الباب التاسع وفيه فصول
[الفصل الأول في العلم وفضله وفضل أهله]
الأول: في العلم وفضله، وفضل أهله، من الكتاب والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة آية: ١١]، قال ابن عباس ﵄:"العلماء فوق المؤمنين مائة درجة، ما بين الدرجتين مائة عام".
وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] الآية: بدأ بنفسه، وثنى بملائكته، وثلث بأهل العلم، وكنَّا هم بذلك شرفا وفضلا ونبلا.
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٩]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر آية: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [سورة البينة آية: ٧] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ١: فاقتضت الآيات أن العلماء هم الذين يخشون الله، وأن الذين يخشون الله هم خير البرية؛ فصح أن العلماء خير البرية
وقال رسول الله ﷺ: "من يرد الله به خيرا يفقّه في الدين" ٢، وعنه ﷺ: "العلماء ورثة الأنبياء" ٣، وحسبك بهذه الدرجة
_________________
(١) ١ سورة البينة آية: ٨. ٢ الترمذي: العلم (٢٦٤٥)، وأحمد (١/٣٠٦)، والدارمي: المقدمة (٢٢٥) . ٣ الترمذي: العلم (٢٦٨٢)، وأبو داود: العلم (٣٦٤١)، وابن ماجه: المقدمة (٢٢٣)، وأحمد (٥/١٩٦) .
[ ١٥ / ٤٢٠ ]
شرفا ومجدا وفخرا، فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة.
وقد أفرد في فضله وفضل أهله مصنفات، ولم يخل كتاب من كتب الحديث وغيرها من ذكر فضله وفضلهم.
وفي منهجهم ومكان تعلمهم:
فقد كان العلماء في عصر الشيخ عبد الله وطبقته، في بيوت الله التي هي أفضل بقاع الأرض، التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، كانوا يعلمون الناس كتاب الله وسنة نبيه، ومختصرات الأصول، والفقه؛ وتحفظ تلك عن ظهر قلب.
ولم نمثل بعصر الشيخ عبد الله، الأشهر من علم، وزهده وورعه وسعة فكره؛ وقد كان يضرب به المثل، وهو ما جرى عليه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في عصر الإمام فيصل.
وكذلك في أول عصر تلك الدعوة المباركة، التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وآزره وأيدها الأمير محمد بن سعود؛ وازدهرت في تلك العصور المباركة، يحضرها المتعلمون وغيرهم، ومن يفد من الشام واليمن.
وكذلك كبار العلماء في المساجد، وفي الحرمين الشريفين، والمسجد الأقصى، وأولئك المتخرجون قديما وحديثا، لا يحصون كثرة؛ وما كانت المدرسة الأولى، بل
[ ١٥ / ٤٢١ ]
ما كانت الجامعة العلمية للمهاجرين والأنصار، إلا في المسجد، حيت يلقي عليهم رسول الله ﷺ ما يوحى إليه من الكتاب والحكمة، فهم يقتدون به في أفعاله العالية، وخصاله الحميدة، وهم يأخذونها سماعا بآذانهم، ورؤية بأعينهم، يقول لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ١.
وتؤخذ عنة تعاليم الإسلام من المسجد، كما في حديث ضمام بن ثعلبة الذي قدم المدينة، وأناخ بعيره في ناحية المسجد، وأخذ يلقي على رئيس تلك الجامعة أسئلة كثيرة، ويستفيدون بالأجوبة النافعة المفيدة، ويقول أخيرا: إنه رسول من وراءه، وينصرف راشدا ومعلما.
والوفود القادمون من مختلف أنحاء الجزيرة، لتعلم الدين، وأحواله، وقواعده التي يقوم عليها، في أيام قليلة يقضونها في المسجد، متعلمين من إخوانهم السابقين في الإسلام، من الأستاذ الأكبر ﷺ، كوفد ثقيف، والأشعريين، وعبد القيس، وغيرهم.
والتعليم يلقى على الأفراد والجماعات، بأساليب الحكمة، وعلى كل واحد بما يتناسب مع عقله وعلمه واستعداده، كل ذلك في المسجد؛ وربما جلس الصحابة ﵃، صامتين لا يتكلمون، حياء من رسول الله ﷺ لا يسألونه، فيأتيهم الأعرابي يسأل عن أشياء، يستفيدون بالسؤال عنها.
_________________
(١) ١ البخاري: الأذان (٦٣١)، والدارمي: الصلاة (١٢٥٣) .
[ ١٥ / ٤٢٢ ]
وربما جاء جبريل في صورة رجل غريب، يسأل عن الدين، وأمارات الساعة؛ فيستفيدون من الجواب عليه، وينقلون العلم إلى من وراءهم. وفي الحديث: "نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها، وأداها كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع" ١.
ومن هناك كانت البعوث والسرايا، ودعاة الإسلام ورسله، تبعث قبل الشام واليمن ونجد، وإلى القرى القريبة والبعيدة؛ فقد كان أبو موسى ومعاذ، يذهبان إلى اليمن معلمين، ولهما ولأمثالهما يقول ﷺ: "بشِّروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا" ٢.
وأبو عبيدة المالي يذهب إلى نجران، والبحرين، ويأتي بأموال الجزية والخراج؛ ومثله عبد الله بن رواحة يأخذ ما وقت عليه المساقاة في خيبر مع اليهود.
وخالد وعمرو بن العاص، والمهاجرون أبو عبيدة، والعلاء بن الحضرمي، وزيد بن حارثة، وإخوانهم كثيرون، يخرجون من المسجد مدربين تدريبا عسكريا، صالحين للقيادة وإمارة الجيش.
والخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ في مسجده الشريف، يجلسون للتعليم، والشورى والإصلاح، والقضاء والفتيا، وتنظيم بيت المال، واستقبال الوفود، وكتابة الرسائل.
وفي الحرم المكي يجلس ابن عباس وابن عمر رضي الله
_________________
(١) ١ الترمذي: العلم (٢٦٥٨)، وابن ماجه: المقدمة (٢٣٢) . ٢ البخاري: المغازي (٤٣٤٥)، ومسلم: الجهاد والسير (١٧٣٢)، وأبو داود: الأدب (٤٨٣٥)، وأحمد (٤/٣٩٩) .
[ ١٥ / ٤٢٣ ]
عنهم في المسجد، ودواليك بابن عباس ومجاهد، وعطاء، ومكحول، وميمون بن مهران، وعكرمة، ومقسم، وسعيد بن جبير.
فهذا يعلم الناس تفسيرا، وحديثا، وفقها، وأدبا؛ وهذا يفتح داره للأضياف، والقادمين إلى مكة، ويطعم الطعام، وهذا لشؤون الناس، والآخر لدينهم.
وكم تعاقب العلماء والمتعلمون من التابعين، وتابع التابعين بعد الصحابة في مسجد الأنصار، كسالم، وعروة، وخارجة، والقاسم بن محمد وزين العابدين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
ثم ابن شهاب، والزهري، وهشام بن عروة، وعبيدة السلماني، وابن سيرين، كل أولئك يدرسون الناس في المساجد، ويتخرج على أيديهم الألوف من العلماء.
وأهل التأريخ الإسلامي كسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس وابن جريج، وعبد الرزاق والصنعاني وشيخه معمر، وقبلهم وبعدهم من لا يأتي عليهم الحصر.
وفي مسجد دمشق، معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبد الله بن عامر من القراء السبعة، الذي قيل فيه: إنه خطب في المسجد عشرين سنة، وما سمعوا منه خطبة معادة، ولا كلاما مكررا.
وفي الكوفة: عبد الله بن مسعود، وتلاميذه، من أمثال علقمة بن وقاص الليثي، وبعدهم عبد الرحمن بن حبيب
[ ١٥ / ٤٢٤ ]
السلمي، وأبو بكر بن عياش، ومن القراء: حمزة، والكسائي، وعاصم بن أبي النجود.
وفي البصرة: الحسن، وابن سيرين، وشيخهم أنس بن مالك، ثم واصل بن عطاء، وجمع كثير من علماء السنة.
