٣٦٤ ]
إذا عرفت ذلك: فإنشاء السفر للحج والعمرة، وزيارة المسجدين للصلاة فيها، سفر مشروع مطلوب مندوب إليه، محبوب لله مرضي له، لعبادة الله فيها، وإقامة ما شرعه الله ورسوله فيها، ولما في ذلك من الفضل والأجر العظيم، والعبادات التي لا يصح الإتيان بها إلا فيها، ولا يمكن فعلها في غيرها، كالطواف بالبيت والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والوقوف بالمشعر الحرام، وإراقة الدماء في أيام منى، إلى غير ذلك من إقامة شعائر الله. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج آية: ٣٢] . فمن رام تعطيل ما شرعه الله ورسوله، وحرم على الناس الحج والعمرة، وزيارة المسجدين، بغير دليل شرعي يجب التسليم له، فقد ظلم نفسه؛ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [سورة البقرة آية: ١١٤]، وهذا بخلاف إنشاء السفر للتجارة، فإن ذلك ليس مطلوبًا شرعًا مندوبًا إليه، مرغبًا فيه محبوبًا لله، بل مباحًا في الجملة; فإن أفضى إلى معصية، كان ذلك ممنوعًا شرعًا لمن لم يقدر على إظهار دينه.
وقد تكلم العلماء قديمًا وحديثًا، في مسألة الإقامة بين أظهر المشركين والسفر إلى ديارهم، فمنعوا منها إلا مع إظهار الدين، وبعضهم منع مطلقًا، ولم يمنع أحد من العلماء في قديم الدهر وحديثه، من التطوع بالحج والعمرة، وزيارة المسجدين للصلاة فيهما، إلا إذا أفضى إلى إسقاط فرائض الله، كترك الصلاة وإضاعتها، أو إضاعة أوقاتها
[ ٥ / ٣٦٥ ]
وجُمعها، على غير الوجه الشرعي؛ فقد ذكر بعض العلماء: أن ذلك حرام بالإجماع، ومن تحقق أن ذلك يصيبه في حجه، حرم عليه الحج، رجلًا كان أو امرأة. وأما كونه لا يقدر على إظهار دينه فيها، فهذا لا يمنع من إقامة ما شرعه الله ورسوله، من الحج والعمرة؛ ولا يمكن أحدًا من الناس أن يحرم على الناس، ما لم يحرمه الله ورسوله، بمفهومه، من غير دليل شرعي يجب المصير إليه، والتسليم له، خصوصًا إذا عجز عن إظهار دينه. فمن حج أو اعتمر، فعليه أن يتقي الله ما استطاع، وأن يفعل ما أمكنه من إظهار دينه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها؛ والقول بالمنع من التطوع بالحج والعمرة، قول مبتدع محدث، لم يقل به أحد فيما نعلم من علماء الأمة وأئمتها.
[الاستنابة في الحج]
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن الاستنابة إلخ؟
فأجاب: اعلم، وفقني الله وإياك لطاعته، أن من استكملت فيه شروط وجوب الحج لا يخلو، إما أن يكون صحيح البدن وهو الغالب، فيلزمه السعي إلى الحج فورًا إذا تمت شروطه، كأمن الطريق، وإما أن يكون مريضًا ونحوه، والمريض إما أن يرجى برؤه فلا يجوز له الاستنابة بحال، فإن برئ حج بنفسه، وإن مات أقيم من يحج عنه من رأس ماله. وإن كان المريض لا يرجى برؤه، كمرض السل في آخره، وجب عليه أن يقيم من يحج عنه، كالكبير الذي يشق
[ ٥ / ٣٦٦ ]
عليه السفر مشقة غير محتملة؛ قال في الإنصاف: وإن عجز عن السعي لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، لزمه أن يقيم من يحج عنه من بلده. انتهى.
قلت: وأصله: حديث ابن عباس: " أن امرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخًا كبيرًا " ١ الحديث، وهذا الحكم خاص بمن كان بعيدًا عن الحرم، ولم يتلبس بالإحرام من الميقات; أما من أحرم منه، فليس له أن يستنيب من يحج عنه بحال، إذا أحصر بعدو، أو مرض ونحوه، ولم ينقل عن أحد من العلماء أنه أجاز لمن أحصر أن يستنيب، فيما أعلم؛ وحكم من حصره عدو، أو ضل عن الطريق: التحلل بهدي إن وجده، وإلا صام عشرة أيام، للآية الكريمة; هذا إذا لم يشترط في ابتداء إحرامه.
وهل يجوز له إذا لم يشترط، أن يتحلل بالمرض وذهاب النفقة؟ المذهب أنه لا يحل حتى يقدر على البيت؛ فإن فاته الحج تحلل بعمرة، وفيه احتمال يتحلل كمن حصره عدو؛ قال في الإنصاف: وهو رواية اختارها الشيخ تقي الدين. انتهى. وهذا فيمن إحرامه تام; أما من أحصر عن طواف الإفاضة فإنه لا يتحلل حتى يطوف؛ قال في المنتهى وشرحه: ومن أحصر عن طواف الإفاضة فقط، لم يتحلل حتى يطوف ويسعى إن لم يكن سعى، وكذا لو أحصر عن السعي فقط، لأن الشرع ورد بالتحلل بإحرام تام، يحرم
_________________
(١) ١ البخاري: الحج (١٥١٣)، ومسلم: الحج (١٣٣٤)، والترمذي: الحج (٩٢٨)، والنسائي: مناسك الحج (٢٦٣٥، ٢٦٤١) وآداب القضاة (٥٣٩٠)، وأبو داود: المناسك (١٨٠٩)، وابن ماجة: المناسك (٢٩٠٧)، وأحمد (١/٢١٣، ١/٢١٩، ١/٢٥١، ١/٣٥٩)، والدارمي: المناسك (١٨٣١، ١٨٣٢، ١٨٣٣) .
[ ٥ / ٣٦٧ ]
جميع المحظورات؛ وهذا يحرم النساء خاصة فلا يلحق به، ومتى زال الحصر أتى بالطواف والسعي إن لم يكن سعى وتم حجه.
إذا علمت ذلك، فالواجب على من ينتسب إلى معرفة شيء من أحكام الشرع، أن لا يأتي في مسألة حتى يعرف حكمها بالنص عليها في كلام العلماء، ﵏. فعلى هذا، لا تصح الاستنابة عن طواف الإفاضة بحال، ويلزم من لم يطف للإفاضة بنفسه أن يعتزل النساء حتى يرجع، فيحرم من الميقات بعمرة، فإذا طاف طواف العمرة وسعى، طاف لحجه وسعى إن لم يكن سعى.
وأجاب أيضًا: وقع من بعض الحاج أنهم تركوا طواف الإفاضة، وهو أحد أركان الحج الأربعة التي لا يتم الحج إلا بالإتيان بجميعها؛ وبعض من تركه للمرض أو خوفه، استأجر من يطوف عنه، وهذا لا يجزي عن أحد بكل حال، لوجوه منها: أن العلماء، ﵏، نصوا على أنه لا يجوز الاستئجار على فعل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، كالصلاة والطواف ونحو ذلك; ومنها: أنه وإن جاز للمريض مرضًا لا يرجى برؤه، كمرض السل في آخره أن يقيم من يحج عنه، فمحله إذا كان في بلده، لأنه لا يحتمل مشقة طول السفر، بخلاف من أحرم من الميقات، فإنه لا يجوز له الاستنابة، سواء كان مرضه يرجى برؤه أم لا؛ ولو أن من وجب عليه الحج، وهو في بلده مرض بها، مثل هذا المرض
[ ٥ / ٣٦٨ ]
الذي وقع بمكة، فإنه لا يستنيب ما دام حيًا، لأن مثل هذا المرض إن سلم صاحبه من الموت عوفي قريبًا منه غالبًا، فلا يجوز أن يستنيب داخل مكة، هذا لا يقوله أحد من العلماء فيما نعلم.
