الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عن فضله، وكرمه، وامتنانه، ولطفه بخلقه، وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم، لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع ناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله، ومنزلته للتساوي بينه، وبين ذاك. اهـ (^١).
قال ابن عباس: إِنَّ اللهَ ﵎ لَيَرفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤمِنِ فِي دَرَجَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي العَمَلِ، لِتَقَرَّ بِهِم عَينُهُ، ثُمَّ قَرَأَ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية (^٢).
قال ابن كثير: وهذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٣/ ٢٣٢).
(٢) تفسير ابن كثير (١٣/ ٢٣٢).
[ ٣ / ٤٩٧ ]
وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «إِن اللهَ ﷿ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الجَنَّةِ، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُوْلُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» (^١) (^٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَاّ مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَاّ مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (^٣).
قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]؛ لما أخبر تعالى عن مقام الفضل، ورفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر تعالى عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحدًا بذنب أحد، فقال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مرتهن بعمله لا يحمل عليه ذنب غيره، سواءً كان أبًا أو ابنًا، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَاّ أَصْحَابَ اليَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤١].
ومن فوائد الآية الكريمة:
أولًا: أنها قيدت إلحاق ذرية المؤمن إلى درجته في الجنة بالإيمان، أما إذا كانت على غير الإيمان، فإنها لا تنتفع بصلاح الآباء، والأبناء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي
_________________
(١) المصدر السابق (١٣/ ٢٣٢).
(٢) (١٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧) برقم (١٠٦١٠)، وقال محققوه: إسناده حسن، وقال ابن كثير في تفسيره (١٣/ ٢٣٢): إسناده صحيح.
(٣) برقم (١٦٣١).
[ ٣ / ٤٩٨ ]
المُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].
روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «يَلقَى إِبْرَاهِيْمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُوْلُ لَهُ إِبْرَاهِيْمُ: أَلَم أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي، فَيَقُوْلُ أَبُوْهُ: فَاليَوْمَ لَا أَعْصِيَكَ، فَيَقُوْلُ إِبْرَاهِيْمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَن لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُوْنَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِن أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِيْنَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيْمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلتَطِخٍ (^١)، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ، فَيُلقَى فِي النَّارِ» (^٢).
ثانيًا: إن فضل الله واسع، وهو سبحانه لا ينقص المؤمن من عمله شيئًا، بل يضاعفه له أضعافًا كثيرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
ثالثًا: عدل الله ﷾، فهو لا يؤاخذ أحدًا بذنب غيره، قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا
_________________
(١) الذيخ: هو الضبع الذكر وقد تلطخ بالنجاسة.
(٢) برقم (٣٣٥٠).
[ ٣ / ٤٩٩ ]
يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿أَلَاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨].
رابعًا: أن هذه الآية الكريمة من البشائر العظيمة التي يفرح بها المؤمنون، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
خامسًا: الاهتمام بتربية الأبناء تربية إسلامية، كتعليمهم العبادات، وحثهم عليها، وإلحاقهم بحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وتعليمهم الآداب الحسنة، والأخلاق الكريمة، وتجنيبهم المحرمات، والمنكرات، وتحذيرهم منها، والدعاء لهم بالصلاح والهداية، حتى ينتفع بهم آباؤهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، روى الإمام أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: «مُرُوْا أَوْلَادَكُم بِالصَّلَاةِ وَهُم أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِيْنَ، وَاضْرِبُوْهُم عَلَيْهَا وَهُم أَبْنَاءُ عَشْر سِنِيْنَ، وَفَرِّقُوْا بَيْنَهُم فِي المَضَاجِعِ» (^١).
وروى البخاري في صحيحه من حديث عثمان بن عفان - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «خَيرُكُم مَن تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ» (^٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) برقم (٥٠٢٧).
[ ٣ / ٥٠٠ ]