الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فمن سور القرآن العظيم التي تتكرر على أسماعنا وتحتاج منا إلى تأمل وتدبُّر سورة التكاثر، قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ * كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ١ - ٨].
قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال ابن كثير: يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها (^١).
روى مسلم في صحيحه من حديث مطرف عن أبيه عبد الله بن الشخير - ﵁ - قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَاّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ !».
وفي رواية له: «وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ» (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١٤/ ٤٤٢).
(٢) صحيح مسلم برقم (٢٩٥٨).
[ ٢ / ٢١٣ ]
قال الشاعر:
يا جَامِعَ المال في الدنيا لِوارثهِ هل أَنْت بالمَال بعد الموْت تَنْتَفعُ
لا تُمْسِك المال واسْتَرْضِ الإلَهَ بهِ فإنَّ حَسْبَك مِنه الريُّ والشَّبَعُ
وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾ قال ابن القيم: «وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت، إيذانًا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم بمنزلة الزائرين يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها غير مستقرين فيها. ودار القرار هي الجنة أو النار» (^١).
وقوله: ﴿كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما هكذا ينبغي أن يُلهيكم التكاثر عن طاعة الله، وسوف تعلمون عاقبة تشاغلكم بالتكاثر، وكرر الجملة هنا لزيادة التأكيد، كما قال بعض المفسِّرين.
قال ابن القيم: وقيل: ليسَ تأكيدًا؛ بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر، وهذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس (^٢).
وقوله: ﴿كَلَاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أي لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة، ولكن عدم العلم الحقيقي صيركم إلى ما ترون.
وقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ﴾ هذا قسمٌ من الله تعالى بأَن عباده - مؤمنهم وكافرهم - سيشاهدون النار بأعينهم، ثم أكد هذا الخبر بأنه واقع لا محالة، وأَنّهم سيكونون متيقنين برؤية النار يقينًا لاشك فيه، ولكن الله ينجي المؤمنين منها، وقد جعل
_________________
(١) تفسير ابن القيم (ص: ٥١٣).
(٢) تفسير ابن القيم (ص: ٥١٥).
[ ٢ / ٢١٤ ]
سبحانه رؤيتهم لها ليعرفوا فضل الله عليهم بإنجائهم منها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢].
وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر] أي: ليسألنكم الله يوم القيامة عن كل نعمة أنعم بها عليكم، كالأمن والصحة والسمع والبصر والعافية، وما يطعمه الإِنسان ويشربه، هل قمتم بشكرها وأديتم حق الله فيها ولم تستعينوا بها على معاصيه، أَم اغتررتم بها ولم تقوموا بشكرها فيعاقبكم على ذلك.
روى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟». قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا». فَقَامُوا مَعَهُ فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «أَيْنَ فُلَانٌ؟». قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ؛ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ، وَتَمْرٌ، وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ». فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» (^١).
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٠٣٨).
[ ٢ / ٢١٥ ]
قال النووي في شرح الحديث: والسؤال هنا سؤال تعداد النعم وإعلام بالامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة (^١).
وأما بالنسبة للكفار فإنه سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة، روى الترمذي في سننه من حديث أبي برزة الأسلمي - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟» (^٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلعَبدِ يَومَ القِيَامَةِ: أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ (^٣) وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي» (^٤).
روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسأل عنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ - يعني العبد - من النعيم أَنْ يُقَالَ: أَلَمْ نُصِحَّ لَكَ جِسْمَكَ ونرويكَ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ؟» (^٥).
قال ابن القيم: فللَّه ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرًا، وأشدها ترغيبًا في الآخرة، وتزهيدًا
_________________
(١) شرح النووي (٥/ ٢١٤).
(٢) سنن الترمذي برقم (٢٤١٦) وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) أي: أجعلك سيدًا على غيرك.
(٤) جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٦٨).
(٥) سنن الترمذي برقم (٣٣٥٨)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٧٦) برقم (٥٣٩).
[ ٢ / ٢١٦ ]
في الدنيا، على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها وحسن نظمها، فتبارك من تكلم بها حقًّا، وبلغها رسوله عنه وحيًا (^١). اهـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) التفسير القيم (ص: ٥٢٣).
[ ٢ / ٢١٧ ]