وسل بغداد، والموصل، والقاهرة، وقرطبة، وأشبيلة، والقيروان; وسل أنطاكية، وحلب، وحمص، وحماه; وسل الطائف، والأحساء، وصنعاء، وزبيد، وحضرموت، وغيرها من الأقطار الإسلامية، كيف كانت مساجدها، وعلماؤها؟
وكيف كان الشافعي يقضي نهاره، في مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط؟ وأين كانت الأئمة ورجال الفقه والحديث، يلقون دروسهم في شتى العلوم؟ وهل كان ذلك إلا في المسجد.
ولو بعث الله معمرا، وابن المثنى، والقاسم بن سلام، والفراء، والزجاج، والمبرد، والمازني، وأبا عمرو بن العلاء; لو بعث هؤلاء من الجيل الأول، وبعدهم القراء، والزمخشري والنووي، والرافعي، ومن بعدهم، وقيل لهم من أين تخرجتم؟ وفي أي مدرسة تعلمتم؟ لقالوا جميعا بلسان واحد: في المسجد تعلمنا.
أما المجاهدون، ورجال العلم أيضا، فسل عنهم المساجد لتحدثك عن سعد بن أبي وقاص، والمثنى بن حارثة، وأبي مسلم الخراساني، وطارق بن زياد، وموسى بن
[ ١٥ / ٤٢٥ ]
نصير، وقتيبة بن مسلم الباهلي، والمهلب بن أبي صفرة، وطاهر بن حسين، وابنه عبد الله.
ثم جوهر الصقلي، ومنصور بن أبي عامر المعافري اليمني، وأمثالهم من القواد، والجنود، ونواب الخلافة، ووكلاء الشريعة، في الشرق والغرب.
كانت المساجد أبحرا تدفع بالأمواج من أبطال الغزو، وعلماء الدين، وتقذف بالجواهر، واللآلي الكبار من هذا النوع، في مختلف العصور؛ ومنها يخرج أبطال أعلام من قادة الفكر.
وانظر في الأمصار، والمدن من كل علّامة فيها يملي الأحاديث; وإن طال الكلام، فإنما هيجه ما دهى الإسلام في هذا العصر، من خلو بيوت الله، التي هي معاقد العلم، وتفرق أهله.
فأدركت الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، تتلى عليه المتون عن ظهر قلب، وقبل ذلك يتحفظ كتاب الله، ويتلى عليه التفسير، ويحضر تلك المجالس الشريفة المتعلمون وغيرهم.
ولسعة رأيه، إذا دهم الملك عبد العزيز أمر، أتى إليه في ذلك المجلس، فتراه يتململ، والشيخ لا يقطع الدرس، لعلوّ مكانة العلم عنده، ولم يكن يتبذله.
وكذا الشيخ حمد بن فارس، وكان يلي بيت المال، ويرسل إليه الملك: لم يتأخر؟ فلا يقطع الدرس; وكذا
[ ١٥ / ٤٢٦ ]
الشيخ سعد بن عتيق يجلس للعلم في الجامع.
وتلك الفنون من مختصرات الحديث، والأصول، كالتوحيد، وحكم موالاة أهل الشرك، ومتون الفقه، كلها تتلى عند الجميع عن ظهر قلب.
وكذا عند الشيخ محمد بن إبراهيم، بعد أن أقيم مقام الشيخ عبد الله في التعليم، برهة من الزمن حيث فتحت المدارس النظامية، وأقبل الطلاب إليها وإلى المعاهد والكليات وغيرها من الاتجاهات؛ حينئذ تفرق أهل العلم عن قلب العاصمة الذين أخذوه عن معدنه، ويأخذه عنهم أولو الهمم العالية، السالمون من العلوم المفضولة والمحظورة.
وأما الآن فضعف العلم حيث خرج علماء المسلمين من بيوت الله، الذين هم أولى أن يبلغ عنهم العلم النافع كما بلغوا، فخلت بيوت الله من أهلها إلا من شاء الله؛ وأضعف العلم النافع بالعلوم المفضولة الذي قرر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وغيره تحريم العلوم المفضولة إذا أضعفت العلم النافع.
فضلا عن العلوم المحظورة التي يحملها الوثنيون الملحدون الزنادقة، الذين هم السم القاتل لدين الإسلام من رجال ونساء، والذين هم فساد المجتمع، الذي لا يمتري فيه من له أدنى مسكة من عقل.
مع أنهم قد رأوا وسمعوا وبلغهم بلاغا حسيا لا يمتري فيه إلا مكابر، ما جرى على الأجانب أفراخ الإفرنج
[ ١٥ / ٤٢٧ ]
وتلاميذهم في تلك الدول المجاورة. فكيف وأين العقول؟ أين العروبة؟ سبحان الله؟ ما أعظم شأنه، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. ١
وإليك وصية الملك الفاتح لابنه، الذي اعترف بنصر الله له، حيث نصر دينه؛ وإن كان ذلك معلوما بالضرورة، ولكن سقته مثلا، وبيانا لحضه ابنه على استقدام العلماء وإكرامهم، وإن كان ذلك معلوما للولاة من عصر النبوة إلى عصر الشيخ عبد الله، ﵀.
قال الملك الفاتح عند موته لابنه في وصيته: واعمل على نشر الدين الإسلامي، فإن هذا هو واجب الملوك على الرعي. قدم الاهتمام بأمور الدين على كل شيء، ولا تفتر في المواظبة عليه؛ ولا تستخدم الأشخاص، الذين لا يهتمون بأمر الدين، ولا يجتنبون الكبائر، وينغمسون في الفحش؛ وجانب البدع المفسدة، وباعد الذين يحرضونك عليها.
واحرس أموال بيت المال من أن تتبدد؛ وإياك أن تمد يدك إلى مال أحد من رعيتك إلا بحق الإسلام؛ واضمن للمعوزين قوتهم، وابذل إكرامك للمستحقين.
_________________
(١) ١ وهذا قبل الصحوة المباركة أما الآن فقد بدأ الرجوع إلى المساجد والعتناء بها وبالدعوة فيها -والحمد لله- ولا نزال في أمل بالمزيد وخصوصا حين أبطل الله كيد الحاقدين من شيوعيين وعلمانيين وغيرهم.
[ ١٥ / ٤٢٨ ]
وبما أن العلماء هم مثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فعظم جانبهم وشجعهم، وإذا سمعت بأحد منهم في بلد آخر، فاستقدمه إليك وأكرمه بالمال.
وحذار حذار! لا يغرنك المال، ولا الجند! وإياك أن تبعد أهل الشريعة عن بابك، وإياك أن تميل إلى أي عمل يخالف أحكام الشريعة؛ فإن الدين غايتنا، والهداية منهجنا، وبذلك انتصرنا.
ثم قال: واعمل على تعزيز هذا الدين المحمدي، وتوقير أهله، ولا تصرف أموال الدولة في ترف ولهو، أو أكثر من قدر اللزوم؛ فإن ذلك أعظم أسباب الهلاك. انتهى.
إذا فهمت ما تقدم، من فضل العلم وأهله، وعمارة بيوت الله، بتبليغ شرعه، ووصية الملك باستقدام أهل العلم، وبلغك تفرق العلماء، الذين هم الأهل أن يؤخذ عنهم العلم من قلب العاصمة.
وقدوم الألوف من الوثنيين الملحدين، الذين هم السم القاتل لدين الإسلام، وفساد المجتمع، تبين لك السبب الأعظم، الذي أفردت من أجله هذا الكتاب ١ لبيان تلك المعاول الهدامة، الحادثة في هذا العصر.
[رسالة الشيخ عبد الله بن حميد في الحث على التمسك بالدين]
ومن نصائح علماء هذا العصر التي تشمل غير الحادث
_________________
(١) ١ يقصد به البيان الواضح وأنبل النصائح وقد قسمناه مع التراجم في جزئين لمراعاة أحجام الأجزاء.
[ ١٥ / ٤٢٩ ]
فيه، أضفتها إلى كتاب النصائح الذي هو المجلد الأخير مما جمعته من رسائل علماء هذه الدعوة المباركة ١. وإليك بعض النصائح فيما هو في معنى هذا الفصل:
قال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀، سنة ١٣٧٩ هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حضرة الإمام المكرم: سعود بن عبد العزيز آل سعود، لا برحت أيامه بوجوده زاهرة، وسعادة دنياه متصلة بسعادة الآخرة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإن من الواجب علينا لكم النصح، والمحبة والإخلاص، لأن النصح لأئمة المسلمين، هو من دين الإسلام.
