الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَاّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (^١).
يجمع الله الخلائق يوم القيامة، الأولين منهم والآخرين ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].
في يوم طويل قدره، عظيم هوله، شديد كربه، حذّر الله منه عباده وأمرهم بالاستعداد له، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢].
في ذلك اليوم العظيم تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ قَدْرَ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٤٢٣)، وصحيح مسلم برقم (١٠٣١).
[ ١ / ٢١ ]
كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا (^١).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ» (^٢).
في ذلك الموقف العظيم يظل الله في ظله هؤلاء السبعة، فلنتأمل أعمالهم التي أوجبت لهم هذا الجزاء العظيم.
فالأول: الإِمام العادل الذي يحكم بين الناس بالحق ولا يتبع الهوى، كما قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
ممتثلًا أمر ربه له سبحانه إذْ يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلُوا» (^٣).
فهذا ثواب من عدل في حكمه وأعطى الحق أهله، فانظر إلى جزاء من جار في حكمه وظلم ولم يعدل، وأغلق بابه دون أصحاب الحاجات.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا
_________________
(١) معنى حديث أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٨٦٤).
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٥٣٢)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٣).
(٣) صحيح مسلم برقم (١٨٢٧).
[ ١ / ٢٢ ]
يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أُمامة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَاّ أَتَى اللهَ ﷿ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث معقل بن يسار - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَاّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (^٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمرو بن مرة أنه قال: يا معاوية إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِن إِمَام أَو وَالٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الحَاجَةِ وَالخَلَّةِ وَالمَسْكَنَةِ إِلَاّ أَغْلَقَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ» قَالَ: فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ (^٣).
والثاني: شاب نشأ في عبادة الله، وقد وفقه الله منذ نشأ للأعمال الصالحة، وحببها إليه، وكرَّه إليه الأعمال السيئة وأعانه على تركها، إما بسبب تربية صالحة، أو رفقة طيبة، أو غير ذلك، وقد حفظه مما نشأ عليه كثير من الشباب من اللهو واللعب وإضاعة الصلوات والانهماك في الشهوات والملذات، وقد أثنى الله على هذا النشء المبارك بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣].
ولما كان الشباب داعيًا قويًا للشهوات، كان من أعجب الأمور
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٦٧)، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٥٧١٨).
(٢) صحيح البخاري برقم (٧١٥٠)، وصحيح مسلم برقم (١٤٢) واللفظ لمسلم.
(٣) مسند الإمام أحمد (٢٩/ ٥٦٥) برقم (١٨٠٣٣)، وقال محققوه: صحيح لغيره.
[ ١ / ٢٣ ]
الشاب الذي يلزم نفسه بالطاعة والاجتهاد فيها، فاستحق بذلك أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله.
لقد علم أنه مسؤول عن شبابه فيم أبلاه، فعمل بوصية نبيه - ﷺ - التي أوصى بها حيث يقول: «اغتَنِمْ خَمسًا قَبلَ خَمسٍ: شَبَابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبلَ شُغلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبلَ مَوتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبلَ فَقرِكَ» (^١).
والثالث: رجل قلبه معلق بالمساجد، فلا يكاد إذا خرج من المسجد أن يرتاح لشيء حتى يعود إليه، لأن المساجد بيوت الله، ومن دخلها فقد حلَّ ضيفًا على ربه، فلا قَلْبَ أطيب ولا نفسَ أسعد من رجلٍ حلَّ ضيفًا على ربه في بيته وتحت رعايته.
وهؤلاء عمَّار المساجد على الحقيقة الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَاّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
روى أبو نعيم في حلية الأولياء من حديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَتَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ كَانَ الْمَسجِدُ بَيْتَهُ، بِالرَّوْحِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، إِلَى رِضْوَانِ اللهِ إِلَى الْجَنَّةِ» (^٢).
وهذه الضيافة تكون في الدنيا: بما يحصل في قلوبهم من الاطمئنان والسعادة والراحة، وفي الآخرة: بما أعدَّ لهم من الكرامة في الجنة.
_________________
(١) مستدرك الحاكم (٤/ ٣٤١) رقم (٧٨٤٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (١٠٧٧).
(٢) حلية الأولياء (٦/ ١٧٦)، وقال المنذري في كتابه: الترغيب والترهيب (١/ ٢٩٨)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار، وقال إسناده حسن وهو كما قال ﵀. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧١٦).
[ ١ / ٢٤ ]
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا (^١) كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» (^٢).
