الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فلقد ذم الله أقوامًا طالت آمالهم فألهتهم عن العمل للدار الآخرة، ففاجأهم الأجل وهم غافلون، فهم يتمنون أن لو مُدَّ لهم فيه ليستدركوا ما فات؛ ولكن هيهات هيهات.
قال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢ - ٣].
وطول الأمل: هو الاستمرار في الحرص على الدنيا ومداومة الانكباب عليها، مع كثرة الإِعراض عن الآخرة (^١).
ولقد أخبر النبي - ﷺ - أن كثيرًا من الناس طالت آمالهم حتى جاوزت آجالهم.
فعن بريدة - ﵁ - قال: خَطَّ النَّبِيُّ - ﷺ - خُطُوطًا فَقَالَ: «هَذَا الأَمَلُ، وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ» (^٢) يعني الأجل.
وإن من عجيب أمر ابن آدم أنه كلما اقترب من أجله طال أمله، وزادت رغبته في الدنيا وحرصه عليها، ولا يسلم من هذا إلا من سلمه الله، وهم قليل.
_________________
(١) موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم - ﷺ - (١٠/ ٤٨٥٧).
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٤١٨).
[ ١ / ٥٧ ]
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَلِ» (^١).
فالأمل لا ينفك عنه أكثر الخلق، ولولا الأمل ما تهنى أحد بعيش أبدًا، قال الشاعر:
أُعَلِلُ النَّفسَ بِالآمَالِ أَرقُبُهَا مَا أَضيقَ العَيشَ لَولَا فُسحَةُ الأَمَل
قال ابن الجوزي: الأمل مذموم للناس إلَاّ للعلماء فلولا أملهم لما صنفوا ولا ألَّفوا (^٢).
قال ابن حجر: وفي الأمل سر لطيف؛ لأنه لولا الأمل ما تهنى أحد بعيش، ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه، وعدم الاستعداد لأمر الآخرة، فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته (^٣).
فالعاقل من لم يغرَّه طول الأمل، ولم يُنسِه ما هو فيه من النعيم ما وعد الله به كل حي، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنيا كأَنَّكَ غَريبٌ، أو عَابِرُ سَبيلٍ».
«وكَانَ ابْنُ عُمَر يَقُوْلُ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاح، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٤٢٠)، وصحيح مسلم برقم (١٠٤٦).
(٢) فتح الباري (١١/ ٢٣٧).
(٣) فتح الباري (١١/ ٢٣٧).
(٤) البخاري برقم (٦١٤٦).
[ ١ / ٥٨ ]
زاد الترمذي: «وَعُدَّ نَفْسَكَ مِن أَهْلِ الْقُبُورِ» (^١).
قال ابن رجب: وهذا الحديث أصل عظيم في قصر الأمل، وأنه لا ينبغي للمؤمن أن يتخذ هذه الدنيا وطنًا ومسكنًا، وإنما يكون حاله فيها كأنه على جناح سفر يهيئ جهازه للرحيل (^٢).
ودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر! أين متاعكم؟ فقال: إن لنا بيتًا نتوجه إليه، فقال: إنه لابد لك من متاع ما دمت ها هنا، قال: إن صاحب البيت لا يدعنا فيه (^٣).
عن الحسن لما احتضر سلمان الفارسي - ﵁ -: بكى وقال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْدًا فَتَرَكْنَا مَا عَهِدَ إِلَيْنَا: أَنْ يَكُونَ بُلْغَةُ أَحَدِنَا مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ. قَالَ: ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا تَرَكَ، فَإِذَا قِيمَةُ مَا تَرَكَ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا أَوْ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا (^٤).
فعلى العاقل أن يغتنم أيام حياته، فما يدريه لعله لم يبق له منها إلا يسير.
قال ابن القيم ﵀: «ما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أماني، والوقت ضائع بينهما» (^٥).
روى الترمذي في سننه من حديث عبد اللَّه بن عمرو قال: مرَّ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا (^٦) لَنَا فَقَالَ: «مَا هَذَا؟».
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٢٣٣٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٧٢) برقم (١٩٠٢).
(٢) جامع العلوم والحكم (ص: ٣٧٧).
(٣) جامع العلوم والحكم (ص: ٧٧٣).
(٤) مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٣٨)، وصححه ابن حبان (٢٤٨٠).
(٥) نقلًا عن كتاب نضرة النعيم (١٠/ ٤٨٦٥).
(٦) الخص: بيت يعمل من الخشب والقصب "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (٢/ ٣٧).
[ ١ / ٥٩ ]
فَقُلْنَا: قَدْ وَهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ. قَالَ: «مَا أَرَى الأَمْرَ إِلَاّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ» (^١).
ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة، والتسويف بالتوبة، والرغبة في الدنيا، والنسيان للآخرة، والقسوة في القلب، لأن رقته وصفاءه إنما يقع بتذكر الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].
ولذلك يقول علي - ﵁ -: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الأَمَلِ، أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَأَنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، ارْتَحَلَتْ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتْ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ» (^٢).
وروى البيهقي في شعب الإيمان من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: «صَلُحَ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالزُّهدِ وَاليَقِينِ وَهَلَكَ آخِرُهَا بِالبُخلِ وَالأَمَلِ» (^٣).
ومن مفاسد طول الأمل:
١ - نسيان الموت وأهوال الآخرة وما أعد اللَّه فيها من النعيم المقيم لأهل طاعته، ومن العذاب الأليم لأهل المعاصي.
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٢٣٣٥)، وقال هذا حديث حسن صحيح.
(٢) صحيح البخاري من قوله: ارتحلت الدنيا مدبرة برقم (٦٤١٦).
(٣) (١٥/ ٦٩) برقم (١٠٠٤٦) وقال محققوه: إسناده حسن، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٣٨٤٥).
[ ١ / ٦٠ ]
٢ - يُقسي القلب ويُجِفُّ دَمع العين، ويزيد في شدة الحرص على الدنيا.
٣ - يدفع إلى المعاصي ويبعد عن الطاعات.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٦١ ]