ومعنى النصح لهم: تنبيههم عند الغفلة، وإرشادهم عند الهفوة، وغرس محبتهم في قلوب الرعية، ورد القلوب الشاردة إليهم، هذا الذي يجب لكم علينا وعلى أمثالنا.
ومن المتعين علينا إبلاغكم به، هو ما نراه، ويراه غيرنا من كافة المسلمين، من انتقاض عرى الإسلام عروة
_________________
(١) ١ التي من أهم ما فيها: الحث على تعلم هذا الدين الحنيف وتعليمه والتمسك به والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه والتواصي به، وبالعمل عليه، وذكر بعض من آثاره، وآثار من أعرض عنه إلخ، وهو الآن الجزء ١٤.
[ ١٥ / ٤٣٠ ]
عروة، وبدو مرضه في هذه الديار; وحكومتكم - والحمد لله - حكومة دينية إسلامية، لا قوام لها ولا استقامة إلا بالتمسك بهذا الدين السماوي، والذب عنه بالسيف، واللسان، وجهاد من خالفه.
فإن أنتم تسمكتم بهذا وقمتم به حقا، استقامت دولتكم، وانتظمت أموركم، واجتمعت كلمتكم، وصرتم يدا واحدة على من خالفكم؛ وإن أهملتم شيئا من ذلك، أو تساهلتم فيه، نقص من هيبتكم، وضعف من سلطانكم، وتفرق من كلمتكم بقدر ما أهملتم أو تساهلتم فيه من الدين.
كما روي عنه ﷺ أنه قال: "ما ترك قوم العمل بما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم" ١ فوقوع البأس، وحصول الاختلاف، وضعف القوة، إنما تكون بسبب ترك العمل بما أنزل الله.
وذلك لأن الدين والملك أخوان، لا يستغني أحدهما عن الآخر: الإسلام أُسُس الملك، وقواعده الذي ينبني عليه، والملك ينفذ أوامر الإسلام، ويحميه ممن أراد هدم بنيانه؛ فإذا ذهب الإسلام أو ضعف، ذهب الملك أو ضعف على قدر ضعف الإسلام.
ونرى أمورا لا يجوز السكوت عليها - والله يعلم أنا لا نقصد إلا براءة الذمة، مع المحبة لكم والنصح والإخلاص - وهو: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
_________________
(١) ١ ابن ماجه: الفتن (٤٠١٩) .
[ ١٥ / ٤٣١ ]
ضعف جانبه، وكثر في الناس مجانبه، وكاد عقد نظامه ينحل في هذه البلاد، لعدم سلطة قوية تحميه وتناصره.
فلذا فشت المنكرات، كإضاعة الصلوات، وشرب الخمور، واختلاط الرجال بالنساء واستعمال التلفزيون ١ والسينماءات، لكثرة دخولها البلاد، وهي من أعظم أسباب الخلاعة والدعارة والفساد العريض، والشر الطويل، إلى غير ذلك من المنكرات التي لا يقرها دين ولا عقل.
ثم من المؤلم حقا إسناد تحقيقات الجرائم الضارة، من أخلاقية وغيرها، إلى من ليس بأهل، مما يبعث إلى كثرة ارتكاب المحرمات وانتشارها؛ فمثل هذه الأمور الهامة، لا ينبغي التحقيق فيها إلا من قبل أهلها الموثوق بهم، العارفين بمضرة هذا البلاء وخطورته على المجتمع وعلى الحكومة.
وأيضا يجب على الحكومة، وعلى جميع الشعب التحاكم إلى الشريعة الإسلامية؛ فإن فيها مقنعا وكفاية لكل ما يحتاجون إليه، فالشريعة الإسلامية لم تترك شاذة ولا فاذّة إلا وبينتها أحسن بيان ووضحتها أتم إيضاح، فلا يحتاج معها إلى شيء آخر.
فإن كثيرا من المصالح الحكومية اكتفت عن الشريعة بنظم سنّتها رؤساؤها من وزراء وغيرهم، كنظام العمل
_________________
(١) ١ المراد في ذلك الوقت، تليفزيون شركة الزيت في الظهران.
[ ١٥ / ٤٣٢ ]
والعمال، ونظام البلديات، ونظام التجارة، ونظام الشركات، ونظام المرور، ونظام الموظفين، إلى غير ذلك من النظم الكثيرة. ١
فلم يبق التحاكم إلى الشرع إلا لأفراد الشعب; ونعتقد أنكم - إن شاء الله - لا ترضون بهذا، ولا تطلعون عليه فضلا أن تقرروه; فلو أن لجنة التنظيمات عندما تريد سَنّ نظام يشترك معها أحد طلبة العلم، للتفاهم مع اللجنة فيما يجوز وما لا يجوز، حسب ما تقتضيه الشريعة المطهرة، لكان هو الواجب.
هذا ونسأل الله أن يوفقكم لما فيه صلاحكم وعزكم، وعز الإسلام والمسلمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم.
وقال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀، في كلمة وجهها لحضرات العلماء، ٢ أصحاب الفضيلة، حفظهم الله; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: تعلمون أيها العلماء الأجلاء، ما أصيب به الإسلام من انتقاض عراه عروة عروة، بفشو المنكرات، وتجرؤ الكثير أو الأكثر على ارتكابها، وزوال وحشتها من النفوس، وفساد العقيدة مما يلقيه دعاة الغرب من بذور
_________________
(١) ١ ويأتي الحديث عن النظم في الباب العاشر، إن شاء الله تعالى. ٢ نشرت في جريدة الندوة، في ذي العقدة سنة ١٣٧٨ هـ.
[ ١٥ / ٤٣٣ ]
الشبه والشك من فساد الأخلاق، وظهور البدع التي طغت على السنن.
كما يقول كثير من مدعي الإصلاح الزائف: هذا جمود، وهذه رجعية، وإنه يجب التطور مع الزمن والأحداث؛ يريدون بذلك نبذ تعاليم الإسلام، وعدم تطبيق أحكامه، كأن الإسلام بزعمهم هو الذي أخرهم وأقعدهم.
ولم ينتبهوا لدسائس الغرب الذين قالوا هذا القول، ودعوا إليه، وكتبوا لأجله الكتابات المختلفة الأساليب، يريدون أمرا واحدا، وهو القضاء على الإسلام الذي سطر مجدا خالدا، وتاريخا عظيما للمتمسكين به، في صدر هذه الأمة.
فقد محوا من الوجود ملك أمتين عظيمتين، هما أقوى ملوك الأرض، وأشدها بأسا - فارس، والروم - وأخضعوهم لأوامر القرآن ونواهيه؛ وامتد سلطان المسلمين إلى البحر الأطلنطي غربا، وإلى أقصى الصين شرقا؛ ذلك لأنهم قوم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فأنجز لهم ما وعدهم مجدا في الدنيا، وأجرا في الآخرة.
أيها العلماء الأجلاء، إن الأجانب غزونا في بلادنا غزوا عظيما، بانحلال أخلاقنا، وإضعاف مكانة الدين الإسلامي من قلوبنا، بما يكتبونه من القصص الغرامية، والشبه والشكوك التي يلقونها على بني الإسلام، والتي من شأنها إفساد العقائد الحقة.
[ ١٥ / ٤٣٤ ]
فإن العقيدة إذا فسدت، وخفت أوامر الإسلام ونواهيه على القلب، أصبح مصدرا لكل رذيلة وانحلال خلقي; قال بعض الأوروبيين: إن فن الاحتلال فن عسكري في الأول، ولكنه فن أخلاقي في الآخر.
أيها العلماء الأجلاء، ما مدح الله أهل العلم بما مدحهم به إلا لأنهم ورثة الأنبياء، يبلغون الشرائع للناس، ويوضحون طرق الفلاح والنجاح، وأسباب السعادة والعزة، في هذه الدار ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المنافقون آية: ٨]، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٤] .
