الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد:
فإن من أفضل الأعمال الصالحة وأجلها عند الله تعالى الصيام، فقد رغَّب فيه الشرع وحثَّ عليه، وجعله أحد أركان الإِسلام العظام، وأخبر جل وعلا أنه لا تستغني عنه الأمم؛ لما فيه من تهذيب الأخلاق، وتطهير النفوس، وحملها على الصبر، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وقال تعالى بعد ما ذكر المسارعين إلى الخيرات من الرجال والنساء: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَاّ بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (^١) (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٢٨٤٠)، وصحيح مسلم برقم (١١٥٣).
(٢) سبعين خريفًا أي سبعين سنة.
[ ١ / ٧١ ]
ومن فضائل الصيام: أنه وقاية للعبد من عذاب الله يوم القيامة.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث جابر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّمَا الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (^١).
ومنها: أنه طريق عظيم إلى الجنة؛ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة - ﵁ - قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: مُرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ»، ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِي: «عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ» (^٢)، وفي رواية: فكان أبو أمامة لا يُرى في بيته الدخان نهارًا، إلا إذا نزل بهم ضيف (^٣).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سهل بن سعد - ﵁ -: عن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» (^٤).
ومنها: أن الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (^٥).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٩٦) قال المنذري: في كتابه: "الترغيب والترهيب" (٢/ ٩) حديث رقم (١٤٣٢): إسناده حسن.
(٢) مسند الإمام أحمد (٣٦/ ٤٦٥) برقم (٢٢١٤٩) وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٣) صحيح ابن حبان برقم (٣٤١٦، ٣٤١٧).
(٤) صحيح البخاري برقم (١٨٩٦)، وصحيح مسلم برقم (١١٥٢).
(٥) مسند الإمام أحمد (٢/ ١٧٤)، قال المنذري في كتابه: "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٠) حديث رقم (١٤٣٦): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع بإسناد حسن، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (٣٨٨٢).
[ ١ / ٧٢ ]
ومنها: أن الصائم يوفَّى أجره بغير حساب، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ ﷿: إِلَاّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (^١).
ومنها: أنه كفارة لكثير من المخالفات، فمن ذلك أنه كفَّارة لحنث اليمين، وقتل الصيد في الإحرام، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥].
روى البخاري في صحيحه من حديث حذيفة - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ» (^٢).
ومنها: أن من صام رمضان وأدَّى الفرائض الأخرى كان من
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٩٠٤)، وصحيح مسلم برقم (١١٥١).
(٢) صحيح البخاري برقم (١٨٩٥).
[ ١ / ٧٣ ]
الصدِّيقين والشهداء، روى ابن حبان في صحيحه من حديث عمرو بن مرة الجهني - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: أرأيت إن شهدتُ أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأدَّيت الزكاة، وصمت رمضان، وقمته فمِمَّن أنا؟ قال: «مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» (^١).
ومنها أن صيام رمضان يكفِّر الخطايا والسيئات.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٢).
وقد فضل الله بعض الأزمنة على بعض وخصها بمزيد من الفضل، فمن ذلك:
صيام ست من شوال، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي أيوب - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (^٣).
ومنها: صيام شهر الله المحرم، وخاصة اليوم العاشر، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (^٤).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) صحيح ابن حبان برقم (٣٤٢٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٦)، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخي البزار؛ وأرجو أنه إسناد حسن أو صحيح. أهـ.
(٢) صحيح البخاري برقم (١٩٠١)، وصحيح مسلم برقم (٧٥٩).
(٣) صحيح مسلم برقم (١١٦٤).
(٤) صحيح مسلم برقم (١١٦٣).
[ ١ / ٧٤ ]
سُئِلَ عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» (^١).
ومنها: صيام يوم عرفة، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة - ﵁ - قال: سُئِلَ رسول الله - ﷺ - عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (^٢).
ومنها: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي - ﷺ - بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ» (^٣).
ومنها: صيام الاثنين والخميس، روى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: عن رسول الله - ﷺ - قال: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (^٤).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١١٦٣).
(٢) صحيح مسلم برقم (١١٦٢).
(٣) صحيح البخاري برقم (١١٧٨)، وصحيح مسلم برقم (٧٢١).
(٤) رواه الترمذي برقم (٧٤٧)، وقال: حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ٢٢٧) برقم (٥٩٦).
[ ١ / ٧٥ ]