وقال أيضا الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، تفسير سورة الفلق:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [سورة الفلق آية: ١-٥]: فمعنى أعوذ: أعتصم وألتجئ وأتحرز; وتضمنت هذه الكلمة مستعاذا به، ومستعاذا منه، ومستعيذا؛ فأما المستعاذ به، فهو الله وحده رب الفلق، الذي لا يستعاذ إلا به.
وقد أخبر الله عمن استعاذ بخلقه، أن استعاذته زادته رهقا، وهو الطغيان، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [سورة الجن آية: ٦] والفلق: بياض الصبح إذا انفلق من الليل، وهو من أعظم آيات الله الدالة على وحدانيته. وأما المستعيذ، فهو رسول الله ﷺ وكل من اتبعه إلى يوم القيامة.
وأما المستعاذ منه، فهو أربعة أنواع; الأول: قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وهذا يعم شرور الأولى والآخرة، وشرور الدين والدنيا. الثاني: قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ والغاسق: الليل، إذا وقب، أي: أظلم ودخل في كل شيء،
[ ١٣ / ٤٥٢ ]
وهو محل تسلط الأرواح الخبيثة.
الثالث: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [سورة الفلق آية: ٤] وهذا من شر السحر، فإن النفاثات السواحر اللاتى يعقدن الخيوط، وينفثن على كل عقدة، حتى ينعقد ما يردن من السحر; والنفاثات مؤنث، أي: الأرواح والأنفس، لأن تأثير السحر إنما هو من جهة الأنفس الخبيثة.
الرابع: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [سورة الفلق آية: ٥] وهذا يعم إبليس وذريته، لأنهم أعظم الحساد لبني آدم أيضا، وقوله: ﴿إذا حسد﴾ لأن الحاسد إذا أخفى الحسد، ولم يعامل أخاه إلا بما يحبه الله، لم يضره.
[ ١٣ / ٤٥٣ ]