أيها العلماء الفضلاء: لقد علمتم ما قال الله في ذمّ من لم يقم بواجبه، ولم يؤد ما عليه لدينه وأمته، من الدعوة والإرشاد، والعظة والتذكير، والإنذار بسوء العاقبة؛ فإن الآيات في الدعوة أكثر من آيات الصوم والحج اللذين هما ركنان من أركان الإسلام الخمسة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٧]: دلت الآية الكريمة على وجوب إظهار العلم وتحريم كتمان شيء من أمور الدين لغرض من الأغراض الفاسدة، والتأويلات البعيدة.
ومتى قام العلماء بما عليهم من إرشاد الأمة إلى اتباع كتابها وهديها، بإرشاده، وتهذيب أخلاقها بآدابه، وجمع
[ ١٥ / ٤٣٥ ]
كلمتها حول تعاليمه، استقامت أمورها، وانتظمت أحوالها، فتصبح عزيزة الجانب، متكافئة متضامنة، أمرهم شورى بينهم.
هذا وإن العلماء - وفقهم الله - يعلمون أن الدعوة إلى الله محفوفة بالمخاطر، محوطة بالأشواك؛ ومن شأن تلك المخاطر تسرب اليأس إلى النفس، فيكون ذريعة عظيمة لتثبيط همة الداعي المرشد.
ولكن من الخير والمصلحة أن يحال بين اليأس وبين الداعي المرشد بما يراه من تلك العقبات التي تعترض الداعي، وتلك الشدائد التي يراها المصلح، بأنه لا غنى له عنها، وأنها سنة فيمن سبقه من الدعاة المصلحين كالرسل وأتباعهم.
وتأكد الدعوة واجب متعين في مثل عصرنا هذا الذي فشت فيه المنكرات، وفسدت العقائد؛ فترك الدعوة والإرشاد، أو التقصير فيهما، سسب للانحراف عن الدين الذي من شأنه اختلاف الكلمة، وتصدع في الوحدة، وتشتت للشمل، واختلاف في الأمر.
ويكون كلٌّ لا هم له إلا السعي وراء الغايات الشخصية، ولو كان في معصية لإلهنا، وضياع لأمتنا وعزتنا، مع ما انضاف إلى ذلك من تنابذ وشقاق، وترويج للباطل، وتمويه للحقائق.
والله المسؤول أن يوفق العلماء والمرشدين للقيام
[ ١٥ / ٤٣٦ ]
بواجبهم في الدعوة إلى الله، وعظة الناس وتذكيرهم، وتوجيههم التوجيه الصحيح النافع؛ وأن يأخذ بأيدي المسلمين حاكمين ومحكومين إلى ما فيه عزهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة؛ وهو الموفق الهادي إلى سواء السبيل.
[رسالة من الشيخ عبد العزيز بن باز في الحث على طلب العلم]
وقال الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله، نبينا محمد وآله وصحبه.
أما بعد: فلا ريب أن طلب العلم من أفضل القربات، ومن أسباب الفوز بالجنة والكرامة لمن عمل به. ومن أهم المهمات: الإخلاص في طلبه; وذلك بأن يكون طلبه لله لا لغرض آخر، لأن ذلك هو سبيل الانتفاع به، وسبب التوفيق لبلوغ المراتب العالية، في الدنيا والآخرة.
وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" ١ يعني: ريحها، أخرجه أبو داود بإسناد حسن.
وأخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف عنه ﷺ أنه قال: "من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار" ٢.
_________________
(١) ١ أبو داود: العلم (٣٦٦٤)، وابن ماجه: المقدمة (٢٥٢)، وأحمد (٢/٣٣٨) . ٢ الترمذي: العلم (٢٦٥٤) .
[ ١٥ / ٤٣٧ ]
فأوصي كل طالب علم، وكل مسلم يطلع على هذه الكلمة، بالإخلاص لله في جميع الأعمال، عملا بقول الله ﷾: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] .
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله ﷿: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه" ١.
كما أوصي كل طالب علم، وكل مسلم، بخشية الله سبحانه ومراقبته، في جميع الأمور، عملا بقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الملك آية: ١٢]، وقوله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [سورة الرحمن آية: ٤٦] .
قال بعض السلف: رأس العلم خشية الله; وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار به جهلا"، وقال بعض السلف: من كان بالله أعرف كان منه أخوف; ويدلك على صحة هذا المعنى قول النبي ﷺ لأصحابه: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" ٢.
فكلما قوي علم العبد بالله، كان ذلك سببا لكمال تقواه وإخلاصه، ووقوفه عند الحدود، وحذره من المعاصي، ولهذا قال الله ﷾: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر آية: ٢٨] .
فالعلماء بالله وبدينه هم أخشى الناس، وأتقاهم له،
_________________
(١) ١ مسلم: الزهد والرقائق (٢٩٨٥)، وابن ماجه: الزهد (٤٢٠٢)، وأحمد (٢/٣٠١) . ٢ البخاري: النكاح (٥٠٦٣) .
[ ١٥ / ٤٣٨ ]
وأقومهم بدينه؛ وعلى رأسهم: الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، ثم أتباعهم بإحسان; ولهذا أخبر النبي ﷺ أن من علامات السعادة، أن يفقه العبد في دين الله، فقال ﵊: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ١ أخرجاه في الصحيحين، من حديث معاوية ﵁.
وما ذاك إلا لأن الفقه في الدين، يحفز العبد على القيام بأمر الله وخشيته، وأداء فرائضه، والحذر من مساخطه، ويدعوه إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والنصح لله ولعباده.
فأسأل الله ﷿ أن يمنحنا وجميع طلبة العلم، وسائر المسلمين، الفقه في دينه والاستقامة عليه؛ وأن يعيذنا جميعا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله، وصحبه ٢.
[قول الشيخ عبد الرحمن بن فريان في وجوب النصيحة]
وقال الشيخ: عبد الرحمن بن عبد الله الفريان
بعد أن ذكر وجوب النصيحة، وما يترتب عليها من نفع المؤمن، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وتحريض العالم على العمل بما عمل، وأن ذلك طريقة الرسل وأتباعهم.
ثم قال: فالواجب على كل من لديه علم، أن يذكر
_________________
(١) ١ البخاري: العلم (٧١)، ومسلم: الزكاة (١٠٣٧)، وابن ماجه: المقدمة (٢٢١)، وأحمد (٤/٩٣،٤/٩٨)، ومالك: الجامع (١٦٦٧)، والدارمي: المقدمة (٢٢٤،٢٢٦) . ٢ وقد طبعت هذه النصيحة من الثمار اليانعة، للشيخ عبد الله الجار الله ﵀.
[ ١٥ / ٤٣٩ ]
بذلك، وأن يناصح في الله، ويدعو إليه حسب الطاقة، أداء لواجب التبليغ والدعوة، وتأسيا بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وحذرا من الكتمان.
إلى أن قال: إذا عرف ما تقدم، فالذي أوصيكم به ونفسي: تقوى الله سبحانه في السر والعلانية، والشدة والرخاء؛ فإنها وصية الله، ووصية رسوله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء آية: ١٣١]، وقال النبي ﷺ في خطبته: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" ١.
والتقوى: كلمة جامعة تجمع الخير كله; وحقيقتها: أداء ما أوجب الله، واجتناب ما حرمه الله، على وجه الإخلاص له، ومحبته والرغبة في ثوابه، والحذر من عقابه.
وقد أمر الله عباده بالتقوى، ووعدهم عليها تيسير الأمور، وتفريج الكروب، وتسهيل الرزق، وغفران السيئات، والفوز بالجنات.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة الحج آية: ١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١٨] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا؟وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق آية: ٢-٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [سورة القلم آية: ٣٤]، وقال
_________________
(١) ١ الترمذي: العلم (٢٦٧٦)، وابن ماجه: المقدمة (٤٢)، والدارمي: المقدمة (٩٥) .
[ ١٥ / ٤٤٠ ]
تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [سورة الطلاق آية: ٥]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فيا معشر المسلمين، راقبوا الله سبحانه، وبادروا إلى التقوى في جميع الحالات، وحاسبوا أنفسكم عند جميع أقوالكم وأعمالكم؛ ومعاملاتكم، فما كان من ذلك سائغا في الشرع فلا بأس بتعاطيه، وما كان منها محذورا في الشرع فاحذروه، وإن ترتب عليه طمع كثير؛ فإن ما عند الله خير وأبقى؛ ومن ترك شيئا اتقاء الله، عوضه الله خيرا منه.