وإنما اختلف العلماء في مريض أحصر عن الحج بمرضه، فالأصح في مذهب أحمد: أنه لا يحل حتى يقدر على البيت، فإن فاته الحج تحلل بعمرة؛ هذا إذا كان إحرامه تامًا لم يتحلل التحلل الأول، أما من أحصر عن طواف الإفاضة، أو السعي، أو هما، فإنه لا يتحلل حتى يأتي بما بقي عليه من طواف أو سعي؛ نص عليه في المنتهى وشرحه; وهو الصحيح في مذهب الإمام أحمد.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن مرض فلم يطف طواف الإفاضة إلخ؟
فأجاب: من مرض فلم يطف طواف الإفاضة، فمثل هذا يطاف به محمولًا، ولا يستنيب إن كان حجه فرضًا، فإن كان نفلًا جاز له أن يستنيب مطلقًا. والذي توفي وباق عليه بعض مناسك الحج، فإنها تفعل عنه بعد موته، ولا فرق بين الفرض والنفل، ولا كونه عن نفسه أو غيره.
وسئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف: هل يصح التوكيل في طواف الوداع إذا كان الحج فريضة؟ مثل إذا أصاب إنسانًا مرض ونحوه؟
[ ٥ / ٣٦٩ ]
فأجاب: لا يصح التوكيل في طواف الوداع إذا كان فريضة، بل يطاف به راكبًا أو محمولًا، فإن لم يفعل فعليه دم.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن السفر بالأجنبية إلخ؟
فأجاب: الرجل الذي يسافر بامرأة أجنبية يؤدب، لأنه لا يجوز أن يسافر بها بلا محرم.
وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: ماذا على المرأة إذا سافرت مسافة قصر بغير محرم؟
فأجاب: إن تابت فالتوبة تجُبُّ ما قبلها، وإن لم تتب زجرت بما يردعها هي وأمثالها.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابنه عبد الله: عمن توفي ووجد بعده ثمانية حمران إلخ؟
فأجابا: الرجل الذي مات عندكم وهو فقير ساقط عنه الحج في حياته، وعند موته حصل له ثمانية حمران، من ناس علمهم القرآن، وقال: اجعلوها في حجة، وله ورثة، فتكون الحمران بين الورثة.
وسئل: إذا مات الرجل وهو غني، ولم يحج ولم يوص بحجة، هل تؤخذ من المال ويحج عنه؟ أم تسقط؟
فأجاب: يؤخذ قدرها من ماله، وينظر في قرابته من يحج لوجه الله، ويعطى الدراهم يستعين بها.
[ ٥ / ٣٧٠ ]
وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵀: عمن توفي وخلف قدر خمسة عشر أو عشرين ريالًا، وأوصى بحجة، وعمن لم يوص بشيء، هل تقدم الحجة على الميراث والحالة هذه، أم لا؟
فأجاب: لا يخفاك كلام أهل العلم، ولكن مشكل علي كون مثل هذا يؤخذ من ماله، وتصح الوصية به والحالة هذه؛ والذي ذكره أهل العلم: أن من شروط وجوب الحج، أن يملك زادًا وراحلة، وما يحتاج إليه في سفره، بشرط أن يكون ذلك فاضلًا عن قوته وقوت عياله، حتى قال بها أكثر الحنابلة على الدوام، وفاضلًا عن وفاء دينه، سواء كان الدين حالًا أو مؤجلًا، أو لله أو لغيره. وأتحرى أن مثل هذا الذي تذكر ما يوجد فيهم هذه الشروط، وعلى كل حال لا يؤخذ من مالهم شيء؛ ولو أوصى به أحد منهم ما صحت وصيته.
وأجاب أيضًا: الذي مات وعليه حج، يحج عنه من ماله.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما من مات ولم يحج، فإن كان قد وجب عليه الحج قبل موته، لاستكمال شروط الوجوب في حقه مع سعة الوقت، وجب أن يحج عنه من رأس ماله، أوصى به أو لا. وإن كان الميت لم يجب عليه الحج قبل موته، لعدم تكامل شرائط الوجوب في حقه في حياته، لم يجب أن يحج عنه من ماله إن لم يوص به، فإن أوصى به فمن ثلثه؛ هكذا ذكره أصحابنا وغيرهم.
[ ٥ / ٣٧١ ]
قال أصحابنا: من لزمه حج أو عمرة، فتوفي قبله، وجب قضاؤه، فرط أو لا، من رأس ماله، كالزكاة والدين، ولو لم يوص به؛ واحتجوا بحديث ابن عباس، ﵄: " أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء " ١، رواه البخاري.
وسئل: إذا مات وفي ذمته دين وحجة الإسلام، وماله لا يفي بهما؟
فأجاب: وأما من مات وعليه حجة الإسلام، بأن يكون قد وجب عليه الحج في حياته لاستكمال شروطه، حج عنه من ماله. فإن كان عليه دين وماله لا يفي، فالدين ونفقة الحج سواء، يقسم بالحصص. انتهى.
وأما مسألة أخذ الجعالة على الحج، فاختلف العلماء، ﵏ فيها، وأبطل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، منها ما أبطله السلف، وهو أنه لا يحج إلا لأن يعطى أجرة أو جعلًا على ذلك، فهذا عمله باطل ولا ثواب له في الآخرة، لأنه قصد بعمله الدنيا؛ ومن قصد بعمله الذي يبتغى به وجه الله الدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب. وصحح في الشرح الكبير والمغني: أنه لا يجوز الاستئجار للحج، قالا: وهو مذهب أبي حنيفة وإسحاق، لأنها عبادة يختص
_________________
(١) ١ البخاري: الحج (١٨٥٢)، والنسائي: مناسك الحج (٢٦٣٣) .
[ ٥ / ٣٧٢ ]
فاعلها أن يكون من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليها كالصلاة.
قال الشيخ تقي الدين: والمستحب أن يأخذ الحاج من غيره ليحج، لا أن يحج ليأخذ، ومثله: كرزق أخذ على عمل صالح، يفرق بين من قصد الدين، والدنيا وسيلة، والأشبه: أن عكسه ليس له في الآخرة من نصيب.
والأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، هل يجوز إيقاعها على غير وجه القربة؟ فمن قال: لا يجوز ذلك، لم يجز الإجارة عليها، لأنها بالعوض تقع غير قربة؛ وإنما الأعمال بالنيات، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه; ومن جوز الإجارة، جوز إيقاعها على غير وجه القربة، وقال: تجوز الإجارة عليها، لما فيها من نفع المستأجر. انتهى. ذكره عنه في الاختيارات.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما المال الذي يجعل لمن ينوب في الحج، فإن أخذه ليحج صح، وأما إذا حج ليأخذ فلا يصح؛ كذلك ما يصح له أن يوكل غيره، لا في بلد الميت ولا في غيرها، فإن استأجر من يحج بدله من بلد هي أقرب إلى مكة من بلد الميت، فهذا لا يصح أيضًا. وقولك: من يأخذ ذلك لاشتياقه إلى البيت ومشاعر الحج، وللعمل الصالح، لما فيه من زيادة الفضل، فهذا هو الذي تصح نيابته كما تقدم، فإن كان قصده التوصل إلى البيت، فله
[ ٥ / ٣٧٣ ]
أجر لقصده ذلك، وما فعله غير المناسك التي هي أركان الحج، وواجبات، وسنن، فثوابه له، وأما الأركان والواجبات والسنن، فثواب ذلك يرجع للذي هو نائب عنه، وفضل الله واسع. وأما إذا أخذ مالًا من عمان لصاحب له في نجد، فلا يجوز، لأن الواجب الحج للميت من بلده التي هي أبعد من مكة.
وقال أيضًا: وقد نشرت لطلبة العلم، ولمن سألني من عوام المسلمين، أنها لا تصح النيابة في الحج، إذا أخذ ما أوصى به الموصي، إلا إذا أخذ ليحج، فيكون القصد أن يتوصل بما يأخذه إلى بيت الله، رغبة في رؤية البيت والطواف به، وكثرة ثواب العمل فيه، كما قال الخليل ﵇ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٧] . وبعض الناس مولع بزيارة هذا البيت، فيطلب ما يتوصل به إليه، فتصح نيابته في الحج والعمرة على هذا الوجه، وأما إذا حج ليأخذ الأجرة فلا يصح حجه، وإن سماه بعض الفقهاء جعلًا، فهو استئجار بلا ريب؛ وقد نص الفقهاء، ﵏، على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على عمل يكون قربة يتقرب به إلى الله، كالأذان والصلاة؛ وأظن أكثر من يسافر لأخذ الوصايا بالحج إنما قصدوا هذا الثاني، والله أعلم بما تنطوي عليه الضمائر من الإرادات والنيات والمقاصد. فهذا الذي ذكرت لك هو الذي نأخذ به، ونفتي به المستفتين، ونبينه للجاهلين بحسب القدرة والطاقة.
[ ٥ / ٣٧٤ ]
وسئل بعضهم: عن الحج عن الغير لوفاء دينه بما يحصل له من الجعل؟ فأجاب: قد اختلف العلماء أيهما أفضل، والأظهر أن الأفضل الترك؛ فإن كون الإنسان يحج لأجل أن يستفضل شيئًا من النفقة ليس من أعمال السلف، حتى قال الإمام أحمد، ﵀: ما أعلم أحدًا كان يحج عن أحد بشيء، ولو كان هذا العمل صالحًا لكانوا إليه مبادرين. والارتزاق بأعمال البر ليس من أعمال الصالحين، أعني إذا كان مقصوده بالعمل اكتساب المال. وهذا المدين يأخذ من الزكاة ما يوفي دينه به، خيرًا له من أن يقصد أن يحج ليأخذ دراهم يوفي بها دينه. ولا يستحب للرجل أن يأخذ مالًا يحج به عن غيره، إلا لأحد رجلين: إما رجل يحب الحج ويودّ رؤية المشاعر وهو عاجز، فيأخذ ما يقضي به وطره الصالح، ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج، أو رجل يحب أن تبرأ ذمة الميت عن الحج، إما لصلة كانت بينهما، أو لرحمة عامة المؤمنين، أو نحو ذلك، فيأخذ ما يأخذ ليؤدي به ذلك.
وجماع هذا: أن المستحب أن يأخذ ليحج، لا أن يحج ليأخذ، هكذا في جميع الأرزاق المأخوذة على عمل صالح، فمن ارتزق ليتعلم أو يعلم أو ليجاهد، كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: " مثل الذين يُقرئون أمتي ويأخذون أجورهم، كمثل أم موسى في الإرضاع "، بخلاف المستأجرة على الرضاع، إذا كانت أجنبية; وأما من اشتغل بصورة العمل
[ ٥ / ٣٧٥ ]
الصالح لأن يرتزق، فهذا من أعمال الدنيا؛ ففرق بين أن يكون الدين مقصوده والدنيا وسيلة، ومن تكون الدنيا مقصده والدين وسيلة، والأشبه أنه ليس له في الآخرة من خلاق، كما دلت عليه نصوص ليس هذا موضعها.
وأجاب الشيخ سليمان بن سحمان: وما ذكرت من أخذ النيابة من أناس من أهل الكويت، تعرفهم وتعرف عقائدهم، وأنهم على عقائد أهل السنة، وأنك ما أخذت إلا من أجل الحاجة، مستأنسًا بكلام شيخ الإسلام في الاختيارات، بأن النيابة تجوز مع الحاجة، وأن بعض من لديك من الإخوان أنكر ذلك، وقال: ما في الكويت إلا مشرك، أو أخو المشرك، فاعلم: أن أخذ النيابة فيها ما فيها، وكلام أهل التحقيق فيها معروف، كما هو مبسوط في رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لابن سحيم، وجواب ابن غنام عن ذلك؛ لكن إذا كان المحجوج عنه مسلمًا، تعرفون عقيدته وديانته، وأنه ليس بمشرك، فلا بأس بها على الوجه الذي أباحه العلماء.
فإن الذي عليه سائر العلماء من أهل السنة والجماعة، أن الإنسان إذا دخل في الإسلام، وحكم بإسلامه، لا يخرجه من الإسلام ما يفعله من الكبائر، كالسرقة والزنى وشرب المسكر، وأخذ الأموال ظلمًا وعدوانًا; وإنما يخرجه من الإسلام إلى الكفر: الشرك بالله، وإنكار ما جاء به الرسول ﷺ من الدين، بعد معرفته لذلك، وإقامة الحجة
[ ٥ / ٣٧٦ ]
عليه؛ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨]، فثبت بهذه الآية المحكمة: أن جميع الذنوب ما خلا الشرك بالله متعلقة بالمشيئة، وقد يغفرها الله لمن يشاء من عباده؛ وأما الشرك بالله فلا يغفره إلا بالتوبة، ومن مات عليه فهو من أهل النار المخلدين فيها، ولو كان من أعبد الناس وأزهدهم، ولا ينفع مع الشرك بالله عمل البتة.
فإذا عرفت هذا، فهذا الرجل الذي من أهل الكويت، عاص لله بإقامته في هذا البلد الذي هو بلد كفر، لا يجوز للمسلم الإقامة فيه، لكنه بهذه الإقامة إنما يكون عاصيًا، ولا يكفر بهذا الذنب إلا جنس الخوارج المكفرين بالذنوب. فقول القائل: إنه من إخوان المشركين بهذه الإقامة، خطأ محض، وأخاف أن يكون قد دخل في جملة من يكفِّر بالذنوب، نعوذ بالله من القول على الله بلا علم، ومن الجراءة على الأحكام الشرعية بلا دليل.
