الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أعلام هذه الأمة، وبطل من أبطالها، صحابي جليل من أصحاب النبي - ﷺ -، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر، هذا الصحابي وُلِدَ قبل البعثة بعشر سنين، وتربّى في بيت النبوة، وهو أول من أسلم من الصبيان، قال له النبي - ﷺ -: «أَمَّا تَرْضَى أَنْ تَكُوْنَ مِنِّيْ بِمَنْزِلَةِ هَارُوْنَ مِنْ مُوْسَى؟ إِلَاّ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (^١)، وقال له أيضًا: «لَا يُحِبُّكَ إِلَاّ مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَاّ مُنَافِقٌ» (^٢)، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - عدا غزوة تبوك، وقد اشتهر بالفروسية والشجاعة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فقد بشَّره النبي - ﷺ - بالجنة، وهو على قيد الحياة، إِنَّه فارس الإِسلام أمير المؤمنين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، وله قرابة من النبي - ﷺ - فهو ابن عمه وزوج ابنته فاطمة ﵂.
وصفه أهل السير بأنه كان أسمر اللون، كثيف شعر اللحية، ربعة من الرجال، ضخم البطن، حسن الوجه، إلى القصر أقرب، ويكنى أبا الحسن أو أبا تراب (^٣).
وقد كانت لهذا الصحابي مواقف بطولية رائعة تدل على شجاعته ونصرته لهذا الدين، فمنها أنه بات في فراش رسول الله - ﷺ - يوم الهجرة،
_________________
(١) قطعة من حديث في صحيح مسلم برقم (٢٤٠٤).
(٢) صحيح مسلم برقم (٧٨).
(٣) تاريخ الخلفاء (ص: ١٣٢، ١٣٣).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وعرض نفسه للقتل فداء للنبي - ﷺ -، وهو أول من بارز في سبيل الله مع حمزة - ﵁ - وعبيدة بن الحارث، وهو من النفر القلة الذين ثبتوا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة أحد.
ومنها ما حدث في غزوة الخندق عندما اقتحم عمرو بن ود بفرسه، وكان فارسًا من فرسان العرب المشهورين، وطلب من المسلمين المبارزة وهو مقنع بالحديد، فقال: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إليَّ رجلًا. فخرج إليه علي بن أبي طالب، فقال: ارجع يا ابن أخي ومن أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال له علي بن أبي طالب: ولكني والله لا أكره أن أهريق دمك، فغضب ونزل فسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبًا، واستقبله عليٌّ بدرقته وضربه عمرو في الدرقة فقدها، وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله - ﷺ - التكبير فعرف أن عليًّا قتله وهو يقول:
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَايهِ وَنَصَرْتُ رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَاب
لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ خَاذِلَ دِينَهُ وَنَبِيَّهُ يَا مَعْشَرَ الأَحْزَاب
ومن مواقفه العظيمة أن خيبر لما استعصت على جيوش المسلمين قال النبي - ﷺ -: «لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ»، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله - ﷺ -، كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب، فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأُتي به، فبصق رسول الله - ﷺ - في عينيه ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ،
[ ٢ / ٣٣٤ ]
ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فِيْهِ، فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» (^١).
فلما وصل علي خرج له ملكهم مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهَةِ الْمَنْظَرَهْ
أَكِيلُكُم بِالسَّيفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
فاختلف علي ومرحب ضربتين، فأما ضربة علي فكانت القاضية وفتح الله عليه.
ومع شجاعته العظيمة فقد كان من علماء الصحابة، ومن دهاة العرب، فقد جيء بامرأة إلى عمر وقد ولدت غلامًا لستة أشهر فأمر برجمها.
فقال له علي: يا أمير المؤمنين ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]؟ فالحمل ستة أشهر والفصال وهو الفطام في عامين.
فترك عمر رجم المرأة وكان يقول: قضية ولا أبا الحسن لها.
وكان - ﵁ - شديد الورع فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق من حديث أبي عمرو بن العلاء عن أبيه قال: خطب علي فقال: أيها الناس والله الذي لا إله إلا هو ما رزأت (^٢) من مالكم قليلًا ولا كثيرًا إلا هذه، وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب فقال: أهداها إلي الدهقان (^٣)،
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٤٠٦).
(٢) أي: ما أخذت.
(٣) (٤٢/ ٤٨٠).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وروى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث هارون بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق وعليه قطيفة وهو يرعد من البرد، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك نصيبًا في هذا المال، وأنت تفعل بنفسك هذا؟ فقال: إني والله لا أرزأ من مالكم شيئًا، وهذه القطيفة هي التي خرجت بها من بيتي، أو قال: من المدينة (^١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن زرير أنه قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب - ﵁ - قال: حسن: يوم الأضحى - فقرب إلينا خزيرة (^٢)، فقلت: أصلحك الله، لو قربت إلينا من هذا البط - يعني الوز - فإن الله ﷿ قد أكثر الخير، فقال: يا ابن زرير إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لَا يَحِلُّ لِلخَلِيفَةِ مِنْ مَالِ اللَّهِ إِلَاّ قَصعَتَانِ، قَصعَةٌ يَأكُلُهَا هُوَ وَأَهلُهُ، وَقَصعَةٌ يَضَعُهَا بَينَ يَدَي النَّاسِ» (^٣).