ومتى راقب العباد ربهم، واتقوه ﷾، بفعل ما أمر، وترك ما نهى، أعطاهم الله سبحانه، ما رتب على التقوى، من العزة، والفلاح، والرزق الواسع، والخروج من المضايق، والسعادة والنجاة، في الدنيا والآخرة.
ولا يخفى على كل ذي لب، وأدنى بصيرة، ما قد أصاب أكثر المسلمين، من قسوة القلوب، والزهد في الآخرة، والإعراض عن أسباب النجاة، والإقبال على الدنيا وأسباب تحصيلها، بكل حرص وجشع، من دون تمييز بين ما يحل ويحرم، وانهماك الأكثرين في الشهوات، وأنواع اللهو، والغفلة.
وما ذاك إلا بسبب إعراض القلوب عن الآخرة، وغفلتها عن ذكر الله ومحبته، وعدم التفكر في آلائه ونعمه، وآياته الظاهرة، وعدم الاستعداد للقاء الله، وتذكر الوقوف بين
[ ١٥ / ٤٤١ ]
يديه، والانصراف من ذلك الموقف العظيم إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
فيا معشر المسلمين، تداركوا أنفسكم، وتوبوا إلى ربكم، وتفقهوا في دينكم، وبادروا إلى أداء ما أوجب الله عليكم، واجتنبوا ما حرمه الله عليكم، لتفوزوا بالعز والأمن والهداية، في الدنيا والآخرة.
وإياكم والإكباب على الدنيا، وإيثارها على الآخرة، فإن ذلك من صفات أعداء الله وأعدائكم، من الكفرة والمنافقين، ومن أعظم أسباب العذاب في الدنيا والآخرة.
كما قال تعالى في صفات أعدائه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [سورة الإنسان آية: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥٥] .
وأنتم لم تخلقوا للدنيا، وإنما خلقتم للآخرة، وأمرتم بالتزود لها؛ وخلقت لكم الدنيا لتستعينوا بها على عبادة ربكم الذي خلقكم سبحانه، والاستعداد للقائه، فتحوزوا بذلك فضله وكرامته، وجواره في دار النعيم.
فقبيح بالعاقل: أن يعرض عن عبادة خالقه ومربيه، وعما أعدّ له من الكرامة، ويشتغل عنه بإيثار شهواته البهيمية، والجشع على تحصيل عرض الدنيا الزائل، الذي قد ضمن الله له ما هو خير منه وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.
[ ١٥ / ٤٤٢ ]
وليحذر كل مسلم أن يغتر بالأكثرين، يقول: إن الناس قد ساروا إلى كذا، واعتادوا كذا، فأنا معهم؛ فإن هذه مصيبة عظمى، قد هلك بها أكثر الماضين.
ولكن أيها العاقل، عليك بالنظر لنفسك ومحاسبتها، والتمسك بالحق وإن تركه الناس، والحذر مما نهى الله عنه وإن فعله الناس؛ فالحق أحق بالاتباع.
كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٣] .
وقال بعض السلف ﵀: "لا تزهد في الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين".
هذا وإن أهم ما أوصيكم به: أمورا خمسة:
الأول: الإخلاص لله وحده في جميع القربات القولية والعملية، والحذر من الشرك كله، دقيقه وجليله؛ وهذا أوجب الواجبات، وأهم الأمور، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. ولا صحة لأعمالكم وأقوالكم إلا بعد صحة هذا الأصل وسلامته، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٥] .
الأمر الثاني: التفقه في القرآن وسنة الرسول ﷺ، والتمسك بهما، وسؤال أهل العلم عن كل ما أشكل عليكم
[ ١٥ / ٤٤٣ ]
في أمور دينكم، وهذا واجب على كل مسلم، ليس له تركه والإعراض عنه، والسير وراء رأيه وهواه بدون علم وبصيرة؛ وهذا هو معنى شهادة أن محمدا رسول الله.
فإن هذه الشهادة، توجب على العبد الإيمان بأن محمدا ﷺ رسول الله، والتمسك بما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، والسير في طريقه، والسؤال عن كل ما أشكل من ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] . وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال" ١ أخرجه أبو داود.
وكل من أعرض عن القرآن والسنة، فهو متابع لهواه، عاص لمولاه، مستحق المقت والعقوبة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] . وقال تعالى في وصف الكفار: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سورة النجم آية: ٢٣]: واتباع الهوى - والعياذ بالله - يطمس نور القلب، ويصد عن الحق، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة ص آية: ٢٦] .
فاحذروا رحمكم الله، من اتباع الهوى، والإعراض عن الهدى؛ وعليكم بالتمسك بالحق، والدعوة إليه، والحذر
_________________
(١) ١ أبو داود: الطهارة (٣٣٦) .
[ ١٥ / ٤٤٤ ]
ممن خالفه، لتفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.
الأمر الثالث: إقامة الصلوات الخمس والمحافظة عليها في الجماعة فإنها أهم الواجبات وأعظمها بعد الشهادتين؛ وهي عمود الدين وميزان الأعمال، فمن حفظها فقد حفظ دينه، ومن تركها فارق الإسلام؛ فما أعظم حسرته، وأسوأ عاقبته، يوم الوقوف بين يدي الله.
فعليكم رحمكم الله بالمحافظة عليها، والتواصي بذلك، والإنكار على من تخلف عنها وهجره، لأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" ١.
وقال ﷺ: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ٢.
الأمر الرابع: يجب على كل ذكر وأنثى من المسلمين إحصاء ما لديه من المال وضبطه، وإخراج زكاته كلما حال عليه الحول، إذا بلغ نصاب الزكاة؛ ويكون طيب النفس بذلك، منشرح الصدر أداء لما أوجبه الله، وشكرا لنعمته وإحسانا إلى عباد الله.
ومتى فعل المسلم ذلك، ضاعف الله له الأجر، وخلف عليه ما أنفق، وبارك له في الباقي، وطهره وزكاه.
ومتى بخل بالزكاة وتهاون بأمرها غضب الله عليه،
_________________
(١) ١ الترمذي: الإيمان (٢٦٢١)، والنسائي: الصلاة (٤٦٣)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٧٩)، وأحمد (٥/٣٤٦) . ٢ مسلم: الإيمان (٤٩)، والترمذي: الفتن (٢١٧٢)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٥٠٠٨)، وأبو داود: الصلاة (١١٤٠)، وابن ماجه: الفتن (٤٠١٣)، وأحمد (٣/٢٠،٣/٤٩) .
[ ١٥ / ٤٤٥ ]
ونزع بركة ماله، وسلط عليه أسباب التعلق، والإنفاق في غير الحق، وعذبه به يوم القيامة.
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤]، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
الأمر الخامس: يجب على كل مسلم أن يهتم بأمر الله ويعظم حرماته، ويتفكر فيما خلق لأجله وأمر به، ويحاسب نفسه في ذلك دائما؛ فإن كان قد قام بما أوجب الله عليه، فرح بذلك، وحمد الله عليه، وسأله الثبات، وأخذ حذره من الكبر، والعجب، وتزكية النفس.
وإن كان قد قصر فيما أوجب الله، أو ارتكب بعض ما حرم الله عليه، بادر إلى التوبة الصادقة والندم، والاستقامة على أمر الله، والإكثار من الذكر، والاستغفار، والضراعة إلى الله سبحانه، وسؤاله التوبة من سالف الذنوب، والتوفيق لصالح القول والعمل.
ومتى وفق العبد لهذا الأمر العظيم، فذلك عنوان سعادته ونجاته، في الدنيا والآخرة؛ ومتى غفل عن نفسه وسار وراء هواه وشهوته، وأعرض عن الاستعداد لآخرته، فذلك عنوان هلاكه، ودليل خسرانه.