وأخذ النيابة عن المسلم الموحّد، المؤمن بالله ورسوله على الوجه الذي أباحه العلماء لا مانع منه ولا محذور فيه، وإن كان عاصيًا أو فاسقًا، أو ظالمًا أو مكّاسًا أو غير ذلك من الذنوب التي لا تخرجه من الملة; ومعاداة من أخذها، ومقاطعته، والتفريق بين الإخوان واختلاف كلمتهم، مما يوجب التباغض والتشاحن والتدابر، لا يجوز، وهو مما يسخط الله ولا يحبه؛ ولا ينبغي هذا بين الإخوان، بل هذا
[ ٥ / ٣٧٧ ]
من دسائس الشيطان أخرجها في هذا القالب، والله المستعان.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: أقام زيد عمرًا نائبًا عن بكر، يسميه في العمرة والحج له عن عمرة الإسلام وحجة الإسلام، فيحرم من الميقات بنية العمرة والحج قائلًا عند دخوله في الإحرام: لبيك، عمرة عن فلان، ويسميه، ويلبي حتى يطوف بالبيت طواف العمرة سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأول، ثم يصلي ركعتين خلف المقام. ثم يخرج إلى الصفا من بابه، ويرقى على الصفا، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط; ثم يحل من عمرته بالحلق أو التقصير.
ثم إذا أراد الخروج إلى منى في اليوم الثامن، طاف بالبيت، وصلى ركعتين، وأحرم بالحج، وقال: لبيك، حجًا عن فلان، ويسميه، ويخرج إلى عرفات، ولا يدفع منها إلا بعد غروب الشمس. ثم يفعل ما فعل الحاج، فإذا أتى منى يوم العيد، رمى جمرة العقبة خاصة; ثم يذبح الهدي هدي التمتع، وأدناه جذع من الضأن له ستة أشهر. ثم يفيض إلى مكة ويطوف طواف الزيارة، وهو ركن، ويسعى بين الصفا والمروة، وهو ركن أيضًا. ثم يرجع إلى منى ويبيت بها ليالي منى، ويرمي الجمار الثلاث كل يوم إذا زالت الشمس، كل جمرة سبع حصيات صغار أكبر من الحمص. ثم إذا أراد أن يخرج طاف طواف الوداع، فإذا فعل ذلك تم حجه وعمرته عمن استنيب عنه.
[ ٥ / ٣٧٨ ]
وسئل: عمن حمل الرافضة إلى مكة؟
فأجاب: من حمل الرافضة إلى مكة، فقد عصى الله تعالى، وأصر على كبيرة من الكبائر، فمن كان كذلك صار فاسقًا.
[الحج على حيوان مغصوب]
سئل الشيخ حسن بن حسين: عمن أنشأ الحج على حيوان مغصوب؟
فأجاب: أما التحريم فمطلقًا، وأما عدم الصحة فظاهر كلامهم ما صرح به في الغاية، حيث قال: أو حج بغصب عالمًا به ذاكرًا له وقت عبادة لم تصح، وإلا صحت، ويتجه لو تاب في حج قبل دفع من عرفة أو بعده، إن عاد فوقف مع تجديد إحرام الصحة، لتلبسه بالمباح حال فعل الأركان. انتهى.
[عقد الرداء عند الإحرام لحاجة]
سئل الشيخ عبد الله العنقري: عن عقد الرداء عند الإحرام لحاجة؟
فأجاب: الظاهر - والله أعلم - أن ذلك لا يجوز على ظاهر المذهب، واختار الشيخ الجواز لحاجة. وقال أيضًا في النسك: يجوز عقد ردائه عند الإحرام لحاجة. وأما الاستظلال بالشمسية ونحوها، فظاهر المذهب المنع من ذلك، وفي رواية للإمام أحمد ما يفهم جوازه. والذي يظهر: أنه إن كان لحاجة فلا بأس، وإن كان لغير حاجة، فلا، لقول ابن عمر: " اضح لمن أحرمت له ". انتهى
[ ٥ / ٣٧٩ ]
وسألت شيخنا: الشيخ سعد بن حمد بن عتيق؟ فقال: الراجح الجواز للحاجة في المسألتين.
[كشف رأس الأقرع]
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: عن كشف رأس الأقرع؟
فأجاب: إن كان إذا كشف رأسه يخشى عليه ضرر مرض أو غيره فيجوز أن يغطيه بشمسية أو غيرها، ويلزمه فدية صيام ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة، هو بالخيار. وإن ترك الكشف حياء من الناس من غير مضرة، فليس له رخصة، وإن غطاه فهو عاص آثم.
[هل الْحِجْر من البيت]
سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحمد بن ناصر: عن الحِجْر، هل هو من البيت؟
فأجابوا: الحِجْر من البيت، لما روت عائشة، ﵂، قالت: " سألت رسول الله ﷺ عن الحِجر، أمن البيت هو؟ قال: نعم. قلت: فَلِمَ لَمْ يدخلوه البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعلوا ذلك ليدخلوا من يشاؤوا، ويمنعوا من يشاؤوا، ولولا أن قومك حديثو عهدهم في الجاهلية أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أدخل الحجر بالبيت، وأن ألزق بابه بالأرض " ١،
وعنها قالت: " قال رسول الله ﷺ: إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه؛ فإن بدا لقومك من بعدي، فهلمي لأريك ما تركوا
_________________
(١) ١ البخاري: الحج (١٥٨٤)، ومسلم: الحج (١٣٣٣)، والدارمي: المناسك (١٨٦٩) .
[ ٥ / ٣٨٠ ]
منها؛ فأراها قريبًا من سبعة أذرع " ١، رواهما مسلم. وعنها قالت: " قلت: يا رسول الله، إني نذرت أن أصلي في البيت، قال: صلي في الحجر، فإن الحجر من البيت "، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. فمن ترك الطواف بالحجر لم يطف بالبيت جميعه، ولم يصح طوافه، كما لو ترك الطواف ببعض البناء؛ وبهذا قال عطاء ومالك والشافعي، وأبو ثور وابن المنذر، وهو مذهب الإمام أحمد.
[استلام الأركان وتقبيلها]
وسئلوا: عن استلام الأركان، وتقبيلها؟
فأجابوا: الحجر الأسود يقبل ويستلم، والركن اليماني يستلم ولا يقبل، وفيه قول عند الحنابلة أنه يقبل أيضًا؛ والصحيح الأول، لأن تقبيله لم يثبت عن النبي ﷺ والعراقي والشامي لا يقبلان، ولا يستلمان، لأن النبي ﷺ لم يقبلهما ولم يستلمهما، بل قال ابن عمر: " إن رسول الله ﷺ لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني "، وقال: " ما أراه - يعني رسول الله ﷺ - لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر، إلا أن البيت لم يقم على قواعد إبراهيم، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك "، ولهذا أنكر ابن عباس على معاوية استلامهما، فقال: " لِمَ تستلم هذين الركنين، ولم يكن النبي ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من هذا البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فقال معاوية: صدقت ".
_________________
(١) ١ البخاري: الحج (١٥٨٥)، ومسلم: الحج (١٣٣٣)، والترمذي: الحج (٨٧٦)، والنسائي: مناسك الحج (٢٩٠٠، ٢٩٠١)، وأحمد (٦/١١٣، ٦/٢٤٧)، ومالك: الحج (٨١٣) .
[ ٥ / ٣٨١ ]
وأجاب الشيخ عبد الله بن محمد أيضًا: إذا طاف بالبيت وهو مُحْدِث، فإن كان طواف الزيارة فإنه يعيد، وإن كان قد خرج إلى بلده جبره بدم. وإن كان غير طواف الزيارة ففيه قولان: أحدهما: أن الطهارة شرط لصحته، والثاني: ليست بشرط، ويجبره بدم.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا طاف بالبيت، ثم التفت بوجهه إلى شيء من الأركان والميزاب؟
فأجاب: أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عمر قال: " كان النبي ﷺ لا يدع أن يستلم الحجر الأسود، والركن اليماني في كل طوفة "؛ فعلى هذا، لا يمكن الاستلام إلا بالالتفات، ولم نجد في كلام الفقهاء أن الالتفات في الطواف يضر، أو يلزمه فيه شيء، مع أن الخشوع في الطواف مطلوب، وهو أتم وأحسن، لأن الطواف شبه بالصلاة في غالب الأحوال.
