الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
فإن من فضل الله ورحمته بعباده أن يسر لهم من الطاعات والعبادات ما يتقربون بها إليه سبحانه، ومن تلك الطاعات والقربات التبكير إلى الصلوات الخمس التي جعلهن بفضله خمسًا في العمل، وخمسين في الأجر والثواب.
والتبكير إلى الصوات الخمس من الطاعات التي غفل عنها كثير من المصلين في هذا الزمان، فلا يحضرون إلا عند الإقامة، أو بعد الشروع في الصلاة.
ولقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة، وأصدقها في التبكير إلى الصلاة، يقول عدي بن حاتم - ﵁ -: «ما دخل وقت صلاة حتى أشتاق إليها، وما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء»، ويقول سعيد بن المسيب: «ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد، وما فاتتني صلاة الجماعة منذ أربعين سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة»، قال الذهبي: «هكذا كان السلف في الحرص على الخير» (^١).
_________________
(١) منجد الخطيب، مأخوذ من سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ٣ / ٤٤٣ ]
ومن فضائل التبكير إلى الصلوات:
أولًا: استغفار الملائكة لمن ينتظر الصلاة، وكونه في حكم المصلي، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي قال: «المَلَائِكَة تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُم (^١) مَا دَامَ فِي مُصَلَاّهُ مَا لَم يُحْدِثْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لَا يَزَالُ أَحَدُكُم فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَن يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَاّ الصَّلَاةُ» (^٢).
ثانيًا: إدراك الصف الأول، وما فيه من الفضل العظيم، والثواب الجزيل، روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَاّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» (^٣).
ثالثًا: إدراك تكبيرة الإحرام، وهي من أفضل التكبيرات، ومفتاح الصلاة، روى الترمذي من حديث أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ، يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى، كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» (^٤).
رابعًا: الدعاء بين الأذان والإقامة مستجاب، روى أبو داود في سننه من حديث أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - قال: «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ
_________________
(١) أي تستغفر له.
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٥٩)، وصحيح مسلم برقم (٦٤٩).
(٣) صحيح البخاري برقم (٦١٥)، وصحيح مسلم برقم (٤٣٧).
(٤) برقم (٢٤١)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٣١٤) برقم (٢٦٥٢).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
وَالإِقَامَةِ» (^١).
خامسًا: الدنو والقرب من الإمام، وهذه فضيلة عظيمة، روى الإمام أبو داود من حديث سمرة بن جندب - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «احْضُرُوا الذِّكْرَ، وَادْنُوا مِنَ الإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي الجَنَّةِ وَإِن دَخَلَهَا» (^٢).
سادسًا: إدراك السنن القبلية التي قبل الصلاة، كسنة الفجر، روى مسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - قال: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا» (^٣). وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ (^٤).
وروى أبو داود في سننه من حديث أم حبيبة ﵂: أن النبي - ﷺ - قال: «مَن حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرُمَ عَلَى النَّار» (^٥)، وروى أيضًا من حديث ابن عمر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَءًا صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا» (^٦).
سابعًا: الحضور إلى المسجد بسكينة ووقار، فالسعي الذي يفعله كثير من الناس لإدراك الصلاة يفوتهم السكينة والوقار، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمُ بالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوْا،
_________________
(١) برقم (٥٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ١٠٥) برقم (٤٨٩).
(٢) برقم (١١٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٠٦) برقم (٩٨٠).
(٣) برقم (٧٢٥).
(٤) سنن الترمذي برقم (٤٢٤) وقال: حديث حسن.
(٥) برقم (١٢٦٩): وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٣٦) برقم (١١٣٠).
(٦) برقم (١٢٧١): وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٣٦) برقم (١١٣٢).
[ ٣ / ٤٤٥ ]
فَمَا أَدْرَكْتُم فَصَلُّوْا، وَمَا فَاتَكُم فَأَتِمُّوا» (^١).
ثامنًا: قراءة الأذكار والاستغفار، وذكر الله ﷿ بين الأذان والإقامة، فلو حضر المصلي إلى المسجد مبكرًا لأمكنه على أقل تقدير أن يقرأ عشرين آية، وفي اليوم مئة آية، وفي الأسبوع سبعمئة آية، وفي الشهر ثلاثة آلاف آية، وهذا خير كثير، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وينبغي للمؤمن أن يُعَوِّدَ نفسه على التبكير إلى المسجد حتى يسهل عليه، ويجد الراحة، والسعادة في ذلك، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد: أن النبي - ﷺ - قال: « لَا يَزَالُ قَومٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ» (^٢).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) برقم (٦٣٦)، وصحيح مسلم برقم (٦٠٢).
(٢) جزء من حديث برقم (٤٣٨).
[ ٣ / ٤٤٦ ]