فلينظر كل منكم لنفسه ويحاسبها، ويفتش عيوبها، فسوف يجد ما يحزن باله، ويشغله بنفسه عن غيره، ويوجب
[ ١٥ / ٤٤٦ ]
له الذل لله، والانكسار بين يديه، وسؤاله العفو والمغفرة؛ وهذه المحاسبة، وهذا الذل والانكسار بين يدي الله، هو سبب السعادة والفلاح، والعز في الدنيا والآخرة.
وليعلم كل مسلم أن كل ما حصل له من صحة، ونعمة، وجاه رفيع، وخصب، ورخاء، فهو من فضل الله وإحسانه؛ وكل ما أصابه من مرض أو مصيبة، أو فقر، أو جدب، أو تسليط عدو، أو غير ذلك من المصائب، فهو بسبب الذنوب والمعاصي.
فجميع ما في الدنيا والآخرة، من العذاب والألم، وأسبابها، فسببها معصية الله، ومخالفة أمره، والتهاون بحقه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الروم آية: ٤١] .
فاتقوا الله عباد الله، وعظموا أمره ونهيه، وبادروا بالتوبة إليه من جميع ذنوبكم، واعتمدوا عليه وحده، وتوكلوا عليه؛ فإنه خالق الخلق، ورازقهم، ونواصيهم بيده سبحانه، لا يملك أحد منهم لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
وقدموا رحمكم الله؛ حق ربكم وحق رسوله على حق غيره وطاعة غيره، كائنا من كان، وتآمروا بالمعروف،
[ ١٥ / ٤٤٧ ]
وتناهوا عن المنكر، وأحسنوا الظن بالله، وأكثروا من ذكره واستغفاره.
وتعاونوا على البر والتقوى، وخذوا على أيدي السفهاء، وألزموهم بما أمر الله، وأحبوا في الله، وأبغضوا في الله، ووالوا أولياء الله، وعادوا أعداء الله، واصبروا، وصابروا، حتى تلقوا ربكم، فتفوزوا بغاية السعادة والكرامة والشرف، والمنازل العالية في جنات النعيم.
والله المسؤول أن يوفقنا وإياكم لما يرضيه، وأن يصلح قلوب الجميع، ويعمرها بخشيته ومحبته، والنصح له ولعباده؛ وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا؛ وأن يوفق إمامنا، وولي عهده، وجميع أسرته، وسائر ولاة المسلمين لما يرضيه، وأن ينصر بهم الحق، ويخذل بهم الباطل؛ وأن يعيذ الجميع من مضلات الفتن، إنه ولي دلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. في رجب سنة ١٣٧١ هـ.
[قول الشيخ عبد الرحمن بن حماد العمر في معنى السعادة]
وقال الشيخ: عبد الرحمن بن حماد العمر، في معنى: السعادة.
لهذا فأنتم يا حملة لواء الذب عن دين الله، الذين ترجون من الله حسن اللقاء والمعاد، وأنتم مع هذا الرجاء العظيم السعداء في الدنيا، فليست السعادة في المنصب، أو الجاه المغتصب، أو في ملك الملايين؛ بل إن أولئك
[ ١٥ / ٤٤٨ ]
اللاهثين وراء الدنيا، رغم ما نالوا منها، أشقى الناس فيها.
وأنتم ترونهم قد شغلوا عن عبادة الله، وشغلوا عن ملاطفة أهليهم وأولادهم، وشغلوا بالمجاملة والنفاق: هذا يخافون منه، وهذا يرجون. وشغلوا عن نومهم بالوساوس والظنون، والتحسر على فرطاتهم الدنيوية. وشغلوا عن أكل لقمة العيش وحمد الله عليها، بالشبع الجهنّمي الذي تصطلي ناره في قلوبهم.
أما أنتم يا دعاة الحق، ففي سعادة لو ذاقها هؤلاء السذج، لجالدوكم عليها بالسيوف، تلك هي سعادة المتقين، الذين إذا أصابتهم سراء شكروا، وقيدوها بطاعة الله، واجتناب نواهيه، وإن أصابتهم ضراء صبروا، وحمدوا الله الذي جعل البلاء للمؤمنين كفارة لذنوبهم.
ومع هذا فهم قانعون بما رزقهم الله، لأنهم يعلمون أن حلال الدنيا حساب، وحرامها عقاب، ولأنهم اتخذوا من رسول الله قدوة، حين قال لما خير في تسيير الأبطح ذهبا: "اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا".
ولأنهم يعلمون أن الذين آتاهم الله مالا من الصحابة ابتغوا فيه الدار الآخرة، فبذلوه في سبيل الله، ومسحوا به دموع البائسين، ومع قناعتهم هذه، فإنهم يمشون على نور من ربهم ينير قلوبهم، وينير الطريق أمامهم.
يعبدون الله على بصيرة وعلم، ويأمرون على بصيرة وعلم، ويقولون كلمة الحق عند كل أحد، لا تأخذهم في الله
[ ١٥ / ٤٤٩ ]
لومة لائم، فلا يراؤون أحدا، ولا يرجون أحدا أو يخافونه، إلا الله، لأنهم يؤمنون بالله، وأنه النافع الضار.
ومع هذا، فهم راضون عن أنفسهم لحسن صنيعها; ولذا فإنهم يرحبون بكل بلاء في سبيل الله: فمن سجن منهم اتخذ من السجن خلوة يناجي فيها ربه، ومن نفي اتخذ من منفاه دار سياحة ودعوة، ومن قتل مات على الشهادة التي تمناها المؤمنون بلقاء الله منذ القدم: فهذه هي صفات المتقين، سعداء الدنيا والآخرة.
فإلى معين تلك السعادة يا دعاة الحق تسابقوا، ومن سبيلها تضلعوا؛ فلستم في دار خلد، وإنما دار الخلد تنتظركم، فاستعدوا لها بزادها زاد المتقين. انتهى.
فصل فيما ينبغي أن يتخلقوا به من الزهد في الدنيا
والتقليل منها، والقناعة في الملابس والمآكل والمساكن، وإتباع القول بالفعل، في النفس والأهل، والاقتداء بالسلف الصالح، ورسول رب العالمين، ﷺ هو الأسوة الذي يجب التأسي به، والتخلق بأخلاقه، فقد عرضت عليه الدنيا فأباها.
دخل عمر على النبي ﷺ وهو في مشربة له، على رمال حصير قد أثّر في جنبه، فقال: يا نبي الله، كسرى وقيصر على الديباج، فقال: "يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة" ١.
وقال أنس: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"والذي
_________________
(١) ١ البخاري: تفسير القرآن (٤٩١٣)، ومسلم: الطلاق (١٤٧٩) .
[ ١٥ / ٤٥٠ ]
نفسي بيده، ما أصبح عند آل محمد صاع بر، ولا صاع تمر" ١، وقالت عائشة ﵂: "توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي، في ثلاثين صاعا من شعير لأهله".
وكانت حجره من جريد النخل، وقال في مسجده: "ولكن عريشا كعريش موسى" ٢، وقال: "كل بناء وبال على صاحبه، إلا ما لا بد له منه" ٣.
وقال في أشراط الساعة: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" ٤، وقد وقع ما أخبر به ﷺ.
وفي هذا العصر لما ساحوا في بلاد الخارج، شابهوهم في التطاول في البنيان؛ فنسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين إلى سلوك هدي سيد المرسلين ﷺ.
ولنضرب لك مثلا بشيخنا، الشيخ: عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، ذلك الشيخ الجليل الغيور، الورع، الزاهد، كبير العقل، واسع الرأي العفيف، الذي كان من عفته مع كرمه، وتلقي الوفود وأهل العلم أنه كانت له فلاحة واسعة.
وكلما تراكم عليه الدين، باع عقارا بقصوره ومواشيه; فباع "المحطة" من أكبر عقارات باطن الرياض، ثم باع النخل المعروف، المسمى بنخل ابن إبراهيم، ثم باع "سلطانه" على ابن ثاني، فأوقفها على طلبة العلم.
ولما استدان من الجويعي بأربعمائة ريالا، وكان وكيلا للقصيبي، وكانت الكتب ترسل إلى الأحساء على يد الشيخ
_________________
(١) ١ ابن ماجه: الزهد (٤١٤٧) . ٢ الدارمي: المقدمة (٣٨) . ٣ أبو داود: الأدب (٥٢٣٧) . ٤ مسلم: الإيمان (٨)، والترمذي: الإيمان (٢٦١٠)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، وأبو داود: السنة (٤٦٩٥)، وابن ماجه: المقدمة (٦٣)، وأحمد (١/٢٧،١/٥١) .