[سعي الحائض قبل الطواف]
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن الحائض إذا قدمت مكة، هل تسعى قبل الطواف؟
فأجاب: لا يصح السعي إلا بعد طواف نسك من الأنساك، أما الْمُفْرِد والقارن، فسعيهما بعد طواف القدوم مجزئ لحجتهما، كما يجزئ القارن لعمرته.
وأما المتمتع، فيسعى بعد طواف العمرة، ولا يجزيه للحج إلا أن يسعى بعد الإفاضة بعد طواف؛ قال بعضهم: يطوف للقدوم ويسعى بعده، والمختار: أنه لا يطوف للقدوم،
[ ٥ / ٣٨٢ ]
وليس عليه إلا طواف الزيارة، وعليه أن يسعى بعده للحج، فإن سعى قبله لم يجزئه؛ قالوا: ويجب أن يكون بعد طواف واجب أو مستحب، هذا كلام الحنابلة لا خلاف بينهم في ذلك.
وقال الشافعية: لو سعى ثم تيقن أنه ترك شيئًا من الطواف لم يصح سعيه، فيلزمه أن يأتي ببقية الطواف، فإذا أتى ببقيته أعاد السعي؛ نص عليه الشافعي، وبنحوه قال مالك وأبو حنيفة. ومما يستدل به لذلك: حديث عائشة، ﵂، وفيه: " فلما كنا في بعض الطريق حضت، فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ قلت: وددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: ارفضي عمرتك وانقضي رأسك، وامتشطي وأهلّي بالحج " ١، ومعنى ارفضي العمرة: ارفضي أعمالها؛ فلو صح سعي قبل الطواف لما منع منه حيضها، كما لا يمنع من سائر المناسك.
وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: والتي حاضت بعد الإحرام، فهذه تفعل كما فعلت عائشة مع النبي ﷺ: تدخل الحج على العمرة، وترفض أعمال العمرة، ولا تطوف بالبيت حتى تقضي حجها، فتكون قارنة؛ وأما اعتمارها بعد انقضاء الحج، فاختار الشيخ وابن القيم أنه لا يشرع.
والجواب عن فعل عائشة: أن النبي ﷺ أذن لها تطييبًا لنفسها، لما قالت: يرجع الناس بنسكين، وأرجع بنسك،
_________________
(١) ١ البخاري: الحيض (٣١٧، ٣١٩) والحج (١٥٥٦)، ومسلم: الحج (١٢١١)، والنسائي: مناسك الحج (٢٧٦٤)، وأبو داود: المناسك (١٧٧٨)، وابن ماجة: المناسك (٣٠٠٠)، وأحمد (٦/١٧٧)، ومالك: الحج (٩٤٠) .
[ ٥ / ٣٨٣ ]
ولهذا لم يفعله أحد من الصحابة غيرها فيما نعلم. انتهى.
[إحرام المكي]
وسئل الشيخ عبد الله بن محمد، رحمهما الله: هل على المكي الإحرام من الحل إلخ؟
فأجاب: المسألة فيها خلاف بين العلماء، والذي عليه الأكثر جواز ذلك واستحبابه، واختار الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم: أنه لا يسن ولا يستحب، لأنه لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه سوى عائشة، فإنه أذن لها في ذلك تطييبًا لقلبها، ولو كان ذلك سنة لفعله الصحابة وبادروا إليه، وهم الأسوة والقدوة في الدين.
[مباهاة الله بأهل عرفة]
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن حديث " إن الله يباهي بأهل عرفة " ١؟
فأجاب: هذا الحديث مروي عن النبي ﷺ، وهو حديث مشهور.
[شهود عدول برؤية هلال ذي الحجة]
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا شهد عدول برؤية هلال ذي الحجة، ولم ير ليلة إحدى وثلاثين إلخ؟
فأجاب: الذي نص عليه العلماء، ﵏، أن الناس إذا وقفوا الثامن أو العاشر خطأ أجزأهم، نص عليه أحمد؛ ودليله: حديث أبي هريرة مرفوعًا: " فطركم يوم تفطرون، وإضحاكم يوم تضحون " ٢، رواه أبو داود والدارقطني، وروى أيضًا من حديث عائشة مثله، قال الخطابي في معالم السنن:
_________________
(١) ١ أحمد (٢/٢٢٤) . ٢ الترمذي: الصوم (٦٩٧)، وأبو داود: الصوم (٢٣٢٤)، وابن ماجة: الصيام (١٦٦٠) .
[ ٥ / ٣٨٤ ]
معنى الحديث: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما سبيله الاجتهاد؛ فلو أن قومًا اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت أن الشهر تسع وعشرون، فإن صومهم وفطرهم ماض؛ وكذلك هذا في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادة، وتجزيهم ضحاياهم.
[هل يكفي المتمتع سعي واحد]
سئل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن: عن المتمتع هل يكفيه سعي واحد؟ أم يجب عليه سعيان؟
فأجاب: المتمتع يكفيه سعي واحد، وعليه جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن كان كثير من العلماء اختار أن عليه سعيين، لكن من زعم أن تركه ذلك مخل بالحج، فقد أبعد عن الصواب؛ فلعله ظن أن جعل الأصحاب السعي للعمرة من أركانها يقتضي فساد الحج، وهذا خطأ لأن مرادهم العمرة المطلقة. أما المتمتع فلم يقصدوه، وإنما قالوا: ويسعى المتمتع سعيين. والخلاف في هذه المسألة مشهور، حتى ذكر الشيخ تقي الدين في منسكه الأخير، أنه أصح قولي العلماء، وأصح الروايتين عن أحمد، ﵀.
وذكر أن الصحابة الذين تمتعوا مع النبي ﷺ لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة، وساق ما رواه أحمد بسنده إلى ابن عباس، أن المفرد والقارن والمتمتع، يجزئه طواف
[ ٥ / ٣٨٥ ]
بالبيت وسعي بين الصفا والمروة، وذكر ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، قال: " لم يطف النبي ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا: طوافه الأول " ١، وردّ ما روي عن عائشة أنهم طافوا طوافين، وذكر أنه زيادة في آخر الحديث من قول بعض الرواة؛ وكلامه في هذه المسألة وكلام تلميذه وغيرهما من المحققين معروف، والدليل معهم ظاهر بحمد الله.
فالمنكر في الحقيقة إنما أنكر على السلف، ومن ألف العادة من غير بصيرة ولا ورع استنكر الحق، ولو قال: هذا خلاف ما عليه العمل، أو أن الفتوى على خلافه لكان أسهل، فالحق الذي لا مرية فيه أن مثل هذا إذا صدر من طلبة العلم، فالإنكار عليه والتشديد في أمره، إنكار في الحقيقة على من عمل به من الصحابة فمن بعدهم.
[رمي الجمار]
سئل الشيخ عبد الله العنقري: عن رمي الجمار دفعة واحدة إلخ؟
فأجاب: الذي رمى الجمرة دفعة واحدة ولم يستأنف أيام منى، فعليه دم شاة تذبح في مكة. وإذا رماها مع الجهل فقد خالف السنة، وليس عليه شيء.