ومن أقواله العظيمة أنه كان يقول: (ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله).
ومن أقواله أيضًا: (خمس خذوهن عني: لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحيي جاهل أن يسأل عما لا يعلم، ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له) (^٤).
وقيل: يا أمير المؤمنين صف لنا الدنيا، قال: (ما أصف لكم من
_________________
(١) (١/ ٨٢).
(٢) لحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق.
(٣) (٢/ ١٩)، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٣٦٢).
(٤) تاريخ الخلفاء (ص: ١٤٧).
[ ٢ / ٣٣٦ ]
دار، من افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، ومن صح فيها أمن، حلالها الحساب، وحرامها العقاب).
وقال أيضًا: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والنقص في اللذة: قيل وما النقص في اللذة؟ قال: لا ينال شهوة حلال إلا جاء ما ينغصه إياها (^١).
قال ابن كثير: ولقد أخبر النبي - ﷺ - عليًّا بقتله، فكان كما أخبر سواء بسواء (^٢). روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمار بن ياسر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «أَلَا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسُ رَجُلَيْنِ؟ قُلنَا: بَلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُوْدَ الَّذِيْ عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ، يَعْنِيْ قَرْنَهُ، حَتَّى تبلَّ مِنْهُ هَذِهِ، يَعْنِيْ لِحْيَتَهُ» (^٣).
وكان قتله - ﵁ - على يد الشقي الخارجي عبد الرحمن بن مُلجم سنة أربعين من الهجرة، في السابع عشر من شهر رمضان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
قال الذهبي ﵀: وابن ملجم عند الروافض أشقى الخلق في الآخرة، وهو عندنا أهل السنة ممن نرجو له النار، ونجوز أن الله يتجاوز عنه، لا كما يقول الخوارج والروافض فيه، وحكمه حكم قاتل عثمان، وقاتل الزبير، وقاتل طلحة، وقاتل سعيد بن جبير، وقاتل عمار، وقاتل خارجة، وقاتل الحسين، فكل هؤلاء نبرأ منهم ونبغضهم في الله، ونكل أمورهم إلى الله ﷿ (^٤).
_________________
(١) تاريخ الخلفاء (ص: ١٤٤).
(٢) البداية والنهاية (٩/ ٢٠٤).
(٣) مسند الإمام أحمد (٣٠/ ٢٥٧) برقم (١٨٣٢١)، وقال محققوه: حسن لغيره.
(٤) تاريخ الإسلام (ص: ٦٥٤).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده من طريق عمرو ذي مر قال: لما أصيب علي بالضربة، دخلت عليه وقد عصب رأسه، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أرني ضربتك. قال: فحلها، فقلت: خدش وليس بشيء. قال: إني مفارقكم. فبكت أم كلثوم من وراء الحجاب، فقال لها: اسكتي، فلو ترين ما أرى لما بكيت. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين ماذا ترى؟ قال: هذه الملائكة وفود، والنبيون، وهذا محمد - ﷺ - يقول: «يا علي أبشر فما تصير إليه خير مما أنت فيه» (^١).
وقد رثاه أبو الأسود الدؤلي، وبعضهم يرويها لأم الهيثم بنت العريان النخعية:
أَلَا يَا عَينُ ويحك أَسْعِدينا أَلَا تَبْكِي أَمِيرَ المُؤمِنِينَا
تُبكِّي أُمُّ كُلْثُوم عَلَيهِ بعَبرَتها وَقد رأت اليَقِينَا
أَلَا قُل لِلخَوَارِج حيثُ كَانُوا فَلا قَرَّت عُيُونُ الشَّامِتِينَا
أَفِي الشَّهر الحَرَام فَجعتُمُونَا بِخَير النَّاس طُرًّا أَجمَعِينَا
قَتَلتُم خير من ركب المَطَايَا فَذَللها ومن رَكِبَ السَّفِينا
ومَن لبسَ النِّعال ومن حَذَاها ومن قرأ المثانِي والمُبِينا
وكل مُنَاقب الخيراتِ فيه وحُب رسُول رَبّ العَالَمِينَا
لقد علِمت قُريشُ حيثُ كانُوا بأَنَّك خَيْرُها حَسبًا ودِينَا
كأن الناس إذ فَقَدوا عَليًّا نَعَامُ حَارَ في بلدٍ سِنِينَا
رضي الله عن علي، وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) أُسد الغابة (٣/ ٣٠٣).
[ ٢ / ٣٣٨ ]