[ ١٥ / ٤٥١ ]
حمد بن فارس، وكان يلي بيت المال، فرأى وصول الكتاب بقلم الشيخ عبد الله، ومشموع بتمرة، ففتحه، ثم جاء به إلى الملك عبد العزيز.
فراح به إلى الشيخ عبد الله، فقال له: يا شيخ تستدين وأنا موجود؟! فقال الشيخ عبد الله: تدخل على الله ثم تدخل على الله، لا تفسد علي ديني، لا تفسد علي ديني. وكان لا يبتذل العلم، ويأتي إليه الملك في مهماته، وقد يأتيه في حالة التعليم فلا يقطع الدرس والعلم وطلبته.
واستقدم الشيخ سعد من الجنوب، وكان يعلم في المسجد الجامع; ولما ثقل كان يجلس في بيته مضطجعا، حرصا على التبليغ، فما أشبه استقدامه بما تقدم من وصية الملك الفاتح لابنه.
وكان الشيخ حمد بن فارس - وهو الذي يلي بيت المال - يجلس لطلبة العلم بعد صلاة الفجر، في مسجد الشيخ عبد الله، الذي كان يجلس فيه للتعليم؛ وكان الملك يرسل رجاله للشيخ حمد بن فارس، يستحثونه لقضاء حاجات من يسافر، فلا يقطع الدرس، لمكانة العلم عند أولئك. وهذه أمثلة ذكرتها، ليقتدى بأولئك العلماء الأفاضل، ولا أطيل بغيرها.
وكان الحسن البصري ﵀، يقول: "لا تكونوا من قوم أهلكتهم الأماني، حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة" ويقول أحدهم: إني لأحسن الظن بربي، وقد كذب، فإنه لو
[ ١٥ / ٤٥٢ ]
أحسن الظن بربه، لأحسن العمل على الطريق المستقيم.
كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٣] قال عمرو بن العاص: "ما أبعد هديكم من هدي نبيكم ﷺ، إنه كان أزهد الناس في الدنيا، وأنتم أرغب الناس فيها" خرّجه الإمام أحمد.
وقال ابن القيم ﵀: سمعت رجلا يقول لشيخنا: إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد، أو قال نسيه; فقال الشيخ: هكذا من خان الله ورسوله في مسائل العلم، فإن هذا من الهوى.
يعني: أن ينزع منه، فلا يفهمه، ولا يحفظ، بسبب ارتكاب هواه، وتأويله على ما يهواه; لأن القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله، بقدر تعلقها بها.
وقد جعل سبحانه رضى العبد بالدنيا، وطمأنينته، وغفلته عن معرفة آياته وتدبرها والعمل بها، سبب شقائه وهلاكه، ولا يجتمع هذان - أعني: الرضى بالدنيا، والغفلة عن آيات الرب - إلا في قلب من لا يؤمن بالمعاد، ولا يرجو لقاء رب العباد.
وإذا تأملت أحوال الناس، وجدت هذا الضرب هو الغالب على الناس، وهم عمار الدنيا; وأقل الناس عددا، من هو على خلاف ذلك، وهو من أشد الناس غربة بينهم؛ له شأن، ولهم شأن، علمه غير علومهم، وإرادته غير
[ ١٥ / ٤٥٣ ]
إراداتهم، وطريقه غير طريقهم، فهو في واد، وهم في واد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٧-٨] .
وقال بعض السلف: نظر أهل المعاصي لا يجاوز مبادئ شهواتهم، ولا ينظرون إلى منتهى غاياتها؛ والعاقل البصير الحازم ينظر ما وراء السور، من الغايات المحمودة والمذمومة.
فيرى المنهيات كطعام لذيذ، قد خلط فيه سم قاتل، فكلما دعته لذته إلى تناوله، نهاه ما فيه من السم؛ ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق، مفض إلى العافية والشفاء، كلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله، أمره نفعه وحلاوة عاقبته بالشفاء والعافية، بالصبر على ذلك، فالله المستعان. انتهى.
وقال شيخ الإسلام: فظلم المقاتلة بترك الجهاد عن المسلمين، من أعظم الظلم، قال: وكذلك أهل العلم، الذين يحفظون على الأمة الكتاب والسنة صورة ومعنى، مع أن حفظ ذلك واجب على الأمة عموما على الكفاية.
ومنه ما يجب على أعيانهم، وهو علم العين الذي يجب على المسلم في خاصة نفسه؛ لكن وجوب ذلك عينا وكفاية على أهل العلم الذين رأسوا فيه، أو رزقوا عليه، أعظم من وجوبه على غيرهم، لأنه واجب بالشرع عموما.
وقد يتعين عليهم، لقدرتهم عليه وعجز غيرهم،
[ ١٥ / ٤٥٤ ]
ويدخل في القدرة استعداد العقل وسابقة الطلب، ومعرفة الطرق الموصلة إليه، من الكتب المصنفة، والعلماء المتقدمين، وسائر الأدلة المتعددة، والتفرغ له عما يشغل به غيرهم.
ولهذا مضت السنة بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم كالشروع في الحج، يعني: أن ما حفظه من علم الدين وعلم الجهاد، ليس له إضاعته، لقول النبي ﷺ "من قرأ القرآن ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم" ١ رواه أبو داود.
وقال: "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فرأيت في مساوئ أعمالها: الرجل يؤتيه الله آية من القرآن، ثم ينام عنها حتى ينساها"، وقال: "من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا" ٢ رواه مسلم.
وكذلك الشروع في عمل الجهاد، فإن المسلمين إذا صافوا عدوًّا، أو حاصروا حصنا، ليس لهم الانصراف عنه حتى يفتحوه.
ولذا قال النبي ﷺ: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".
فالمرصدون للعلم، عليهم للأمة حفظ علم الدين وتبليغه؛ فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ
_________________
(١) ١ أحمد (٥/٣٢٧) . ٢ مسلم: الإمارة (١٩١٩)، وابن ماجه: الجهاد (٢٨١٤) .
[ ١٥ / ٤٥٥ ]
لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٩] .
فإن ضرر كتمانهم يتعدى إلى البهائم وغيرها، فيلعنهم اللاعنون حتى البهائم؛ كما أن معلم الخير يصلي عليه الله وملائكته، ويستغفر له كل شيء حتى الحيتان في جوف البحر، والطير في جو السماء.
وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم، وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع التي تمنع الثقة بأقوالهم، وتصرف القلوب عن اتباعهم، وتقتضي متابعة الناس لهم فيها، هي من أعظم الظلم؛ ويستحقون من الذم والعقوبة عليها ما لا يستحقه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم، لأن إظهار غير العالم وإن كان فيه نوع ضرر، فليس هو مثل العالم في الضرر، الذي يمنع ظهور الحق، ويوجب ظهور الباطل؛ فإن إظهار هؤلاء للفجور والبدع، بمنزلة إعراض المقاتلة عن الجهاد ودفع العدو، ليس هو مثل إعراض آحاد المقاتلة، لما في ذلك من الضرر العظيم على المسلمين.
فترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد؛ وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم، كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم، لأنهما ذنب عظيم، وليس هو مثل ترك ما تحتاج الأمة إليه مما هو مفوض إليهم، فإن ترك هذا أعظم من ترك أداء المال الواجب إلى
[ ١٥ / ٤٥٦ ]
مستحقه؛ وما يظهرونه من البدع والمعاصي، التي تمنع قبول قولهم، وتدعو النفوس إلى موافقتهم، وتمنعهم وغيرهم من إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أشد ضررا للأمة وضررا عليهم من إظهار غيرهم لذلك.
ولهذا جبل الله قلوب الأمة على أنها تستعظم جبن الجندي وفشله، وتركه للجهاد، ومعاونته للعدو، أكثر مما تستعظمه من غيره، بخلاف فسوق الجندي وظلمه وفاحشته، وبخلاف قعود العالم عن الجهاد بالبدن.