[استدخلت ذكر زوجها وهما محرمان]
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن استدخلت ذكر زوجها وهما محرمان إلخ؟
فأجاب: والمرأة التي استدخلت ذكر زوجها وهما
_________________
(١) ١ مسلم: الحج (١٢١٥)، والترمذي: الحج (٩٤٧)، والنسائي: مناسك الحج (٢٩٨٦)، وأبو داود: المناسك (١٨٩٥)، وابن ماجة: المناسك (٢٩٧٢، ٢٩٧٣)، وأحمد (٣/٣٨٧) .
[ ٥ / ٣٨٦ ]
محرمان، مرادكم: وهو نائم، هل يجب عليه كفارة أو لا؟ وهل تحملها عنه الزوجة كالنفقة أو لا؟ فالظاهر وجوب الفدية عليه، لأن هذا نوع إكراه والمكره عليه الفدية على الصحيح من المذهب؛ قال في الإنصاف، في باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة، عند قول المصنف: وإذا جامع في نهار رمضان إلخ: فشمل كلام المصنف المكره؛ وهو الصحيح من المذهب نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب. وسواء أكره على فعله أو فعل به من نائم وغيره - إلى أن قال - وحيث فسد الصوم بالإكراه، فهو في الكفارة كالناسي على الصحيح من المذهب. وقيل: يرجع بالكفارة على من أكرهه، قلت: وهو الصواب. انتهى.
فتبين بذلك: أن المذهب وجوب الكفارة على من استدخلت زوجته ذكره وهو نائم، وأنها لا تتحملها عنه على الصحيح من المذهب، كما تتحمل عنه نفقة القضاء، والقول بوجوب الكفارة من المفردات.
[مَن لم يطف يوم العيد وأراد أن يطوف بعده]
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ، رحمهما الله: عن رجل أفتى أن من لم يطف يوم العيد، وأراد أن يطوف بعده، فعليه أن يحرم بعد رميه جمرة العقبة والذبح والحلق؟
فأجاب: الذي أفتى، عفا الله عنه، لحديث بلغه، ونحن ما جسرنا على الفتيا به، لأجل أنه خلاف أقوال العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وهو ما روت أم سلمة، قالت:
[ ٥ / ٣٨٧ ]
" كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النحر، فصار إليّ، فدخل علي وهب بن زمعة، ومعه رجال متقمصين، فقال رسول الله ﷺ لوهب بن زمعة: هل أفضت أبا عبد الله؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: انزع عنك القميص، فنَزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِم يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة، أن تحلوا من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا صرتم حرمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به "؛ قال بذا جماعة، رواه أبو داود بإسناد صحيح; قال البيهقي: لا أعلم أحدًا من القدماء قال به، قال النووي: فيكون الحديث منسوخًا دل الإجماع على نسخه.
[الْجُبْرَان في الحج]
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الجبران إلخ؟
فأجاب: جبران الصلاة وهو سجود السهو، أدخل في الجبر من جبران الحج، وهو الدم، لأن جبران الصلاة يتعدى إلى صلاة المأموم من صلاة الإمام، فيلزم المأموم إذا سها إمامه سجود السهو، وإن لم يسهُ هو، بل يلزمه أن يسجد إذا لم يسجد إمامه، بعد إياسه من سجوده على الصحيح من المذهب؛ ومن هنا علم: أن جبران الصلاة أدخل في الجبر من جبران الحج.
[ ٥ / ٣٨٨ ]
[أركان الحج]
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن قولهم: أركان الحج: الوقوف، وطواف الزيارة إلخ؟
فأجابه: قولهم أركان الحج: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة بلا نزاع فيهما؛ فإن ترك طواف الزيارة رجع معتمرًا، لأنه على بقية إحرامه، فهذا في حق من تركه; قال في الإنصاف: وأما المحصر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة، فليس له أن يتحلل، ومتى زال الحصر أتى بطوافه وتم حجه، وذبح هديًا في موضع حصره، وهذا المذهب; واختار ابن القيم في الهدي: أنه لا يلزم المحصر هدي; وأما من أحصر بمرض أو ذهاب نفقة، لم يكن له التحلل حتى يقدر على البيت، فإن فاته الحج تحلل بعمرة، ويحتمل أنه يجوز له التحلل، كمن حصره عدو؛ وهو رواية عن أحمد، اختارها الزركشي، ولعلها أظهر، واختارها الشيخ تقي الدين.
قال ومثله: حائض تعذر مقامها وحرم طوافها، ورجعت ولم تطف لجهلها بطواف الزيارة، أو لعجزها عنه، ولو لذهاب الرفقة. وقال في الفروع: وكذا من ضل الطريق، ذكره في المستوعب. هذا حاصل ما ذكره في الإنصاف، في حكم من فاته طواف الزيارة لهذه الأسباب، وأما إذا أحصر عن فعل واجب، فإنه لا يتحلل على الصحيح من المذهب، وعليه دم له، وحجه صحيح.
وقال القاضي: يتوجه فيمن حصر بعد تحلله الثاني يتحلل; قلت: ولعل مراده أنه لم يبق عليه من المناسك
[ ٥ / ٣٨٩ ]
شيء، إلا أن يكون طواف الوداع، أو رمي الجمار والمبيت بمنى؛ وهذه الأمور يأتي بها الحاج بعد التحلل كله. وأما إذا بقي عليه شيء من المناسك، التي محلها قبل التحلل الثاني، فإنه يبقى محرمًا ليأتي بها، كما يأتي بها من لم يحصر عن واجب، كالمبيت بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة، فلا يجوز أن يأتي بذلك إلا وهو محرم؛ فتدبر.
وسئل أيضًا: من نفر من الحج ولم يطف طواف الزيارة والسعي، ثم أراد السفر لقضاء ما تركه، فهل يحرم بعمرة مفردة، ثم يأتي بما بقي عليه؟ وهل يجوز إن كان الوقت لم يتسع أن يحرم بالحج، فإذا فرغ أتى ببقية أعمال حجه الأول؟
فأجاب: قال في شرح المنتهى: فلو تركه، أي طواف الزيارة، وأتى بغيره من فرائض الحج، وبعد عن مكة مسافة القصر، رجع إلى مكة معتمرًا، فأتى بأفعال العمرة، ثم يطوف للزيارة. انتهى. وهذه مسألة السائل، أحد أجزائها، فيحرم بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج، فإذا فرغ من أعمالها أتى بما تركه من طواف وسعي. أما إذا ضاق الوقت بأن لم يمكنه قدوم مكة قبل الوقوف، فيحرم قارنًا أو مفردًا، فإذا رمى جمرة العقبة وأفاض إلى مكة وطاف طواف الزيارة وسعى بعده، رجع إلى البيت فأتى بما تركه عام أول من طواف وسعي. فإن قدم الطواف والسعي الذي تركه على طواف حجه الذي هو في
[ ٥ / ٣٩٠ ]
أعماله جاز ذلك، لأن وقت طواف الزيارة والسعي موسع، فمتى فعله وقع أداء. هذا ما تقتضيه قواعد مذهبنا، وأصوله.
وأجاب الشيخ أبا بطين: وأما من خرج من مكة ولم يطف للوداع، فإن كان قد بعد عن مكة وجب عليه دم يرسله لمكة إن أمكن، فإن لم يمكنه ذبحه في مكانه.
سئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: إذا لم يطف للوداع إلخ؟
فأجاب: إذا كان حجه فريصة، فالظاهر أنه لا يستنيب في طواف الوداع، بل إذا عجز طيف به راكبًا أو محمولًا؛ فإن لم يفعل فعليه دم.
[شرب ماء زمزم والتبرك به]
سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر، ﵏: عن شرب ماء زمزم والتبرك به إلخ؟
فأجابوا: شرب ماء زمزم، والتبرك به، مستحب، لما روي عن النبي ﷺ: " أنه أتى بني عبد المطلب وهم يسقون، فناولوه دلوًا فشرب منه ". ومن شرب لغرض من هذه الأغراض المذكورة في السؤال لم ينكر عليه، للحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره: عن النبي ﷺ أنه قال: " ماء زمزم لما شرب له " ١.
_________________
(١) ١ ابن ماجة: المناسك (٣٠٦٢)، وأحمد (٣/٣٥٧، ٣/٣٧٢) .
[ ٥ / ٣٩١ ]
فصل
وسئل أبناء الشيخ، وحمد بن ناصر: عن زيارة قبر النبي ﷺ إلخ؟
فأجابوا: إن كان زيارة هذا الزائر لقبر النبي ﷺ أو الصالح، فيها شد رحل، فهي زيارة بدعية، ووسيلة من وسائل الشرك؛ وقد اختلف العلماء في جواز قصر الصلاة في هذا السفر: فمنهم من يجوز القصر، ومنهم لا يجوزه، ويقول: هذا سفر معصية لا يجوز فيه قصر الصلاة، لما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " ١. وإن كانت الزيارة بغير شد رحل فهي مستحبة، كزيارته ﷺ القبور، وأمره بها; وفي الحديث عنه ﷺ أنه سن للزائر أن يقول: " السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم " ٢. هذه هي الزيارة الشرعية التي فعلها ﷺ وأمر بها، وهي دعاء الله للميت المسلم لا دعاء الميت نفسه، ولا يتحرى الدعاء عند قبره؛ فإن دعاء الزائر صاحب القبر شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام، وهو شرك عابدي الأصنام قبل بعث
_________________
(١) ١ البخاري: الجمعة (١١٨٩)، وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٤١٠) . ٢ مسلم: الجنائز (٩٧٥)، والنسائي: الجنائز (٢٠٤٠)، وابن ماجة: ما جاء في الجنائز (١٥٤٧)، وأحمد (٥/٣٥٣، ٥/٣٥٩) .
[ ٥ / ٣٩٢ ]
الرسول ﷺ، وتحري دعاء الله عند القبر ذريعة إلى ذلك، ولكن لا يكون شركًا. والنبي ﷺ سد الذرائع إلى ذلك، حذرًا من فعل هؤلاء القبوريين المفتونين بعبادة أهل القبور قديمًا وحديثًا، إما أن يدعوهم، وإما أن يوهمهم الشيطان أن دعاء الله عندهم مستجاب، حتى يوقعهم في الشرك بهم، وفي عكس المراد من الزيارة للقبور، وهي: الاتعاظ، ودعاء الله لأهلها، وهذا هو دعاء أهل القبور لا دعاء لهم.
وقول السائل: إن قصده التبرك، ومعناه أنه يقع له فضل من الله ببركة زيارته، فهذا اللفظ موهم، والعدول عنه إلى ما هو أصرح وأبعد عن الإيهام هو الأحسن؛ فإن حقه أن يقال: قصده اجتلاب الأجر في الدعاء لأخيه، أو يقال: قصده امتثال أمر الرسول ﷺ أو غير ذلك مما لا يكون فيه إيهام; وأما لفظ "التبرك"، فهؤلاء الجهال في هذا الزمان، لا يفهمون منه إلا الشرك، فإذا أنكر عليهم، قالوا: هذا التبرك بالصالحين، أو هذا ببركة هذا الرجل الصالح؛ كما أن شياطينهم المتسمين بأنهم علماء، قلبوا اسم الشرك، وقالوا هذا التوسل بالصالحين، قلبوا اسم الإله وسموه بالسيد، ولو سموها ما سموها، فالحقيقة بحالها لم تتغير.
وسئلوا: عن زيارة قبر النبي ﷺ؟
فأجابوا: الذي اتفق عليه السلف والخلف، وجاءت به الأحاديث الصحيحة: هو السفر إلى مسجده، والصلاة والسلام عليه ﷺ وطلب الوسيلة، وغير ذلك مما أمر الله به
[ ٥ / ٣٩٣ ]
ورسوله، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين، وهذا هو مراد العلماء الذين قالوا: إنه يستحب السفر إلى قبر النبي ﷺ، فإن مرادهم بالسفر إلى زيارته، هو السفر إلى مسجده; وذكروا في مناسك الحج أنه يستحب زيارة قبره، وهذا هو مرادهم، ولفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره، فإن قبر غيره يوصل إليه، ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور من سنة أو بدعة، وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد أن يصل إلى قبره.
ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره، ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبره، ولم يتكلموا بذلك، وكذلك التابعون، ولا يعرف هذا من كلامهم؛ وما ورد من الأحاديث في زيارة قبره ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم، ولم يرو أحد من أهل السنة المعتد بقولهم شيئًا منها، ولم يحتج به أحد من الأئمة، بل مالك إمام أهل السنة، الذي هو أعلم الناس بحكم هذه المسألة، كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ؛ ولو كان هذا اللفظ مشروعًا عندهم، أو معروفًا، أو مأثورًا عنه ﷺ لم يكرهه عالم المدينة، ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك. والذي تضافرت به النصوص عن السلف، وأجمعت عليه الأمة قولًا وعملًا هو: السفر إلى مسجده المجاور لقبره، والقيام بما أمر الله به من حقوقه في مسجده، كما يقام بذلك في غيره. انتهى ملخصًا من كلام بعض شيوخ الإسلام.
وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: وما سوى
[ ٥ / ٣٩٤ ]
هذه المساجد الثلاثة، لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم. وإذا كان السفر إلى مسجد غير الثلاثة ممتنعًا شرعًا، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع؛ ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة، التي أحدثها الملوك وأشباههم. والأحاديث التي رواها الدارقطني في زيارة قبره ﵇، كلها مكذوبة موضوعة، باتفاق غالب أهل المعرفة، منهم ابن الصلاح، وابن الجوزي، وابن عبد البر، وأبو القاسم السهيلي، وشيخه ابن العربي المالكي، والشيخ تقي الدين وغيرهم، ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل، وكذا تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن، والأئمة كلهم يروون بخلافه. وإنما رخص ﷺ في زيارة القبور مطلقًا بعد أن نهى عنها، كما ثبت في الصحيح، لكن بلا شد رحل وسفر إليها، للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك.
وإذا كان السفر المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه، دخلت زيارة القبر تبعًا، لأنها غير مقصودة استقلالًا; وحينئذ، فالزيارة مشروعة مجمع على استحبابها، بشرط عدم فعل محذور عند القبر، قال ابن حجر: ينوي الزائر المتقرب السفر إلى مسجده ﷺ وشد الرحل، لتكون زيارة القبر تابعة. انتهى. واتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، هو الْمُوقِع لكثير من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك.
فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، كوَدّ
[ ٥ / ٣٩٥ ]
وسواع ويغوث ويعوق، وتماثيل طلاسم الكواكب ونحو ذلك، يزعمون أنها تخاطبهم وتشفع لهم؛ والشرك بقبر النبي ﷺ أو الرجل المعتقد صلاحه، أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو بحجر، ولهذا تجد أهل الشرك كثيرًا ما يتضرعون ويخشعون عندها، ما لا يخشعون لله في الصلاة، ويعبدون أصحابها بدعائهم ورجائهم والاستغاثة بهم، وسؤال النصر على الأعداء، وتكثير الرزق، وإيجاده، والعافية وقضاء الديون، ويبذلون لهم النذور لجلب ما أملوه، أو دفع ما خافوه، مع اتخاذها أعيادًا، والطواف بقبورهم، وتقبيلها واستلامها، وتعفير الخدود على تربتها، وغير ذلك من أنواع العبادات والطلبات التي كان عليها عباد الأوثان، يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند مليكهم.
فهؤلاء يسأل كل منهم حاجته وتفريج كربته، ويهتفون عند الشدائد باسمه، كما يهتف المضطر بالفرد الصمد، ويعتقدون أن زيارته موجبة للغفران، والنجاة من النيران، وأنها تجُبُّ ما قبلها من الآثام؛ بل قد وجد هذا الاعتقاد في الأشجار والغيران، يهتفون باسمها، واسم من تنسب إليه من المعتقدين بما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، وأكثر ما يكون ذلك عند الشدائد.
[ ٥ / ٣٩٦ ]
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: بعض العلماء قد قال بجواز السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وهذا القول لصاحب المغني، وبعض المتأخرين من الحنابلة والشافعية، وهؤلاء يحتجون بقوله: " فزوروها ". وأما ما يحتج به بعض من لا يعرف الحديث، من قوله: " من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي "، فهذا الحديث لا تقوم به حجة عند من له معرفة بعلل الحديث. وأما ما يقوله بعض الناس: إنه حديث: " من حج ولم يزرني فقد جفاني "، فهذا لم يروه أحد من العلماء؛ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، ومثله حديث: " من زارني ضمنت له على الله الجنة "، قال الشيخ: وهذا أيضًا باطل باتفاق العلماء.
قال: والصحيح: ما ذهب إليه المتقدمون، كأبي عبد الله ابن بطة، وأبي الوفاء ابن عقيل، وطوائف من المتقدمين، من أن هذا السفر منهي عنه، لا تقصر فيه الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد؛ وحجتهم: ما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " ١، وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته، والعمل به في الجملة؛ فلو نذر رجل أن يصلي في مسجد أو مشهد، أو يعتكف فيه أو يسافر إليه، غير هذه الثلاثة، لم يجب عليه ذلك باتفاق العلماء. ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى، لصلاة أو اعتكاف، وجب
_________________
(١) ١ البخاري: الجمعة (١١٨٩)، وابن ماجة: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٤١٠) .
[ ٥ / ٣٩٧ ]
عليه الوفاء بهذا النذر، عند مالك والشافعي وأحمد، كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
إذا عرفت أقوال العلماء في هذه المسألة، فاعلم أن الزائر إذا نوى الزيارة التي فيها شد الرحل لسفر زيارة مسجد رسول الله ﷺ، صار ذلك به سفر طاعة بإجماع العلماء، ويحصل له به زيارة قبر النبي ﷺ تبعًا إذا وصل المسجد، وفعل ما هو المشروع من البداءة بتحية المسجد، ثم السلام على رسول الله ﷺ والسلام على صاحبيه، ﵃؛ وذلك لا محذور فيه بوجه، بل هو مصلحة محضة. فأي محذور في تحصيل المصلحة المطلوبة على وجه صحيح بالإجماع؟
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: ومن البدع: الاجتماع في وقت مخصوص، على من يقرأ سيرة المولد الشريف، اعتقادًا أنه قربة مخصوصة مطلوبة دون علم السير، فإن ذلك لم يرد. ومنها: الاجتماع على رواتب المشايخ برفع الصوت، وقراءة الفواتح، والتوسل بهم في المهمات، كراتب السمان، وراتب الحداد ونحوهما؛ بل قد يشتمل على شرك أكبر، فيقاتَلون على ذلك، فإن سلموا من الشرك، أرشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة، فإن أبوا عزرهم الحاكم بما يراه ردعًا.
[ ٥ / ٣٩٨ ]
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما ما يحكى من حال سبب وضع الشباك على الحجرة، فله سبب ولا أستحضر صورته الآن، ونقل عن السيد السمهودي، في خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى، عن الكمال الإسنوي الشافعي، في الباب التاسع عشر من الخلاصة المذكورة، من الحوادث الغريبة، والوقعات العجيبة في المدينة المنورة، والحجرة الشريفة. وكذلك المطري ذكر ذلك، فقال: وصل السلطان نور الدين محمود بن زنكي بن قسنقر التركي، في سنة ٥٥٧ إلى المدينة، بسبب رؤيا رآها: رأى النبي ﷺ في منامه ليلة، ثلاث مرات، وهو يشير إلى رجلين أشقرين، ويقول: أنجدني! أنقذني من هذين!
فأرسل إلى وزيره، وتجهزا في بقية ليلتهما على رواحل خفيفة في عشرين نفرًا، واستصحب مالًا كثيرًا، فقدم المدينة في ستة عشر يومًا، فزار، ثم أمر بإحضار أهل المدينة بعد كتابتهم، وصار يتصدق عليهم، ويتأمل تلك الصفة، إلى أن انقضت الناس، فقال: هل بقي أحد؟ فقالوا: لم يبق سوى رجلين صالحين عفيفين مغربيين يكثران الصدقة، فطلبهما، فرآهما الرجلين اللذين أشار إليهما النبي ﷺ فسأل عن منْزلهما، فأخبر أنهما برباط بقرب الحجرة، فأمسكهما ومضى إلى منْزلهما، وذكر القصة - إلى أن قال - وأمر بضرب رقابهما، فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة، ثم أمر
[ ٥ / ٣٩٩ ]
بإحضار رصاص عظيم، وحفر خندقًا عظيمًا إلى الماء حول الحجرة كلها، وأذيب ذلك الرصاص وملئ به الخندق، فصار حول الحجرة سور رصاص.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عما ذكر الشيخ من أمر الصخرة؟
فأجاب: ما أشكل من أمر الصخرة، فما ذكر الشيخ لا إشكال فيه، ولا يدل على أنها على الأرض ولا بعضها - كما توهمه صاحب الهامش - لأن ارتفاع الصخرة زمن سليمان ﵇ اثنا عشر ذراعًا بذراع الإنسان، ذراع وشبر وقبضة، لكن دفنها بختنصر، فإنه أمر عسكره أن يملأ كل إنسان منهم ترسه ترابًا ويقذفه ببيت المقدس، وبعده الروم استولوا على بيت المقدس، وطرحوا الزبل والتراب الكثير على الصخرة، مغايظة لبني إسرائيل. فلما فتحها عمر ﵁ بسط ﵁ رداءه، وجعل يكنس التراب والزبل فيه، فأخذ المسلمون يكنسون معه، ويفعلون ما فعل. فإن قصد صاحب الهامش أنها كانت على الأرض قبل أن تكشف فصحيح، وإلا فوهم، والله أعلم.
[ ٥ / ٤٠٠ ]