الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإِنّ من أفضل الأعمال الصالحة اليسيرة التي تقرب المسلم إلى ربه جل وعلا: الذكر.
وقد ذكر الله تعالى الذاكرين في كتابه بأجلِّ الذكر: فقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وبيّن في آية أخرى فضل الذكر، وأنه تطمئن به قلوب أهل الإِيمان؛ فقال: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، وجعل جزاء الذاكر أن يذكره سبحانه، وهل هناك أرفع من أن يذكر الله سبحانه عبده المؤمن؟ ! قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «يَقُولُ اللهُ ﷿: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ» (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٧٤٠٥)، وصحيح مسلم برقم (٢٦٧٥).
[ ١ / ١٠٧ ]
قال ابن القيم ﵀: «ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا» (^١).
وانظر إلى هذا الحديث العجيب في بيان فضل الذكر والذاكرين.
روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى» (^٢).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسِيرُ فِي طَرِيقِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ؛ فَقَالَ: «سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ». قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» (^٣).
وروى أبو داود في سننه من حديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً» (^٤).
_________________
(١) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ٧١).
(٢) سنن الترمذي برقم (٣٣٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٣٩) برقم (٢٦٨٨).
(٣) صحيح مسلم برقم (٢٦٧٦).
(٤) سنن أبي داود برقم (٣٦٦٧) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٦٩٨) برقم (٣١١٤).
[ ١ / ١٠٨ ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ اللهَ بِالْخَيْرِ كُلِّهِ (^١)، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لِكُلِّ شَيْءٍ جِلاءٌ، وَإِنَّ جِلاءَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللهِ ﷿ (^٢).
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فقد الماء؟ ! (^٣).
وقال ابن القيم: «وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده» (^٤).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَاّ رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (^٥).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء الفقراء إلى النبي - ﷺ - فقالوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، قَالَ: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ،
_________________
(١) شعب الإيمان (١/ ٤٠٨).
(٢) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ٦٧).
(٣) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: ٧١).
(٤) الفوائد (ص: ٢١٥).
(٥) صحيح البخاري برقم (٦٤٠٣)، وصحيح مسلم برقم (٢٦٩١).
[ ١ / ١٠٩ ]
وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلَاّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟ ! تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» (^١) الحديث.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^٢).
ومما يدل على فضل الذكر ومكانته العظيمة وأنه ينوب عن بعض الأعمال، ويقوم مقامها ما رواه أبو نعيم في كتابه معرفة الصحابة من حديث عبد الله بن حبيب أن النبي - ﷺ - قال: «من ظن بالمال أن ينفقه، وبالليل أن يكابده، فعليه بسبحان الله وبحمده» (^٣).
وقد أمر الله عباده المؤمنين بالذكر الكثير فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
والنبي - ﷺ - شرع لأمته من الأذكار ما يملأ الأوقات! فلكل حالة أو زمن ذكر يخصه ففي الصباح أذكار مخصوصة، وفي المساء كذلك وعند النوم، واليقظة، وعند دخول البيت والخروج منه، وعند طعامه وشرابه، وغير ذلك من أحواله، ولاشك أن من حافظ على هذه الأذكار فإنه سيكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات وبهذا يأمن مما اتصف به المنافقون حيث يقول الله عنهم: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٨٤٣)، وصحيح مسلم برقم (٥٩٥).
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٦٩٥).
(٣) برقم (٣٦٢٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٦٣٧٧).
[ ١ / ١١٠ ]
ومن الأذكار العامة التي تشرع في كل وقت: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس عن جويرية: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ. فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا». قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (^١).
وروى الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلَ وَأَكْثَرَ مِن ذِكْرِكَ اللَّيْلَ مَعَ النَّهَارِ وَالنَّهَارَ مَعَ اللَّيْلِ؟ أَنْ تَقُولَ: سُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ، وَسُبْحَانَ الله مِلءَ مَا خَلَقَ، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا فِي الأَرضِ وَالسَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ الله مِلءَ مَا فِي الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا أَحْصَى كِتَابُهُ، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ كُلِّ شَيءٍ، وَسُبْحَانَ الله مِلءَ كُلِّ شَيءٍ، وَتَقُولُ: الحَمْدُ لله مِثْلَ ذَلِكَ» (^٢).
ومن الأذكار التي تقال في الصباح والمساء، ويقولها العبد كلما شَعَر بحاجته إلى مغفرة ربه، ما رواه البخاري في صحيحه من حديث شداد بن أوس - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - قال: «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ». قَالَ: «وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٧٢٦).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣٦/ ٤٥٩) برقم (٢٢١٤٤)، وقال محققوه: حديث صحيح، وصحيح ابن حبان برقم (٨٢٧) واللفظ له.
[ ١ / ١١١ ]
مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (^١).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٦٣٠٦).
[ ١ / ١١٢ ]