ومثل ذلك: ولاة الأمور كل بحسبه، من الوالي، والقاضي; فإن تفريط أحدهم فيما عليه رعايته من مصالح الأمة، أو فعل ضد ذلك من العدوان عليهم، يستعظم أعظم مما يستعظم ذنب يخص أحدهم. انتهى كلام الشيخ ﵀.
وجدير بنا أن نحذر ما قاله بعض السلف، في علماء السوء على أبواب الجنة، يدعون الناس إليها بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم; فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقا، كانوا أول المستجيبين له؛ فهم في الصورة أولياء، وفي الحقيقة قطاع طريق.
[قول الشيخ عبد الرحمن بن حميد في الدعوة إلى الله وحثه عليها]
وقال الشيخ: عبد الله بن محمد بن حميد، ﵀:
[ ١٥ / ٤٥٧ ]
الدعوة إلى الله طريقة الرسل
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٥]: هذا أمر من الله جل شأنه لنبيه محمد ﷺ بالدعوة، وهو أمر للأمة.
وقد أمر الله رسوله بأن يدعو الناس كافة إلى سبيله، وبأن تكون الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فرتب الدعوة على حسب مراتب الخلق والدعوة إلى سبيله مستلزمة لبيان السبيل المدعو إليه.
وقد بات هذا السبيل بالوحي الإلهي، فأوضح قواعد الدين الاعتقادية والعملية، فما قام دين من الأديان ولا مذهب من المذاهب، ولا ثبت مبدأ من المبادئ، إلا بالدعوة إليه؛ ولا تداعت أركان ملة بعد قيامه، ولا انتكث فلّ شريعة بعد إحكامها، ولا درست رسوم طريقة بعد ارتفاع أعلامها، إلا وسببه ترك الدعوة.
فيا أيها العلماء وحماة الدين، ما لنا نرى الحق بدت معالمه تتضاءل؟! وآثاره تعفو وتندرس؟ ومذاهب الباطل تموه بالدعوة، ويعم انتشارها؟!.
إن الإسلام بدأ يضعف منذ اقتنع أهله بالترف والنعيم، وأهملوا العناية بالدعوة إليه؛ فوالله لو بقي للعلماء سور من الغيرة على دينهم، لنفروا خفافا وثقالا للإرشاد والدعوة.
فإن الأمة الإسلامية في مبدأ نشأتها قامت بالدعوة إلى دينها، مبينة للأمم سماحته، شارحة حكمه، موضحة
[ ١٥ / ٤٥٨ ]
محاسنه، فقد أعطيت أمثل التعاليم، وهديت إلى صراط مستقيم؛ وبذلك امتد سلطانها، واتسعت ممالكها، وأخضعت من سواها لأوامر القرآن ونواهيه.
ثم ما لبثت أن حرفت فانحرفت، وتمزقت بعدما اجتمعت; حرمت التعاليم الحقة، واشتبه عليها الباطل بالحق، وتبعت السبل، فتفرقت بها عن سبيل الحق؛ فأصبحت اليوم شيعا متفرقة، لما أضاعت من الحق والدعوة إليه ضاعت وهانت، وصارت غثاء كغثاء السيل.
وقال أيضا، ﵀: من واقعنا اليوم ١.
لا شك أن الإسلام قد أصيب بما أصيب به من الويلات والمصائب التي أدت إلى ضعف الإسلام، وخفة سطوته في القلوب؛ فقد علم الناس أن تغيرا عقليا طرأ على أفكارهم، وتدفق عليهم سيل المدينة الجارف.
فاستقبلوا ذلك البلاء العظيم بسرور وارتياح بال، وبادروا في إتقانه، وذهلوا عن كل شيء سواه، فكأنهم في سكرة من أمرهم.
وهذا مما جعل كل واحد من علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يحس بالخطر المحدق به، وبدينه، وبأمته؛ والكثير منهم والأكثر يتأفف من الحالة الراهنة، ويظهر التضجر، ويبدي التأثر والانفعال؛ غير أن هذا لا يكفي
_________________
(١) ١ وقد نشر في مجلة راية الإسلام في ذي الحجة سنة ١٣٨٠ هـ.
[ ١٥ / ٤٥٩ ]
لتلافي الأخطار المحدقة بالإسلام، وهي في نمو وازدياد؛ بل لا بد لدفع ذلك من اجتماعات إسلامية صادقة، لتدارك ما فات، وإصلاح ما فسد، وإقامة ما اعوج.
إن الأمة الإسلامية لا تكون ذات كيان، إلا بالاجتماع والتناصر على جلب ما ينفعها، ودفع ما يضرّها، في أمر دينها ودنياها; وكما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٢] .
ولا ريب أن الشرع الإسلامي شرع هذا الأمر ولم يهمله، فأمر باجتماعات يومية تنعقد في اليوم والليلة خمس مرات، في صلاة الجماعة، يؤدونها منتظمين صفوفا، جنبا إلى جنب خلف إمامهم، يكبرون إذا كبر، ويركعون إذا ركع؛ فاجتماع أبدانهم على هذه الكيفية مؤذن باجتماع قلوبهم على دينهم اعتقادا وعملا.
ثم فرض الإسلام اجتماعا أكبر من هذا الاجتماع في الأسبوع مرة لأداء صلاة الجمعة، يأتي الشخص فيصلي لربه خاشعا متواضعا، يسمع الموعظة الآمرة بالمعروف، ومكارم الأخلاق، الصالحة للدين والدنيا، ويجدد العهد بإخوانه المسلمين، من أهل تلك البلدة، يعطلون لهذا الاجتماع مساجدهم، وكذلك في العيدين.
ثم شرع اجتماعا أكبر من الذي قبله، فأوجب الحج على من استطاع إليه سبيلا في العمر مرة؛ فكان حج البيت هو اجتماع الأمة في كل سنة بمكة، يجتمع فيه رجال الأمة
[ ١٥ / ٤٦٠ ]
الإسلامية، ونساؤها من كل حدب وصوب.
يفدون إليه مشاة وركبانا، برا وبحرا وجوا، حيث يجتمعون في بلد الله الحرام، وفي مهد الإسلام، وموطن إسماعيل، ومثابة إبراهيم الخليل، ليؤدّوا مناسك الحج، جريا على ما شرعه دينهم الإسلامي، وليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ونعمة الإسلام.
وليتعاونوا فيتآلفوا، فيعرف بعضهم أحوال بعض، فيتعاونون على إصلاح العوج، وتقويم الأود، يضمهم موقف واحد، لا يتميز فيهم فقير عن غني، ولا صعلوك عن ملك، لابسي أكفانهم، بادية رؤوسهم في زي واحد، لا يتفاضلون، لا ميزة للمرء على غيره إلا بالعمل الصالح، يعتقد كل منهم أن أفضل راع للنفس هو الدين، يسمعون الخطب المؤثرة، والمواعظ النافعة، والدعوة إلى الإسلام بذكر محاسنه وفضائله وإيضاح حكمه.
ثم ينصرفون إلى ديارهم، كل يقصد جهته، وقد امتلأ أنسا وسرورا بما سمع وعلم، ويذكر لأهله وقومه حال إخوانه المسلمين، وقد تعرف خبرهم، وما هم عليه من خير أو شر، ويتحدث بين أقوامه ما يحسن أن يقوموا به، من الخدمات اللائقة لذلك، من التعاون، والتكاتف، والتوادد، فيبعث في نفوسهم حب إقامة العدل والدين.
وإني أدعو الله جلت قدرته أن يوفق هذه الأمة لما يصلح شؤونها، ويقوّم اعوجاجها، ويسلك بها الصراط السوي،
[ ١٥ / ٤٦١ ]
والطريق الأمثل، وأن يكون اهتمامها بأمر دينها الصحيح؛ فإن دين الإسلام دين الفطرة، دين الرقي، دين العدالة، دين المدنية الفاضلة، دين العمل، دين الاجتماع، دين التوادد، والتناصح، والتحابب، دين رفع ألوية العلم والصنائع والحرف، غير قاصر على أحكام العبادات والمعاملات، بل شامل لجميع منافع العباد ومصالحهم، على ممر السنين وتعاقب الدهور، إلى أن تقوم الساعة. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، اهـ.
[ ١٥ / ٤٦٢ ]