الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فهذه مقتطفات من سيرة علم من أَعلام هذه الأُمة، وبطل من أَبطالها، وفارس من فرسانها، صحابي جليل من أَصحاب النبي - ﷺ -، نقتبس من سيرته العطرة الدروس والعبر.
أسلم هذا الصحابي سنة ثمان من الهجرة، وخاض عشرات المعارك.
يقول عنه المؤرخون: لم يهزم في معركة قط لا في جاهلية ولا في إسلام، يقول عن نفسه: «لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِيْ يَدِيَ يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِيْ يَدِيَ إِلَاّ صَفِيْحَةٌ يَمَانِيَّةٌ» (^١). وهذا يدل على شجاعته الفائقة، وعلى القوة العظيمة التي ركبها الله في جسده، وكان قائدًا لجيش المسلمين في معركتي اليمامة واليرموك الشهيرتين، وقطع المفازة من حد العراق إلى أول الشام في خمس ليال في عسكر معه، وكانت هذه من أَعاجيب هذا القائد، وقد سمّاه النبي - ﷺ - سيف الله المسلول، وأَخبر أنه: «سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ سَلَّهُ اللهُ عَلَى المُشرِكِينَ» والمنافقين، وقال عنه: «نِعْمَ عَبْدُ اللهِ وَأَخُو العَشِيرَةِ» (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٢٦٥).
(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ٢١٦) برقم (٤٣) وقال محققوه: حديث صحيح بشواهده.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
إنه فارس الإِسلام خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي المكي، وهو ابن أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵂، كان رجلًا ضخمًا، عريض المنكبين، قوي البنية، أَشبه الناس بعمر بن الخطاب - ﵁ -، وقد كانت لهذا الصحابي مواقف عظيمة تدل على شجاعته ونصرته لهذا الدِّين، ومن هذه المواقف: معركة مؤتة الشهيرة، وقد حدثت سنة ثمان من الهجرة في نفس السنة التي أسلم فيها خالد، وكان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل، وعدد جيش الروم مائتي ألف مقاتل، ونظرًا لعدم تكافؤ العدد بين المسلمين وعدوهم، فقد ظهرت في هذه المعركة بطولات عظيمة للمسلمين، فقد أمَّر النبي - ﷺ - على جيش المسلمين زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإِن قتل فعبد الله بن رواحة، وقد استشهد القادة في هذه المعركة، بعد ذلك أخذ الراية ثابت بن أقرم، وقال للمسلمين: أمّروا عليكم رجلًا، فاختاروا خالد بن الوليد، وهنا ظهرت شجاعته العظيمة وعبقريته الفذة، فقام بإعادة ترتيب جيش المسلمين مرة ثانية، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، ثم جعل بعض الجيش يتأخر قليلًا، ثم بعد فترة يأتون على هيئة مدد، حتى يضعف من عزيمة العدو، ثم حمل بالمسلمين حملة عظيمة على الروم جعلتهم يتقهقرون وتضعف عزيمتهم، وأَبدى - ﵁ - من صنوف الشجاعة والبطولة ما تتقاصر عنه همم الأَبطال، ثم إنه بحنكته وسياسته اتخذ طريقة عجيبة في الانسحاب المنظم بالمسلمين، واكتفى بتلك الضربة، ورأى ألا يقحم المسلمين في معركة غير متكافئة، وقد سمى النبي - ﷺ - ذلك فتحًا، فقال عندما نعى القادة الثلاثة: «ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ «(^١).
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٧٥٧).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وقد شهد خالد حروب الردة، وغزا العراق، وقد اختلف أهل السير في أسباب عزل خالد عن قيادة جيش المسلمين في الشام، ولعل الصحيح ما نقل عن عمر - ﵁ - أنه قال: لَا، لأَنزِعَنَّ خَالِدًا حَتَّى يَعلَمَ النَّاسُ أَنَّ اللهَ إِنَّمَا يَنصُرُ دِينَهُ بِغَيرِ خَالِدٍ (^١).
ومن أقواله العظيمة أنه قال: مَا مِن لَيلَةٍ يُهدَى إِلَيَّ فِيهَا عَرُوسٌ أَنَا لَهَا مُحِبٌّ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن لَيلَةٍ شَدِيدَةِ البَردِ، كَثِيرَةِ الجَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، أُصَبِّحُ فِيهَا العَدُوَّ (^٢).
وكتب رسالة إلى الفرس قال فيها: لَقَد جِئتُكُم بِقَومٍ يُحِبُّونَ الْمَوتَ كَمَا تُحِبُّ فَارِسٌ شُربَ الْخَمْرِ.
قال قيس بن أبي حازم: سمعت خالدًا وهو يقول: مَنَعَنِي الجِهَادُ كَثِيرًا مِن تَعَلُّمِ القُرآنِ الكَرِيمِ (^٣).
قال أبو الزناد: لَمَّا احتُضِرَ خَالِدٌ جَعَل يَبكِي، وَقَالَ: لَقَد شَهِدتُ كَذَا وَكَذَا مِنَ المَعَارِكِ زَحفًا، وَمَا فِي جَسَدِي مَوضِعُ شِبرٍ إِلَاّ وَفِيهِ ضَربَةٌ بِسَيفٍ، أَو رَميَةٌ بِسَهمٍ، أَو طَعنَةٌ بِرُمحٍ، وَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي حَتفَ أَنفِي كَمَا يَمُوتُ البَعِيرُ، فَلَا نَامَت أَعيُنُ الجُبَنَاءِ (^٤)؛ لقد تمنى خالد الشهادة ونرجو أن الله بلغه إياها.
روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف عن أبيه عن جده: عن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (^٥).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٧٨).
(٢) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٧٥).
(٣) ذكره الحافظ في المطالب العالية (٤٠٤١).
(٤) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٢).
(٥) صحيح مسلم برقم (١٩٠٩).
[ ٢ / ٣٣١ ]
وعند وفاته لم يترك إلا فرسه وسلاحه وغلامه، جعلها في سبيل الله، فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، قال: رَحِمَ اللهُ أَبَا سُلَيمَانَ كَانَ عَلَى مَا ظَنَنَّا بِهِ (^١).
وجاء في حديث عمر بن الخطاب في الزكاة: أن النبي - ﷺ - قال: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُم تَظْلِمُونَ خَالِدًا قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيل اللهِ» (^٢).
وكانت وفاته سنة إحدى وعشرين من الهجرة في مدينة حمص الشامية، وعمره آنذاك ثمانية وخمسون عامًا (^٣).
رضي الله عن خالد وجزاه عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا به في دار كرامته.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٣).
(٢) صحيح البخاري برقم (١٤٦٨).
(٣) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٨٣).
[ ٢ / ٣٣٢ ]