والرابع: رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، لأن أوثق عرى الإِيمان الحب في الله والبغض في الله.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
روى أبو داود في سننه من حديث أبي أُمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ» (^٣).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (^٤).
وهذه إحدى الخصال التي يجد بها العبد حلاوة الإِيمان ولذته، فهذان الرجلان لم تجمعهما قرابة ولا رحم ولا مصالح دنيوية، وإِنَّما جمع بينهما حب الله تعالى حتى فرَّق بينهما الموت وهما على ذلك.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -:
_________________
(١) نزله: مكانًا ينزله.
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٦٢)، وصحيح مسلم برقم (٦٦٩) واللفظ له.
(٣) سنن أبي داود برقم (٤٦٨١)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٥٩٦٥).
(٤) صحيح مسلم برقم (٥٤).
[ ١ / ٢٥ ]
أن النبي - ﷺ - قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ ﷿ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللهِ». فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ، وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللهِ؟ ! انْعَتْهُمْ لَنَا - يَعْنِي: صِفْهُمْ لَنَا - فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِسُؤَالِ الأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ، تَحَابُّوا فِي اللهِ وَتَصَافَوْا، يَضَعُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا، فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا، وَثِيَابَهُمْ نُورًا، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَفْزَعُونَ؛ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» (^١).
والخامس: رجل دعته امرأة إلى نفسها، وليست كأي امرأة، بل هي امرأة لها مكانة ومنزلة رفيعة، وقد أعطاها الله من الجمال ما يجعل الفتنة بها أشد، والتعلق بها أعظم، فيا الله كيف ينجو من وقع في مثل ذلك الموقف، إلا بإيمان عميق وبصيرة نافذة؟ !
قال القاضي عياض: «وخص ذات المنصب والجمال لكثرة الرغبة فيها، وعسر حصولها، وهي جامعة للمنصب والجمال، لا سيما وهي داعية إلى نفسها طالبة لذلك، قد أغنت عن مشاق التوصل إلى مراودة ونحوها، فالصبر عنها لخوف الله تعالى، وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٤٣) طبعة دار صادر، وشرح السنة للبغوي (١٣/ ٥٠ - ٥١) برقم (٣٤٦٤)، وقال محققاه شعيب، وزهير: وأخرجه أحمد (٥/ ٣٤١، و٣٤٣) وشهر بن حوشب مختلف فيه وله شاهد بنحوه من حديث ابن عمر. أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٧٠ - ١٧١)، وصححه، وأقره الذهبي وآخر من حديث أبي هريرة عند ابن حبان في صحيحه (٢٥٠٨) وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٦ ]
والجمال من أكمل المراتب، وأعظم الطاعات، فرتب الله تعالى عليه أن يظله في ظله. وذات المنصب هي ذات الحسب والنسب الشريف» (^١).
قال تعالى في هذا وأمثاله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَاوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلهِ، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِئَةَ دِينَارٍ فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَاّ بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ الحديث» (^٢).
والسادس: رجل تصدَّق بصدقة، وما أكثر المتصدقين! وما أعظم أجورهم عند الله! لكن الذي تميز به هذا المتصدق ونال به هذا الأجر العظيم - وهو إظلال الله له -، إخلاصه في صدقته، فقد بلغ به الإِخلاص حتى كاد أن يخفيها عن نفسه لو استطاع. وقد مدح الله المتصدقين، فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ثم خص المسرِّين فقال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ١٢٢).
(٢) قطعة من حديث في صحيح البخاري برقم (٢٢١٥)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٤٣) واللفظ له.
[ ١ / ٢٧ ]
وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
وعن عبد الله بن جعفر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (^١).
أما السابع: فرجل امتلأ قلبه بمحبة الله وخشيته وتعظيمه، فذكر الله بمكان خال لا يراه إلا هو، ذكر عظمته وفضله عليه ورحمته فدمعت عيناه شوقًا إليه، وفي هذا وأمثاله يقول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣].
روى الترمذي في سننه من حديث ابن عباس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (^٢).
وقد كان النبي - ﷺ - كثير البكاء من خشية الله وكذلك الصالحون من قبل ومن بعد، وقد توعَّد الله أصحاب القلوب القاسية بأشدِّ الوعيد، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) المعجم الصغير للطبراني (٢/ ٩٥)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٧٥٩).
(٢) سنن الترمذي برقم (١٦٣٩)، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٤١١٣).
[ ١ / ٢٨ ]